الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 04:53 مساءً
ثقافة وفن
الأثنين: 11 يونيو، 2018

عبدالزهرة زكي

وقفتَ وما في الموتِ شكٌّ لِواقفٍ .. كأَنَّك في جَفنِ الرَدى وهو نائمُ
تَمُرُّ بكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمةً .. ووجهُكَ وضّاحٌ وثغرُكَ باسِمُ
تجاوزتَ مقدارَ الشَجاعةِ والنُهى .. إلى قولِ قومٍ أنتَ بالغَيبِ عالِمُ

أحياناً تكون سِيرُ النصوص على قدرٍ من القيمة والأثر لا تقلّ فيه عن قيمة النصوص نفسها. و(سيرة النص)، أي نص شعري وأدبي، هي وقائع حياته وتفاعله في محيطه وحياة مؤلفه، سيرة النص هي النص نفسه إنما بصلته مع العالم والحياة، مؤثّراً ومتأثراً، وليس من نصٍّ حيويّ بلا حياة ولا سيرة.

وهذه الأبيات هي مثال على ما تقدّمه نصوص الشعر القديمة من أثرٍ بالغ في قيمته، واحدة من وقائع سيرة هذه الأبيات ستكون غنية بإفصاحها عن وعي الشاعر بالشعر. إنها، ببيتيها الأوّلين في الأقل، من أشهر وأفضل أبيات المتنبي، لكن البيتين الأولين نفسيهما يحتفظان بدرسٍ مهم عن وعي الشاعر وفهمه الشعرَ ومن ثمّ ثقافته ولماحيته.

الأبيات هي من قصيدة مديح شهيرة بمطلع ظلَّ هو الآخر شهيراً:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ .. وتأتي على قدر الكرام لمكارمُ.
إنها قصيدة من أشهر وأفضل مدائح المتنبي للأمير سيف الدولة الحمداني.

تأتي واحدة من وقائع سيرة الأبيات المختارة هنا في ثنايا شرح الواحدي للبيتين الأولين. يروي الواحدي ما يلي: “سمعتُ الشيخَ أبا معمر المفضل بن إسماعيل يقول: سمعت القاضي أبا الحسين علي بن عبد العزيز يقول: لما أنشد المتنبي سيفَ الدولة قوله فيه (وقفت وما في الموت شك لواقف..) (والبيت) الذي بعده (تمرّ بك الأبطال..) أنكر عليه سيفُ الدولة تطبيقَ عجزي البيتين على صدريهما، وقال له: كان ينبغي أن تقول
وقفت وما في الموت شك لواقف،
ووجهك وضاح وثغرك باسم.
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة
كأنك في جفن الردى وهو نائم”.

وسيف الدولة رجل مثقف، أو في الأقل هو مستمع جيد للشعر. كان غنى مجلسه دائماً بالعلماء والنقاد والشعراء ما يجعل الجدل في الشعر واللغة حيّاً متوقداً مهما اختلفت دوافعه. وكان سيفُ الدولة بهذا الرأي يقدّم اعتراضاً نقدياً مهماً في تعبيره عن حصافة الرجل، وشدة تفاعله مع ما يصغي إليه من شعر، وسرعة هذا التفاعل.

***

قد يكون صحيحاً أن الأمير ليس صاحبَ سبقٍ بمثل هذا الاعتراض، فهو نفسه يأتي باستشهاد من واقعة نقدية سابقة وقديمة، ويذكّر بها ليؤكّد اعتراضه على بيتي المتنبي، إذ يستعيد سيف الدولة رأياً نقدياً كان قد قيل من قبل ضد بيتين، وكانا لشاعر عربي كبير آخر هو امرؤ القيس، لكن ما يُحسب للأمير هو نباهته في الإصغاء وفي حُسن الاستشهاد.

