الجمعة: 22 نوفمبر، 2019 - 24 ربيع الأول 1441 - 01:55 صباحاً
سلة الاخبار
الثلاثاء: 18 يونيو، 2019

عواجل برس/متابعة

ارتبط اسمهم بالكثير من الصور النمطية ولا يزال، حتى في دوائر المثقفين في الشرق كما في الغرب تُحاك حولهم أساطير يرى فيها البعض “نوعاً من الإثارة” قد تنفع لكتابة كلمات أغنية أو تصميم رقصة أو نسج سيناريو قصة مثيرة لعرّافة أمام كرة من الزجاج في مكان ما. هذا الوصم الظالم ليس مُريحاً لهم. نتحدث عن الغجر، تلك المجموعة المنبوذة عبر التاريخ، تتحمل إلى اليوم أبشع أنواع التمييز بل التحقير والكثير من الاتهامات التي اختزلتهم في: قارئي طالع، ممتهني دعارة، وسبب مباشر في صلب المسيح، وغيرها من الإسقاطات الظالمة.

أكثر ما يوصم به الغجر: مسؤوليتهم عن صلب المسيح إذ تقول الأساطير إنه حين قُرر صلبه أُرسل جنديان لإحضار 4 مسامير، لكن الحدادين رفضوا صنعها حين عرفوا أنها ستستخدم لصلب المسيح. قتل الجنديان حداداً يهودياً وآخر سورياً، ثم قابلا حداداً غجرياً، فصنع 3 مسامير وحين شرع بصناعة الرابع، سمع هاتفاً من الحدادين القتلى يحذرونه من صنع مسمار رابع، لكن الغجري صمم على صنعه فتحول المسمار إلى نور قوي، تركه الغجري فزعاً وحمل خيمته وهرب، وبقي مشتتاً أبد الدهر، وجميع ذريته إلى اليوم دون موطن.

هكذا تقول الأسطورة، وهي واحدة من أساطير كثيرة عن الغجر.

لكن في العراق للغجر قصة مغايرة، وحتى تسميتهم مختلفة، إذ يطلق عليهم اسم “الكاولية”، ولا يتعدى عددهم اليوم الخمسين ألفاً بعد أن كانوا 200 ألف عام 2000. ومثل بقية الغجر حول العالم، يشكو غجر العراق التهميش والتمييز والوصم، لكن هذه الفئة حققت إنجازاً مهما في الأيام الأخيرة بمنحها بطاقة هوية، بعد عقود من التحقير وعدم الاعتراف بهم كمكون عراقي.

عُرف عن الغجر أنهم مجموعات من البدو الرحل، يتنقلون من بلاد إلى بلاد، لا موطن قار لهم وكثيراً ما صُوروا في المخيال الشعبي أنهم يعيشون في عربات متنقلة (كارافانات) ويمتهنون الرقص والغناء.

“الغجر” مصطلح يزعج غجر العراق، فمن تحدثنا إليهم لإنجاز هذا التقرير يطالبون بالتوقف عن مناداتهم “غجر” معتبرين هذا اللفظ تحقيرًا لهم رغم إقرارهم بأنهم فعلاً أقلية الغجر، لكن الهوية الوطنية العراقية أعلى بنظرهم ويقولون” نحن مواطنون عراقيون، قدمنا شهداء لهذا الوطن، هويتنا عراقية وسنبقى”.

من أي جذور ينحدر الكاولية؟ من أين أتوا؟ كيف ظلمهم التاريخ وخانتهم الجغرافيا؟ وما مطالبهم اليوم؟

روايات متضارية

الغجر في العراق أقلية مُسلمة تعود جذورها إلى شبه الجزيرة الهندية، بحسب عدة مصادر، فيما يؤكد مختار الغجر في العراق فارس محمد العودة سرحان الُمكنّى بأبي سيف أن أصول غجر العراق تعود إلى شبه الجزيرة العربية. ويقول لرصيف22 إن غجر العراق نزحوا من شبه الجزيرة العربية عام 1878 واستقروا بعدة مناطق عراقية.

وحين سألناه عن مصدر هذه المعلومة قال إنه استمدها من جده الذي نقلها بدوره عن جده.

