الجمعة: 10 يوليو، 2020 - 19 ذو القعدة 1441 - 03:12 مساءً
اقلام
الخميس: 27 أبريل، 2017

 

 

في عام 2013 قدم المالكي الى البرلمان مشروع قانون يتضمن إحالة مشاريع كبيرة إلى شركات أجنبية وعربية  لإنشاء بنى تحتية بالآجل . هذا ما أطلق عليه مشروع البنى التحتية . لم يمرر البرلمان هذا المشروع ، لكن ما زالت جماعة المالكي تعيد اسطوانة أن العراق خسر بعدم إقرار هذا المشروع ازدهارا مأمولا .

 

جماعة المالكي اللذين طبلوا لهذا المشروع ، لم يتذكروا عشرات المشاريع المحسوبة على البنى التحتية لم تنفذ ، بل وجرى ابتلاع أموالها ، في عهد مختار العصر .

 

أضاع العراق على مشاريع الكهرباء نحو 70 مليار ابتلعها  لصوص مقاولات وإدارة فاشلة بقيادة المالكي ، والكهرباء كما نعلم عميد البنى التحتية . لكن المالكي بدلا من أن يجري تحقيقا على سلسلة من الفضائح في حقل الكهرباء ، راح يغطي على ذلك الفشل الشنيع والمخزي  بمشروع واسع  أطلق عليه مشروع قانون البنى التحتية .

 

لنتصور الأمر : إدارة فاسدة وفاشلة بدلا من أن تسترجع الأموال المسروقة ، بحيث تبيض وجهها الكالح على الأقل ، تقدمت هي نفسها دون تغيير بمشروع غريب يعيد الدرب نفسه ،  بالأحرى ، حسب بعض الخبراء ، لا يهدف هذا المشروع سوى تجديد النهب .

 

برر المالكي مشروعه في لقاء مع «العراقية» قال فيه أن من أهم فوائد مشروعه، تطويق الفساد الاداري، لأن العمل – كما قال- لن يكون فيه مال، إنما مشروع من مراحل متعددة، الدفع يكون بالآجل، ومضمون من الدولة التي تعود اليها الشركة. أشار ايضاً الى فائدة حصول العاطلين على فرص عمل في هذه المشاريع التي سيكون فيها ربّ  العمل أجنبياً وليس عراقياً..!

 

إنه تبرير يليق برجل فقد الآهلية والثقة بكل شيء .. لكن الغريب أنه على ثقة من أنه على حق .

 

الحقيقة مهما كان المشروع يبدو عظيما على الورق ، والمالكي وجماعته يصرفون الكثير من الورق ، مرة كنقود لشراء الذمم ، ومرة لكتابة التقارير وتجميع المعلومات . نقول حتى لو كان المشروع يبدو زاهيا على الورق ، وعلى اسقاطات الآمال وأنواع من التبجحات عليه ، فإنه فاشل من البيضة ، فشل قانون الاستثمار الذي نعرف أن فيه الكثير من التسهيلات للمستثمرين العرب والاجانب والعراقيين .

إن عميد مشروع البنى التحتية ، ونعني به الكهرباء في الشروط العراقية، فشل في عهد المالكي ، مثلما فشل قانون الاستثمار ، وهو القرين الموضوعي لهذا العميد . تجربة الفشل هذه لم تعلم المالكي التواضع ، بل زادته تبجحا .

 

وهل ننسى مشروع الـ 100 يوم الذي وضعه المالكي لوزرائه من أجل تحسين عملهم والقيام ببعض الانجازات من قبيل أضعف الايمان . كان هذا المشروع تحت سيطرته المباشرة والكاملة بوصفه رئيسا لمجلس الوزراء ، لكنه لم يحقق شيئا وفشل فشلا ذريعاً باعتراف وزارة التخطيط .. فكيف الحال بمشاريع البنى التحتية المطلوب تنفيذها بالدفع الآجل؟

 

إذا كان المستثمرون لا يستثمرون في بلد تتحكم فيه لصوصية معممة ، وتمارس فيه البيروقراطية المكتبية دور المعطل والشريك اللصوصي ، والخدمات المصرفية فيه متخلفة ، فكيف يا ترى ينجح مشروع طموح لبناء البنى التحتية بالآجل ، مع بقاء نفس الشروط ، نفس الإدارة ، نفس المشرفين والمدراء والوكلاء والوزراء الذين لم يكتفوا بالنهب بل وأفسدوا إدارة الدولة من أعلى الهيآت إلى أصغرها أيضا؟!