يريد الأمير تأكيدَ رأيه بشأن بيتي أبي الطيب فيواصل حديثه مع الشاعر: “.. وأنت في هذا مثل امرئ القيس في قوله:
كأني لم أركب جواداً للذة .. ولم أتبطّن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزقَّ الرويّ ولم أقل .. لخيلي كرّي كرّةً بعد إجفال

ثم يسهب الأمير فيقول مخاطباً المتنبي: “ووجهُ الكلامِ في البيتين، على ما قاله العلماءُ بالشعر، أن يكون عجز البيت الأول مع الثاني وعجز البيت الثاني مع الأول، ليستقيم الكلام فيكون ركوبُ الخيل مع الأمر للخيل بالكرّ ويكون سباء الخمر مع تبطّن الكاعب”.

عادة ما ينتصر السلطان في مثل هذه المحاورات. يجب أن لا يخطئ السلاطين، وغالباً ما يتواطأ الطرف الآخر في الحوار مع السلطان حتى لا يبدو السلطان مخطئاً أو جاهلاً.

وفي تراثنا، وحتماً في تراث كثير من الأمم الأخرى، الكثيرُ مما قيل وكُتب عن حسن آداب مخاطبة الملوك. ويأتي هذا التأكيد حتى في كتب غير معنية أساساً بهذا السلوك. كما حدث مثلاً للأصمعي مع الرشيد وجاء ذكره في كتاب السيرافي (أخبار النحويين البصريين)..

لكن المتنبي شأن آخر؛ ففيما يُتوقَع أن يبدو محرَجاً فيصمت، أو مقتنعاً أو مجاملاً فيثني على جمال رأي الأمير، فإنه كان، كما هو شأنه، سريعاً في حُسن تدبّره، ذكياً في إعمال بداهته، منطقياً في صياغة رده، لقد ردَّ على الأمير بالقول: “أدام الله عزَّ مولانا سيف الدولة. إن صحّ أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم منه بالشعر فقد أخطأ أمرؤ القيس وأخطأت أنا”.

يواصل المتنبي مستعيناً بحكمته وبجمال تصويره الشعري فيضيف: “ومولانا يعرف أن الثوب لا يعرفه البزّاز معرفة الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملتَه والحائكَ يعرف جملته وتفصيله. لأنه أخرجه من الغزْلية إلى الثوبية”. بهذا التشبيه الشعري يكون الشعرُ نسيجاً ويكون منتقدو امرئ القيس، وسيكون معهم حتماً منتقد المتنبي (الأمير) بزازين، فيما الشاعرُ حائك الشعر. الشاعر الحائك هو الأعرف من البزاز بنسيج الثوب (القصيدة) ومادته وأسلوب حياكته وخياطته.

مرة أخرى يضع المتنبي نفسه بالموضع الأصح، ويترك للأمير الموضع الذي يستحق، ليس بالشعر وحده يؤكد المتنبي اعتزازه بنفسه وعلوّ كعبها. يفصّل المتنبي رأيه بعد ذلك نقدياً، فيقول مدافعاً عن دقّة بنائه الشعري وعن دقة ما كان قد فعله من قبل امرؤ القيس: “وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لما ذكرتُ الموتَ في أول البيت أتبعته بذكر الردى لتجانسه، ولما كان وجه المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينه من أن تكون باكية قلت ووجهك وضّاح وثغرك باسم لأجمع بين الأضداد في المعنى”.

وبالتأكيد فإن هذا التركيب الذي يشرحه المتنبي لم يكن حاضراً، لحظة التأليف الشعري، بمثل هذه القصدية التي ظلّ يتحدث بها في لحظة نقاش نقدي مرتجل وغير مهيأ له. بداهة الشاعر هي المثقفة، وهي التي تستثمر، عند وضع القصيدة، معرفة وخبرات وثقافة الشاعر بتلقائية لا مجال معها للتخطيط المسبق. المتنبي شاعر مؤهل بخبرات تقنية ومعرفية ولغوية لا تتأتى إلا لشاعر عظيم.

