الأثنين: 23 سبتمبر، 2019 - 23 محرم 1441 - 02:29 مساءً
سلة الاخبار
الخميس: 12 سبتمبر، 2019

عواجل برس / بعد أكثر من 44 عامًا على وفاته، لا يزال فرانشيسكو فرانكو، مثيرًا للجدل سواء عن فترة حكمه التى أعقبت الحرب الأهلية، أو حتى رفاته الذى يوجد فى مجمّع “فايه دى لوس كاسدوس”، ويمثل رفات فرانكو أزمة كبيرة لحكومة بيدرو سانشير، التى تعمل على تحويل ضريحه إلى نصب تذكارى لضحايا الحرب الأهلية الإسبانية، ودخلت مع عائلته فى مواجهة قضائية تمتد يومًا بعد يوم.

فالحكومة الاشتراكية التى تولت فى يونيو 2018، والمحكمة العليا، والبرلمان، وأسرة الديكتاتور، ينتظرون جميعًا قرار 24 سبتمبر للبت فى قرار نهائى بنقل الرفات من عدمه.

وتريد الحكومة نقله من مجمّع “فايه دى لوس كاسدوس” الذى تم نحته فى سفح الجبل إلى الشمال من العاصمة مدريد، والذى اعتبره الكثير من الأسبان كنصب تذكارى للفاشية، إلى مقبرة صغيرة بجانب زوجته، وتحويل المجمع إلى نصب تذكارى لشهداء الحرب الأهلية والديكتاتورية التى أقامها فرانكو.

فرانكو وزوجته

كما أن عدة جمعيات من المجتمع المدنى الإسبانى تدعو لنسف صليب وادى الشهداء الذى بناه فرانكو، باعتباره من الرموز التى بناها الجنرال، باعتبار هذا استكمال لإسقاط عهده والقضاء على كل تركات وآثار الديكتاتور بالوسائل السياسية والسلمية والقانونية.   

وادى الشهداء

الحكومة الحالية واضحة ومصرة على قرارها بنقل الرفات، وظهر هذا من تعليق كارمن كالبو نائبة رئيس الوزراء: “لن يرقد فى وادى الشهداء سوى رفات الذين لقوا حتفهم نتيجة للحرب الأهلية الإسبانية”.

ولكن الحكومة رغم إصرارها على المضى قدما فى مبتغاها، إلا أنها تتحسس الخطى، لذا تحاول أن تلبس تحركها الطابع القانونى، خاصة أن المرسوم، الذى يعدل قانون الذاكرة التاريخية ويقيد المطالبات القانونية بمنع استخراج رفات فرانكو، بما فى ذلك من قبل أحفاده، الصادر عام 2007 تعرض لانتقادات شديدة من قبل الأحزاب المحافظة.

وادي الشهداء

وكان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، أعلن فوزه بمنصبه يونيو 2018 “أن الحكومة تريد نقل جثمان الديكتاتور فرنسيسكو فرانكو بشكل “فورى” لتحويل الموقع إلى مكان “مصالحة”، “نريد أن يكون نقل الرفات، أعتقد أن الديمقراطية الناضجة مثل ديمقراطيتنا الأوروبية لا يمكن أن يكون لديها رموز تقسم الأوروبيين”.

وأكد أن “هذه الحكومة ستلتزم بتفويض مجلس النواب، بتحويل (لا فالى دى لوس كايدوس) (وادى الشهداء) إلى مكان مصالحة”.

وهنا تعتبر حكومة سانشير، المدعومة من باقى أحزاب اليسار، أنه “لا يمكن فقد ولو ثانية واحدة” للقيام بهذه المهمة، حيث لا يمكن لديمقراطية الاحتفاظ برفات ديكتاتور فى “مقبرة للدولة”، فى حين يشكك الحزب الشعبى المحافظ، الذى يمثل يمين الوسط وحزب مواطنون الليبرالى، فى هذه الضرورة.