 

ترى بعد كل هذا الفشل الذريع ، كيف نفسر أن تتقدم جماعة المالكي بمشروع ظل يراوح مكانه، والبعض أشار عن حق إلى أنه مشروع يخالف الدستور ؟ السبب هو المباريات داخل البرلمان وإحراج الآخرين وإظهار من لا يوافق بأنه يقف ضد تنمية البلد . إنه ببساطة تهويش سياسي يأتي بإهاب مشروع بناء بنى تحتية !

 

تكمن خلف هذا المشروع مصيبة افلاس الدولة بسبب تصرفات المالكي وفساد زمرته ، وكأن هذا المشروع جاء لينقذ البلد بتنفيذ مشاريع بالدفع الآجل (أي بالدين) . بيد أن هذا المشروع ولد لا لينفذ بل ليموت في مكانه فنصف أسبابه تهويشية قائمة على إحراج الخصوم . وإلا أي شركات هذه تثق بدولة مفلسة ؟ ثم أي شركات تثق بدولة راحت تخسر أراضيها حتى خسرت ثلثها ، وجيشها لم يقاتل بسبب الفساد والانحطاط وانعدام الروح الوطنية ؟

 

إن واحدة من أكبر المهوشين لمصلحة المالكي ، حنان الفتلاوي ، والتي راحت تتظاهر بالاستقلالية ، اتهمت الدكتور حيدر العبادي بأنه زاد من أعباء دين العراق ، كأن العبادي تسلم خزينة مليئة ، وكأن لا توجد حرب تحرير ناجحة تستنزف العراق دما وأموالا . لكن الفتلاوي كانت واحدة من مصفقي قانون البنى التحتية الذي يتلخص كله بربط العراق بسلسلة ديون ، فهو من الناحية المالية ، مشاريع بـ (الدين)!

 

لقد وصلت ميزانيات السنوات التسع الاخيرة نحو 538 مليار دولار ،الاستثمارية منها 30% ، أي أن المبالغ التي انفقت على الاستثمار بلغت  162 مليار دولار .. فما النتيجة؟ لا شيء !

 

لا أحد من فاقدي الضمير  من جماعة المالكي تساءل ولو لحظة عن هذه النتيجة البائسة ، بل وامتلكوا الصلافة اللازمة لكي يدافعوا عن مشروع أخرق آخر قائم على النهب وزيادة الدين العام .

 

في ما عدا الجزء التهويشي من قانون البنى التحتية القائم على إحراج الكتل البرلمانية الأخرى ، وسرقة الوقت من البرلمان في مشاريع مضحكة ، والدخول في نزاعات هدفها تحييد البعض وتعطيل إرادة البعض ، فإن المالكي وجماعته امتلكوا علاقات واسعة مع شركات عربية وعالمية ، والبعض منهم امتلكوا هذه الشركات ، أو امتلكوا بعضا من رأسمالها ، وهي مستعدة من خلال دورة جديدة من النهب المنظم بتنفيذ مشاريع مهلهلة تشبه مشاريع وزارة الدفاع التي اشترت من التشيك طائرات تدريب فاشلة لم تعد الدولة المصنعة تستخدمها بأسعار هائلة!

 

والحال هذه ليس مستغربا أن المالكي كان  متلهفا في انطلاق هذه القانون ، إذ كان قد أعد سلفا قائمة بالدول والشركات التي سيتعامل معها في المستقبل لبدء العمل في مشاريع عديدة في العراق، وعدّ أي انتقاد أو تأخير في تصديق القانون وإقراره، بمثابة تصفية حسابات سياسية داخل البرلمان، ومنع الحكومة من تسجيل نقطة انتصار وإنجاز في تاريخها، حتى وإن كان الانتقاد صحيحاً.

 

كان واضحا أن قانون البنى التحتية هو آخر زفرة كريهة من زفرات المالكي الفاشل في كل شيء حتى في  ديباجات خطبه الفصيحة . إنه قانون مثّل دورة إنتاج جديدة لنهب الدولة العراقية!