الأحد: 19 أغسطس، 2018 - 06 ذو الحجة 1439 - 09:50 مساءً
ثقافة وفن
الأثنين: 11 يونيو، 2018

يُعدّ كتاب “في ظلال القرآن” لسيد قطب (1906-1966) من أشهر كتب التفسير الحديثة. وقد تعود هذه الشهرة لأسباب خارجة عن مضمونه، وتتعلّق أساساً بمؤلِّفه الذي جمع بين تجربة سياسية عنيفة، انتهت بإعدامه، وبين تضلّعٍ في علم الأدب دراسةً وتنظيراً. وتجلّت هذه الثنائية الضدية ذاتُها في الإشكالية التي حكمت الكتابَ وهي صعوبة المواءمة بين معانقة الإعجاز البياني في القرآن وضرورة الفعل التاريخي لتغيير المجتمع، بعد أن غزته “جاهلية القرن العشرين”، والصورة لقطب، كما هو معروف.

كمنت هذه المعادلة الصعبة في إيجاد توازن فكري بين تحليل جمالية التصوير الفني في هذا النص واستلهام القيم الدينية منه، ثم فرضها على النظام الاجتماعي وتوجيه الدولة والشعب نحو مبدأ “خلافة الله في الأرض”. وقد ظل المؤلف يراوح، طيلة أجزاء “الظلال”، بين طرفيْ هذه المعادلة: الجمال والعنف، المطلق والتاريخ، التأمل والثورة، فبذل قصارى جهده لتجاوزها على مستوى الفكر.

وأما على مستوى الواقع، فقد وجد قطب نفسَه قابعاً في سجون نظام عبد الناصر، منكباً على تحرير “الظلال”، بوصفه منظراً لحركة سياسية- اجتماعية (الإخوان المسلمين)، اعتمدت القرآن مصدراً إيديولوجياً، وبرّرت من خلال آياته بسطَ “الحاكمية” في الأرض، وما يقتضيه ذلك من تقويض الأنساق الفكرية المناوئة لها وهي الرأسمالية والشيوعية. فقدَّم شرحه للقرآن من أجل اقتراح الحل الإسلامي “طريقا ثالثة” ودستوراً خالداً، لا يمكن للقوانين الوضعية تجاوزه، بعدما سعت دولة “الضباط الأحرار” إلى اعتماد الاشتراكية والعلمانية، وبعد أن استحال الوجود الإنساني بأسره “جاهلية”.

وقد دفعت ضرورةُ الجمع بين البيان والتغيير إلى ابتكار منهج جديد: إيجاد خطابٍ تحليلي يوفّق بين تفكيك مظاهر العدول الأسلوبي ووقعه النفسي، وبين استلهام التعاليم القرآنية وعرضها، ضمن رؤية حزبية آنية، بحيث تغدو المرجعية الأساسية في تشريع القوانين وتنظيم طرق الحكم وبناء الاقتصاد، في ظل الصراع العنيف الذي كان مستعراً بين كتلتَيْ الرأسمالية والشيوعية.فقد دعا إلى “العودة بالحياة كلها إلى منهج ﷲ الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم. إنه تحكيم هذا الكتاب وحده فـي حياتها والتحاكم إليه وحده في شؤونها، وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس والارتكاس في الحمأة والجاهلية التي تعبد الهوى من دون االله”.

ولذلك توقف صاحب “التصوير الفني”، بشكل خاص، على الآيات ذات الطابع السياسي وسعى إلى استنطاقها، بل وإنطاقها، بما يتلاءم مع مبادئ “الإسلام السياسي” والرؤية الإصلاحية التي سبق أن دشنها محمد عبده ورشيد رضا، حتى يكون الإسلام عماد النهضة ومرجعية الحُكم والوجود، للبشرية جمعاء. ومما ورد في هذا الصدد تأويله للشيوعية السوفييتية باعتبارها تجسّد فرعون العصر، بسبب ما تنشره من أفكار الإلحاد والمادية والتنازع، واعتبار التيار الإسلامي رمزا لموسى، واقفاً في وجه الطغيان وداعياً إلى الإصلاح.