لم يتضايق سيف الدولة من تخطئته؛ لقد أُسعِد بردِّ الشاعر، فكافأه مباشرةً عن حسن ردّه وعما كان ينطوي الردّ عليه من إقناع. يقول الواحدي بعد ما ينتهي من سرد الحكاية: “ولا تطبيق بين الصدر والعجز أحسن من بيتي المتنبي”. كما ينقل الواحدي عن ابن جني قوله: “وليس الملك والشجاعة في شيء من صناعة الشعر، ولا يمكن أن يكون في ملاءمة العجز الصدر مثل هذين البيتين، لأن قوله (كأنك في جفن الردى) هو معنى قوله (وقفت)، فلا معدل لهذا العجز عن هذا الصدر، لأن النائم إذا طبق جفنه أحاط بما تحته، فكأنّ الموت قد أظله من كلّ مكان، كما يحدق الجفن بما يتضمنه من جميع جهاته. فهذا هو حقيقة الموت، وقوله (تمرّ بك الأبطال) هو النهاية في التطابق للمكان الذي تكلم فيه الأبطال، فتكلَح وتعبّس، وقوله (ووجهك وضاح) لاحتقار الأمر العظيم”.

***

دائماً كان ابن جني معجباً ومنحازاً لأبي الطيب. لكن كانت من المرات النادرة التي شكّك فيها ابن جني بدقة تعبير المتنبي قد حصلت مع هذه القصيدة، وكانت هذه المرة مع البيت الثالث من هذه الأبيات المختارة هنا.
تجاوزتَ مقدارَ الشَجاعةِ والنُهى .. إلى قولِ قومٍ أنتَ بالغَيبِ عالِمُ.

ما أكثر المرات التي جاهد فيها العالم اللغوي، وحتى بالغ، في تبرير كثير من استخدامات المتنبي اللغوية، لكنه هنا يعترض برأي نقدي تعبيري على البيت الثالث، إذ يرى أبو الفتح في آخر البيت بعض التنافر لأوّله، لأن “الشجاعة لا تذكر مع علم الغيب، ولولا أنه ذكر العقل لكان أشدّ تبايناً، لأن العاقل عارف بأعقاب الأمور، ولو كان موضع الشجاعة الفطانة، لكان أليق بعلم الغيب، إلا أنه كان في ذكر الحرب، وكانت الشجاعة من ألفاظ وصفها. ويجوز أن يكون ذكر الشجاعة مع علم الغيب، لأنه كان قد عرف ما يصير إليه، فشَجُع ولم يحذر الموت”.

لكن العكبري يرى خلاف ذلك فيوضح في معرض رده على أبي الفتح: “أنك أظهرت من إقدامك وعزمك، وسماحتك بمهجتك، ما صدّق قول قوم فيك إنك تعلم الغيب. يريد: غيب مآل أمرك في الظفر، فلم تحفل بشدّة الحرب، وتيقنت ما ختم اللّه لك به من التأييد فأمنت مخاوف القتل، فحينئذ كنت وضّاحاً بسّاماً عند شدّة الحرب”. وهو رأي قريب مما قال به أبو العلاء المعري في معرض شرحه البيت: “إن الشجاع يثبت ما دام يطمع (في) الظفر ويرجو النصر، وكذلك العاقل الحازم، يقف متى رأى مخايل النصر وأمارات الظفر، فإذا اشتد الأمر وأيقن كل واحد بالموت طلب النجاة بالفرار، وسيف الدولة تجاوز هذه المنزلة، فهو يقف في المواقف التي لا يشك الحازم والشجاع في الهلاك فيها، كأنه عالم بالغيب وعواقب الأمور”.

ومعرفة الغيب هنا هي تبصّر القائد بالنتائج وبما لا يتوقعه سواه؛ معرفته الغيب هي حدسُه وخبرتُه وثقته بدقة خطته في الحرب.