يقدر أبو سيف عدد “الكاولية” اليوم بنحو 50 ألفاً، ينتشرون في محافظات الديوانية (جنوب) التي يقطنها هو أيضاً، وفي بغداد والبصرة وكربلاء والموصل وديالة وصلاح الدين. معظم الغجر العراقيين مرجعيتهم الدينية شيعية بحسب ما يؤكد أبو سيف، لكنه يقول إن الغجر في الموصل وديالة هم من السُنّة.

قبل عام 2000 كان عدد الغجر في العراق يناهز 200 ألف، وكان للغزو في عام 2003 أثر مباشر على تراجعهم إلى الربع. فما الذي حدث؟

غجر..كوجر..قوّال..رحّل

يوضّح مُمثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في محافظة الديوانية حيدر ستّار لرصيف22 أن أصل تسمية “الغجر”، بحسب عالم الغجريات العراقي لطفي الخوري تعود إلى لفظ تركي يأتي من كلمة “كوجر” وتعني “الرُحل”.

أما عن تسمية “الكاولية”، فيقول محدثنا نقلاً عن المؤرخ العراقي مصطفى جواد إنها تأتي من مرور الغجر من السند إلى إيران، فمدينة كابول الأفغانية تسيطر على المدخل الغربي لممر خيبر الواصل بين السند وأفغانستان، لافتاً إلى أن أصل المُسمى “كابولي”.

يتساءل ستّار هُنا: لا شك أن جميع المُهاجرين مرّوا من هذه المدينة باعتبار أن ممر خيبر هو الممر الرئيس لتلك الموجات القادمة من تلك الجهات، فلماذا لم يكتسب الغجر مثل هذه التسمية إلا في العراق؟

بحثنا عن رد على تساؤل ستّار فوجدناه عند الكاتب شاكر لعيبي الذي يقول إن مفردة كاولي وكاولية التي تعني في العراق الغجريّ والغجر، قد تكون متصلة بالنطق الهنديّ لمفردة قوّال وتكتب وتنطق كاوّالي qawwali، وتعني المغنّي القوّال الصوفيّ الذي يقول أشعاراً روحية مغناة.

ويشرح لعيبي أن كلمة qawwali موجودة في القاموس الإنكليزيّ ويعرّفها بصفتها نمطاً من الموسيقى العباديّة الإسلامية التي ترتبط اليوم بالتيار الصوفي في الباكستان.

من التحقير إلى التهجير

تعرض الغجر عام 2004 لهجوم من مجموعات إسلامية مُسلّحة في قرية الزهور (قرية الفوار سابقاً) بمحافظة الديوانية دفعتهم إلى الفرار بعد اتهامهم بالمُشاركة في حفلات لا أخلاقية.

ساهمت الصور النمطية عن الغجر وتصويرهم أنهم محترفو رقص وغناء وتنجيم في تعرضهم للاضطهاد على مر العصور، وحين سقطت بغداد عام 2003، انتشرت جماعات مسلحة متطرفة تفرض قوانينها على السكان في كل مكان تقريباً، وكان الغجر من بين ضحايا هذه المجموعات.

لا ينفي أبو سيف أن الغجر عملوا عقوداً في الرقص والغناء لكنهم كانوا يحترفون الحدادة بشكل أساسي. أما الرقص والغناء فكانا جزءاً من تراثهم. يقول أبو سيف “حرفة الحدادة كانت أول حرفة يزاولها الغجر، كانوا يختصون في صناعة السكاكين والخناجر والسلاح كذلك”.

أما بخصوص الرقص والغناء اللذين لا يزالان يتربطان بالغجر في كل مكان من العالم فيقول أبو سيف “في العراق تطورت مهارات الغجر عام 1970 لتشمل الغناء والرقص، لكن بعض المرجعيات الدينية طلبت من الغجر ترك هذا. خاطبنا الشهيد محمد صادق الصدر رحمه الله وطلب منا ترك ذلك واستجبنا”.

توارث الكاولية الرقص والغناء، وسقطت العديد من نسائهم ضحايا لسماسرة الاتجار بالبشر بعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003.

ورغم اعتناقهم الإسلام، تعرض الغجر في العراق لهجومات متتالية من المجموعات الإسلامية المُسلحة، وفي عام 2003 هدم متطرفون المدرسة الابتدائية والعيادة اللتين شيدتهما حكومة صدام حسين عام 1964 في قرية الزهور في الديوانية.