في المقابل، ركّز قطب على جماليات البيان وتألق التصوير المجازي في القرآن، مظهراً وجوه الإعجاز في العلاقة الوثيقة بين موسيقى الكلمات وإيقاع الآيات وموضوعاتها، ومبيّناً وشائج القربى بين المعنى والمبنى. ويكفي أن نذكر نموذجاً لنهجه، هذا المقطع في تفسير سورة الرحمن: “الرحمن: بهذا الرنين الذي تتجاوب أصداؤه الطليقة المديدة المدوية في أرجاء هذا الكون، وفي جنبات هذا الوجود. بهذا الإيقاع الصاعد الذاهب إلى بعيد، يجلجل في طباق الوجود، ويخاطب كل موجود ويتلفت على رنته كل كائن، وهو يملأ فضاء السماوات والأرض، ويبلغ إلى كل سمع وكل قلب (…)”.

هكذا تضافرت تعاليقه على تشكيل نهج مبتكر في التفسير يقوم على التناص، وإجراء الكلام على الكلام. فلم تكن كتابتهُ شرحاً لمراد الله، كما تعوّد فعله المفسرون، بل تصويراً لخلجات إيمانية تبثها الآيُ في نفسيته، فيصوغها هو خطاباً على خطابٍ. وهنا بالتحديد تكمن معضلة النص المحاوِر، حيث يختلط مراد الإنسان بمراد الله ويُسقَط الأولُ على الثاني، بعد أن يجريه على نسقٍ وجداني، تغلب عليه الغنائية.وعلى هذا النحو، كان يتعامل مع كل سورة بوصفها وحدة معنوية عُضوية، فيغوص في موضوعاتها وأساليب التصوير فيها ويقف على العلاقات المنعقدة بين الإيقاع الموسيقي للكلمات والمقاطع وبين انتظام المحاور، حيث تتغير الفاصلة بحسب السياق: التبشير، الإنذار، الوعد أو الوعيد… ولعله كان في ذلك متأثراً بتكوينه الأدبي ضمن مدرسة عباس محمود العقاد التي نهل من مناهجها النفسية والاجتماعية.

ولهذا نفى المفكر المصري، منذ الصفحات الأولى لكتابه، أن يكون كلامه تفسيراً، بالمعنى الاصطلاحي المعروف للكلمة. فقد أراده تفيّؤاً لظلال التنزيل واستجماماً تحت دوحته الوارفة. وبهذا التنويه، شرَّع سيد قطب لمسار التناص الذي لم يكن شرحاً خطياً للآيات، بذكر معاني مفرداتها وتراكيبها، وإنما استمداداً من مخزونها الرمزي إشارات يخوض عبرها تحديات الإسلام السياسي في التاريخ المعاصر. وهو ما أدى أحياناً إلى حالات من الإسقاط، بل التعسّف، مع حضور لافتٍ لطوبائية وعظية تجعل القرآن سفينة النجاة للإنسانية جمعاء، تحتمي بها من كل مشاكلها.

كان “الظلال” نصاً بحث فيه صاحبه عن السكينة التي يشعر به مَن يتفيأ القرآن ويستجمُّ في واحته. وفيه بث أحاسيسه بعبارة أدبية رائقة وقدّمه نسقاً أيديولوجياً لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي كانت بمثابة صحراء قاحلة، انتشرت فيها العبثية، ثم قامت على أنقاضها الحرب الباردة، بعد هلاك أكثر من ستين مليون ضحية. كان القرآن بأشجاره الوارفة وأغصانه الظليلة يمد القارئ بما يُخفف عنه رمضاءَ العصر.

إلا أنَّ بناء تفسير كاملٍ على مثل هذه الاستعارة كان نقطة ضعفه الأساسية: قد يصف الباحث عن الظلال اختناقه بالحرّ أكثر مما يصوّر مانحَ الظل. وقد لا تكفي واحة واحدة لإرواء صحارى عصرنا الحديث، وقد مسحتها حركة التاريخ بحروبها وآفاتها.