إلا أن أسرة فرانكو أيضًا لها رأى أخر وتصر على المواجهة القانونية، وترى أن السبيل الذى اختارته الحكومة “تتجاوز الشرعية”، وهو ما تشاركه فيها أيضًا المؤسسة التى تحمل اسم فرانكو، والتى تصف المرسوم بأنه “غير دستورى”.

مزار قبر فرانكو

نصب تذكارى للمصالحة

وتنوى الحكومة أن تجعل الضريح بعد رفع رفات فرانكو، مكانًا للمصالحة والذاكرة على غرار ما هو عليه الحال فى المواقع التى كانت معسكرات اعتقال وإعدام فى ألمانيا فى زمن النازية.

البرلمان صاحب الكلمة العليا

نقل رفات فرانكو، الفائز فى الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) بعد انقلاب على الجمهورية الثانية، والذى حكم البلاد 36 سنة حتى وفاته العام لن ينتهى بقرار المحكمة فقط، بل يحتاج هذا الإجراء إلى موافقة البرلمان، لكن حتى فى ظل المعارضة أو امتناع الحزب الشعبى أو حزب ثيودادانوس (المواطنون) عن التصويت، يبدو رفض الإجراء أمرًا مستبعدًا.

ويبدو أن نجاة رفات فرانكو عائد لخصوصية الانتقال السلمى إلى الديمقراطية بإسبانيا، والخيارات غير العادية التى اتخذها الشعب فى عدم البحث عن العدالة والمحاسبة.

حقيقة الضريح

وتقول الرواية الحكومية، إن فرانكو جعل سجناء سياسيين يشيّدون صرحًا كبيرًا يضمّ كاتدرائية عند سفح جبل يعلوه صليب يبلغ ارتفاعه 150 مترا.ً الضريح فى الأربعينيات والخمسينيات.

ولكن الأزمة أن هذا الضريح لا يضم جثمان ورفات فرانكو فقط، بل يضم أيضًا رفات نحو 27 ألف مقاتل من قوات فرانكو، بجانب عشرة آلاف معارض جمهورى، وهو السبب الذى جعل فرانكو الذى دشّنه فى الأول من أبريل 1959 يقول عنه إنه مكان “مصالحة”.

ويستقطب الموقع كثيرين ممن يحنّون لزمن الديكتاتور، إلا أن المعترضين على بقائه يرون فيه رمزًا للاستخفاف بالجمهوريين الذين أخذ رفاتهم من مقابر جماعية أو مقابر فردية ونقلت إليه من دون إبلاغ عائلاتهم.

كنيسة الصليب المقدس وقبر فرانكو

الفاتيكان طرف فى الأزمة

ولم يسلم الفاتيكان من أن يكون طرفًا فى الأزمة، حيث  تقدمت الحكومة الإسبانية بشكوى رسمية إلى الفاتيكان بسبب تدخل المذهب الرسولى فى إسبانيا رينزو فراتينى فى الشأن الداخلى للبلاد، مضيفة: “الحكومة تسعى لاستخراج جثة الديكتاتور فرنسيسكو فرانكو، وهى بذلك تتبع أيديولوجية تريد من خلالها تقسيم البلاد”.

وقال فراتينيى: “هناك الكثير من المشاكل التى توجد بين إسبانيا والعالم.. وأقول إنه لابد من ترك فرانكو فى سلام أفضل له، لقد فعل ما فعل وسيحاكمه الله، فهو قضى 40 عامًا فى الموت”.

وأوضحت الكنيسة الوطنية فى إسبانيا، أنه جرت محاولات التوسط منذ أن أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز هذا المشروع، حيث يقع قبر فرانكو فى دير وادى الشهداء، وقال:”الكرسى الرسولى كان لديه موقف محايد وهو مشكلة أخرى لعائلة فرانكو والحكومة.”