يستحضر أبو سيف أصيل تلك القرية الأحداث في تلك الفترة قائلاً إن مخربين هدموا بيوتهم ومدارسهم “خربوا المدارس وهدموها، تعرضنا للاضطهاد في تلك الفترة، أرادوا تهجيرنا، اشتكينا إلى الدولة ولم تعوضنا، منحنا الأمريكان عام 2004 نحو 400 دولار لكل أسرة”.

يقول عراقيون إن الغجر “تمتعوا ببعض الحماية خلال عهد صدام بشروط: تقديم راقصين ومشروبات كحولية وعاهرات”. هذا الوصم يدفع ثمنه الغجر إلى اليوم.

الغجر، فئة منبوذة عبر التاريخ، تتحمل إلى اليوم أبشع أنواع التمييز بل التحقير والكثير من الاتهامات التي اختزلتهم في: قارئي طالع، ممتهني دعارة، وسبب مباشر في صلب المسيح، وغيرها من الإسقاطات الظالمة. ماذا تعرفون عن غجر العراق؟

من أي جذور ينحدر الكاولية؟ من أين أتوا؟ كيف ظلمهم التاريخ وخانتهم الجغرافيا؟ وما مطالبهم اليوم؟  

ساهمت الصور النمطية عن الغجر وتصويرهم أنه محترفو رقص وغناء وتنجيم في تعرضهم للاضطهاد. وحين سقطت بغداد عام 2003، أصبحوا هدف الجماعات المتطرفة. ما علاقة غجر العراق بصدام حسين وبمحمد صادق الصدر؟ 

الفترة الذهبية لغجر العراق

يقول ستّار لرصيف22 إن فترة الثمانينيات كانت “الفترة الذهبية لغجر العراق”، إذ استقروا بعد أن منحتهم الدولة الجنسية العراقية، وبنت لهم المجمعات السكنية سعياً لمشاركتهم في بناء المجتمع وانخراطهم فيه وفي مؤسساته العسكرية.

أضاف أن عدداً منهم أكمل دراسته ونال شهادات علمية في عدة اختصاصات، إلا أن “منتصف فترة التسعينات شهدت اعتداءات كثيرة على الغجر”، على حد تعبيره، بإعلان النظام العراقي “الحملة الإيمانية” التي لم تعد تسمح بإحياء الحفلات، فأغلقت النوادي الليلية، ولاحقت دور البغاء وعاقبت العاملات فيها بالحبس والقتل.

يوم رفع المتطرفون شعار التهجير بوجه الغجر

لم يمر عقد التسعينيات حتّى جرّت الألفية الجديدة الويلات على الغجر، إذ أدى احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة إلى صعود مدّ التطرّف مسبوقاً بتسلّم أحزاب طائفية السلطة، يقول ستار، وهذا ما دفع إلى تهجير الغجر من مناطقهم إلى أرياف أخرى متهالكة، حيث بنوا منازل من طين لا يصلها ماء أو طاقة كهربائية، وفي محافظات وسط البلاد أدّى هجوم الميليشيات الشيعية إلى هدم منازلهم في محافظة الديوانية.

ويوضح ستّار أن على إثر ذلك لم يعد الغجري في العراق مقبولاً للعمل في القطاع العام أو الخاص، وهذا ما أجبر النساء والأطفال على التسول في الشوارع والأسواق لكسب لقمة العيش.

ورغم أن الدستور العراقي يكفل في أكثر من 38 مادة حرية المواطن ومُمارسة شعائره وطقوسه، بحسب ستّار، ظل الغجر يتعرضون لهجمات منظمة من قبل الميليشيات التابعة للأحزاب الحاكمة بدعوى نشر الفضيلة، كما تعرضوا إلى هجمات من بعض أبناء العشائر، مما اضطرهم إلى الاختباء في المدن الكبيرة جاهدين في إخفاء هويتهم الحقيقية، أو الهجرة إلى بلدان مجاورة للعراق مثل الأردن وتركيا.

يُضيف أن ما يعيشه غجر العراق يعكس “غياب المنظومة القانونية في بلاد ما بين النهرين”، موضحاً أن الأحزاب الطائفية الحاكمة التي “تتغنى” منذ سنوات بالمُصالحة الوطنية والتسويات المجتمعية لم تتمكن من حماية الأقليات، ومنهم الغجر الذين يعانون من النظرة الدونية التي قادت إلى إقصائهم وتشريدهم، على حد وصفه.

بيوت من طين وخشب

يعيش الغجر في قرية الزهور حالياً في بيوت من طين وأكواخ من خيزران في شوارعٍ غير معبّدة، ويعانون من نقص الكهرباء والمياه الصالحة للشرب. ويؤكد أبو سيف مختار الغجر أنه اليوم مثل غيره من بني جلدته يقطن في بيت من طين، وتنتشر في قريته بيوت من خشب وطين، تتساقط مع هبوب العواصف أو نزول الأمطار.

حين اختار الأهالي أبا سيف ليكون مختارهم قبل أربعة أعوام قطع عهداً على نفسه بأن يقود حملات تطالب بمنح حقوق للغجر، وتوفير المسكن اللائق والمطالبة بالتوظيف في هيئات الدولة.

يقول أبو سيف: “نعاني العنصرية والتمييز، يعايروننا بأننا غجر، أحياناً في المقهى يناديك أحدهم: تعال يا غجري، يشتمني ويهينني، أنا أب لسبعة أطفال، جميعهم لم يدرسوا لأن المدرسة في القرية هدمها متطرفون، لقد حرموا أطفالي لسنوات من التعلم، بأي حق يحدث هذا”؟

من حسن حظ أبي سيف، أن صحافية عراقية اسمها منار الزبيدي كانت تشعر بهذه المعاناة منذ سنوات، فمن خلال اهتمامها بقضية الغجر وكتابتها عن مشاغلهم لسنوات تكونت لديها فكرة دقيقة عما لحقهم من أذى وتمييز.

قادت منار حملة إعلامية وشعبية في العراق تطالب بمنح الغجر الهوية العراقية، وانضم إليها المختار أبو يوسف، وأسفر هذا التضامن عن انتصار تاريخي بداية أبريل الجاري، بمنح 50 ألف كوالي أي غجري عراقي هوية وطنية موحدة بدون إشارة تمييز على أنهم غجر.

الغجر بشر

في حوار مع رصيف22 قالت الصحافية منار الزبيدي إنها قادت حملة “الغجر بشر” بهدف منح فئة الغجر الهوية العراقية ومعاملتهم مواطنين كاملين. وأصافت: “حملت الحملة عنوانين: الحق في التعليم ونجحنا في هذا الخصوص بفتح مدرسة لتعويض الأهالي عن المدرسة التي هدمها متطرفون قبل سنوات، والعنوان الثاني يتعلق بمنح الغجر البطاقة الوطنية العراقية وكان شعارها “أين هويتي؟”.

حققت حملة منار الإنسانية والوطنية نجاحاً في أوساط كثيرة، وتقول بفخر “الحمد لله استطعنا من خلال التعبئة على مواقع التواصل الاجتماعي إبلاغ مطالب الغجر، وبدعم بعض المسؤولين، استطعنا الحصول على هذا الحق”.

توضح منار أن قرار منح هوية للغجر صدر عن وزارة الداخلية، متخوفة من أن يتم إلغاؤه في يوم ما بسبب مزاجية القرار السياسي، لهذا تطالب بتعديل قانون الجنسية وتناشد عبر رصيف22 أن تتضافر جهود الجميع لتحقيق هذا التعديل حتى يتضمن فقرة تكفل حق الغجر بالهوية والجنسية العراقية.

في هذا السياق يقول لرصيف22 النائب العراقي صائب خضر وهو ممثل الطائفة الأيزيدية في العراق التي تعرضت لأبشع أنواع التمييز والاضطهاد لا سيما على يد التنظيم الإرهابي داعش: “لم يكن للغجر تحت نظام صدام حسين جنسية، وفي الحرب العراقية الإيرانية مُنحوا الجنسية العراقية لا احتراماً لحقوق الإنسان بل لغرض آخر: الزج بأبنائهم في صفوف الجيش، للمشاركة في الحرب الدائرة آنذاك”.