قصر “بازو دى ميراس”

ليس الرفات فقط هو موضع الخلاف أو المواجهة بين الحكومة وعائلة فارنكو، فالحكومة تطالب أحفاد “فرانسيسكو فرانكو” أيضا، بتسليم قصر “بازو دى ميراس” الصيفى فى جاليسيا الشمالية الغربية، الذى ما زال فى ملكيتهم حتى الآن، وهو القصر الذى تقول الحكومة إن فرانكو حصل عليه بشكل غير “قانونى”، وفاتورة بيع احتيالية، وأقامت دعوى قضائية لذلك، وترى وزارة العدل أنهم عثروا على مستندات تشير إلى ذلك، وينبغى أن يكون ملكية عامة.

وجرى بناء هذا القصر بين عامى 1893 و1907، من قبل نسل الكاتب إميليا باردو بازان، وبيع إلى منظمة مؤيدة لفرانكو فى عام 1938 أثناء الحرب الأهلية. 

وتبرر الحكومة تلك المطالب، بأن التحقيقات أكدت أن فرانكو أجبر العمال المحليين بالإكراه على المشاركة فى شراء القصر من مالك خاص خلال الحرب الأهلية فى البلاد فى عام، 1941.

ويرى نائب رئيس الوزراء الأسبانى، كارمن كالفو، إن الحكومة لديها “حجة قوية ووثائق وموقف قانونى للدفاع عن الملكية العامة” للقصر، الذى تم الإعلان عنه للبيع عبر الإنترنت بأكثر من 5 ملايين يورو (4.5 مليون جنيه إسترليني).

بينما يرد فرانسيس فرانكو، أحد أحفاد فرانكو: “لقد هددونا (الحكومة) بالفعل بأنه سيكون هناك ثأر إذا لم نتراجع عن (وادى السقوط) وهذا جزء من استراتيجية الانتقام”.

جدل الحرب الأهلية

والسبب الأساسى فى الجدل حول حياة فرانكو، أنه خلال فترة حكمه بين عامى 1939 و1975، قتل عشرات الآلاف من أعدائه أو سجنوا فى حملة للقضاء على المعارضة، بينما قتل ما لا يقل عن 500 ألف مقاتل ومدنى فى الحرب الأهلية التى أدت لانقسام البلاد ومزقت العائلات والمجتمعات، فى حين اضطر 450 ألف لمغادرة إسبانيا، بحسب تقديرات المؤرخون، وعدد غير معروف من السجناء الذين أجبروا على العمل فى جهود إعادة البناء بعد الحرب، بما فى ذلك فى بناء معلم “وادى الشهداء”. 

كما أن تلك العملية التى قادها الملك خوان كارلوس كانت تعنى أنه لم يتسن لكثيرين فرصة تحميل فرانكو ثمن خطاياه السياسية.  

وكان فرنسيسكو فرانكو، الذى خرج من الحرب الأهلية الدامية (1936-1938) رابحًا، قد حكم البلاد بين عامى 1939 و1975، ولم  ينهار نظامه مع انهيار أنظمة هتلر وموسولينى بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه كان شديد الحذر فأعلن حياد إسبانيا أثناء الحرب، وأنقذه ذلك من مصير صديقيه وصاحبى الفضل عليه (هتلر وموسوليني).

وقد كان نظام فرانكو مرتبطًا تاريخيًا بعدائه للفن والفكر والثقافة، وكانت جريمة القتل الأولى التى ارتكبها أنصاره هى قتل الشاعر الإسبانى لوركا، وقد ظلت هذه الجريمة تطارد نظامه حتى النهاية منذ انتصاره النهائى على الجمهوريين الإسبان سنة 1939 وحتى وفاته سنة 1975.

وصمم فرانكو مجمعا لذكرى الحرب الأهلية “لا فالى دى لوس كايدوس”، وبناه على بعد خمسين كيلومترا من مدريد، حيث دُفن فرانكو هناك قرب مذبح الكنيسة حيث يوجد صليب من حجر يبلغ ارتفاعه 150 مترًا.

وقرب ضريحه المنمّق، هناك قبر مؤسس حزب الكتيبة (لا فلانخى)، خوسيه أنطونيو بريمو دى ريفيرا.