ويقول النائب خضر إن منح الغجر هوية وطنية اليوم“هو قرار منصف فهذا حق من حقوق الإنسان والجنسية حق سياسي قانوني يمنح للمواطنين وطالما كان الغجر مواطنين على أرض العراق ولا يوجد ما يثبت خلاف انتمائهم لغير العراق فبالتالي من باب أولى أن تمنحهم الدولة الجنسية”.

وبخصوص رفع التمييز ضد الغجر في العراق يقول النائب خضر إن ممثلي الأقليات في البرلمان فاعلون في هذا المجال كاشفاً أن البرلمان يعد قانونَ مكافحة التمييز وآخر خاص بالناجيات الأيزيديات. ويؤكد أن معاناة الأقليات تستوجب توفير عدة جوانب قانونية وتشريعية واجتماعية مذكراً بأن تراكمات ثقيلة مرت على العراق لكن “هناك رغبة لحلحلة هذه الأمور التي قد تأخذ بعض الوقت، حتى يتعود المجتمع عليها، منها توفير البيئة الدينية والمناخ السياسي” يقول محدثنا.

وعن منح الغجر الهوية يقول ستّار إن التمييز ضد الغجر انتهى حكومياً وتشريعياً وقانونياً بإعلان حقهم في البطاقة الوطنية لكنه يؤكّد أن التمييز ضد هذه الفئة لم ينتهِ اجتماعياً ولا داخلياً، موضحاً: التمييز ضد الغجر يقوم به المُجتمع ضد الغجر والغجر ضد أنفسهم.

ولفت إلى أن المجتمع يرفض انخراط الغجر في صفوفه، مُضيفاً أن “الغجر أنفسهم لا يزالون مستمرين بلعب دور الضحية”.

من الضحية؟

يقول ستّار إنه قام بعد عام 2003 بزيارة قرية الزهور مع فيلق إعادة الإعمار الأمريكي في مُحاولة لتحسين المستوى الصحي والتعليمي، “إلا أن أهالي القرية أنفسهم لم يحاولوا الارتقاء بما لديهم رغم توفر هامش أمني وحرية نسبية في ذلك الوقت”، على حد قوله، مؤكداً أن أهالي القرية بقوا في انتظار المساعدات ولم يعتمدوا على أنفسهم.

وأضاف لرصيف22: من أول زيارة للقرية حتى آخر زيارة قمت بها قبل نحو أسبوعين، يمكن ملاحظة الأطفال عراة أو نصف عراة وحفاة، يقضون حاجاتهم أينما اتفق رغم وجود المرافق الصحية البائسة.

ولفت إلى أن أهالي القرية لا يقومون برمي الفضلات في أماكن مُحددة أو تجميعها بعيداً عن مصادر المياه أو إحراقها بعيداً عن القرية، قائلاً “من المفترض بهم الانتقال إلى مرحلة تحمّل المسؤولية”.

عودة مدرسية بعد 14 عاماً

في عام 2017، وبعد 14 عاماً من هدم مدرستهم، أُعيد افتتاح مدرسة النخيل (الصالح سابقاً)، وهي المدرسة الوحيدة في القرية، بمُساعدة اليونيسف بعد الحملة التي أطلقتها منار الزبيدي وعنوانها “أنا إنسان”.

يقول ستّار إن نسب التحاق أطفال القرية بالمدرسة تبقى محتشمة لأن أهالي القرية يدفعون أطفالهم إلى التسول في الطرق داخل المدينة على حد تعبيره. وأضاف “قمنا بالضغط على مديرية التربية وافتتحنا صفاً دراسيا، لليافعين ممن تجاوزت أعمارهم السن القانونية للالتحاق بالمدارس”.

وأوضح أن المدرسة منحت كبار السن فرصة لمحو الأمية بعد الظهر إلا أن كُل المُحاولات كانت “بائسة”، على حد وصفه.

غير أن مختار الغجر له رأي مغاير لهذا الكلام، يقول لنا إن أبناءه السبعة انضموا أخيرا إلى مدرسة محو الأمية في محاولة لتعويض كل ما فاتهم طوال السنوات الأخيرة.

حين جهزت المدرسة ظهرت مشكلة أخرى: من يديرها؟ وهنا تكشّفت أشكال تمييز جديدة ضد الغجر، وهذا ما يسقط فرضية أن الغجر يريدون لعب دور الضحية مثلما يقول البعض. لا أحد تقريباً أراد إدارة مدرسة تدرس أبناء الغجر، وكأن كل الجهود لاستئصال التمييز هدمت بشكل تراجيدي، فالتمييز طال الأطفال.

لكن رغم تردد كثيرين في إدراة مدرسة النخيل لما قد يواجهونه من احتقار، اختار الأستاذ قاسم عباس بعد تواصل الإشراف التربوي معه أن يكون مُديراً لها.

“وافقت لأنني أتعامل مع أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في هذه القرية. أطفال ولدوا لأولياء ربما فيهم من امتهن البغاء، فقررت أن أمد يدي إليهم لأساهم في انتشالهم من هذا الواقع المرير”، يقول عباس لرصيف22.

ويؤكد أن ما دفعه أيضاً للقبول هو الشعور برغبة الأطفال في التعلم والاندماج في المجتمع، لافتاً إلى أن كثيراً من الغجر “أعلنوا توبتهم” بعد أن دعاهم المرجع الديني آية الله العظمى محمد صادق الصدر إلى التوبة والهداية، إلا أن “نظرة المجتمع الدونية لهم لم تتغير”، بحسب قوله.

لفت قاسم إلى أن من المصاعب التي واجهته، غير تعرضه للانتقادات لإدارته مدرسة تقع في قرية الغجر، عدم وجود إطار تربوي، مُشيراً إلى أن الكادر الذي ترسله وزارة التربية والتعليم مؤقت تنتهي مهمتهم بانتهاء العام الدراسي، وعندما يبدأ عام دراسي جديد “تتجدد نفس المعاناة وهي عدم وجود مدرسين”.

يكشف المدير أن إدارته مدرسةً خاصة بالغجر، عرضته للسُخرية من قبل بعض الدوائر في وزارة التربية أيضاً، قائلاً: كنت أرى ابتسامات تدل على الاستهزاء والسخرية في دوائر التربية التي كنت أُراجعها للحصول على معلمين.

ويُشير عباس إلى أن قبل افتتاح مدرسة النخيل، تقدم بعض الغجر للمدارس القريبة لهم وتم قبولهم فيها “ولكن النظرة الدونية من قبل بعض الدوائر دفعتهم إلى ترك المدرسة”.

يقول قاسم إن “الطيبة” من سمات الغجر، ورداً على أنهم يلعبون دور الضحية، يوضّح أن سبب ذلك هو عدم وجود فرصة عمل لديهم، مُضيفاً: لديهم أطفال ولا يوجد لديهم مصدر للرزق.

لكن قاسم غادر المدرسة اليوم، لأنه يخشي سرقة أثاثها الذي كان منحة من اليونسيف، مُضيفاً: “لا يوجد حارس في المدرسة ولم ترسل وزارة التربية المُعلمين، مما جعلني أطلب نقلي وأترك المدرسة”.

وأكّد أن المدرسة لا تزال تستقبل الطلاب، وتتألف من مدير ومُعلمين اثنين، وفيها 33 تلميذاً في الصفين الأول والثاني من بينهم أطفال المختار.

هل من سبيل لثقافة التسامح؟

يؤكدّ مُمثل اليونيسف في محافظة الديوانية حيدر ستار أن المجتمع العراقي “يفتقر إلى ثقافة التسامح وتقبل الآخر بسبب تغلغل التثقيف الديني الطائفي” وهذا يشمل أيضاً أهالي القرية أنفسهم”، على حد قوله.

وأشار إلى أنه لا يمكن الوصول إلى مرحلة تقبل الغجر إلا من خلال عملية إصلاح المنظومة التعليمية في العراق وتحديثها لكي يتم غرس مفاهيم التسامح وقبول المختلف والآخر عند الاجيال القادمة ويتم التأسيس لها بطريقة منهجية مؤثرة وبصورة مهنية بعيدة عن الاحتقان الطائفي المذهبي.

غير أن مختار الغجر ما زال عاقداً العزم على نشر الأمل في صفوف أطفاله، يريدهم أن يتعلموا، هو نفسه حظي بفرصة تعلم بين 1979، 1986 مثلما يؤكد لنا. يحلم أبو سيف بأن يتمكن أطفاله من الحصول على وظائف في هيئات الدولة، وبمغادرة بيت الطين الذي يسكنه، إلى مجمع سكني يؤويه وأسرته. هذا حلمه.