الثلاثاء: 20 نوفمبر، 2018 - 11 ربيع الأول 1440 - 07:57 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 9 يوليو، 2018

حامد فتحي

يمكن وصف مجمل أعمال نصر حامد أبو زيد بأنها أسئلة تبحث عن إجابات. وبعد ثماني سنوات على رحيله، لا يزال المفكر المصري حاضراً من خلال إنتاجه الفكري وأسئلته التي ما زلنا في حاجة إلى طرحها.

وكان أبو زيد يقول: “إنْ توقفت عن طرح الأسئلة فهذه شهادة وفاتي”… إلا أن أسئلته ما زالت تولّد أسئلة.

مرّ أبو زيد في حياته البحثية بمراحل بدأها كشاب يحمل هموم جيل مهزوم، تحطمت آماله بعد هزيمة 1967، وعانى مما تلاها من تفشي الأصولية والعنف الديني منذ سبعينيات القرن الماضي، فحاول البحث عن مكمن الداء في ثقافتنا، وعن أسباب تراجعنا بدل تقدّمنا.

بحثاً عن أجوبة، اهتم بدراسة القرآن وبحث كيف نقرأه؟ وكيف نُوظفه لخدمة السلطة أو الجماعات الأصولية؟ وأين الإنسان الحر فيه لا الإنسان المقموع باسمه؟

ابن حركة النهضة العربية وناقدها

ولد أبو زيد في 10 يوليو 1943، في إحدى قرى مصر، وتوفي في الخامس من نفس الشهر عام 2010، وخاض رحلة تعليمية مرّت بتعيينه معيداً في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتخصص في حقل الدراسات الإسلامية، ذلك الحقل الذي شهد أسماء بارزة مثل أمين الخولي، ومحمد أحمد خلف الله.

ويقول الباحث في الدراسات الدينية جمال عمر لرصيف22 إن أبو زيد يمثّل جيل ما بعد 67 في الثقافة العربية، ذلك الجيل الذي حاول إعادة النظر في الرؤية العربية للتراث، ونقد المشاريع الحضارية التي أنتجها جيل 67، أمثال زكي نجيب محمود والطيب تيزيني وحسن حنفي وحسين مروة.

ويعتبر الكاتب المصري أحمد مصطفى حلمي أن أهم سمات جيل أبو زيد هي التجرد من الإيديولوجيا، والالتزام بالمنهج العلمي، وتبني اتجاهات نقدية تمس بنية الفكر العربي القديم وامتداداته في العصر الحديث، لكن ميزة أبو زيد الخاصة هي قدرته على توظيف هذه المناهج بما يتناسب مع الثقافة العربية.

وتأتي أهمية أعمال أبو زيد باعتبارها أعمالاً صالحة لحركة إصلاح حقيقية للخطاب الديني من داخل الدين ذاته لا من خارجه، كما أنه أحد أعمدة مدرسة القاهرة الفلسفية التي تبدأ بحسن حنفي وتنتهي بعلي مبروك، وهي المدرسة التي ركزت عملها على نقد أصول الثقافة الإسلامية، وإعادة بنائها في الوعي العربي الإسلامي على أسس معرفية جديدة دون التخلي عن الأساس الديني لها، حسبما قال حلمي لرصيف22.

الملامح العامة لمشروع أبو زيد الفكري

كان أبو زيد رافضاً لتصنيف إنتاجه العلمي على أنه مشروع نهضوي مثل مشروع أستاذه حسن حنفي، وكان يؤكد أنه باحث ومُعلم. ولكن يمكننا القول إن هناك مشروعاً فكرياً لأبو زيد نستخلصه من مجمل أعماله بعد وفاته، لا أثناء عمله الفكري. فلم تكن لديه رؤى مسبقة عما يريد كتابته، إنما تطور إنتاجه بالجدل والنقاش والخلاف حول أعماله، يوضح جمال عمر.

ويرى أحمد مصطفى حلمي أنه يمكن تقسيم مشروع أبو زيد إلى جانبين: الأول هو التصورات الوجودية عن النص القرآني من خلال طبيعة النص ولغته الدينية وتاريخيته؛ والثاني هو نقد الأدوات المعرفية في التعامل مع النص سواء قديماً، من خلال نقد أساليب القدماء في تأويل النص القرآني، أو حديثاً، من خلال نقد الخطاب الديني المعاصر وطرح آليات مختلفة لتأويل النص.

وتركيز أبو زيد على دراسة النص راجع إلى اقتناعه بأن الثقافة العربية هي ثقافة النص، فهناك نصوصية حولنا، وكل شيء منسوب إلى النص، ثم كانت الستينيات في مصر، والتي شهدت توظيفاً للدين من قبل السلطة الاشتراكية، وما تلاها من توظيف مختلف للقرآن حين تحولت السلطة للرأسمالية، بجانب توظيف الجماعات الإسلامية واليسار الإسلامي للنصوص.

كل هذا كان حاضراً في ذهن المفكر المصري الذي أدرك أن المشكلة في لاتاريخية الفكر، لأننا لا ندرس التراث في سياق زمنه وعصره، يشرح جمال عمر.

معتزلي في مواجهة القراءة الأشعرية والحنبلية

يتناول جمال عمر بداية دراسة أبو زيد للقرآن، ويقول إنه تبنى لاهوت المعتزلة في مواجهة اللاهوت الأشعري، وفي مواجهة الهجمة الحنبلية الحرفية الممولة من السعودية، فكان يوظف التراث في مواجهة توظيف آخر للتراث، ولذلك هي قراءة إيديولوجية للتراث.

في تلك المرحلة تمثل إنجاز أبو زيد في إعادة فتح الكلام في قضية كان قد تم إغلاق باب الكلام فيها وحولها لمدة عشرة قرون، وهي قضية “طبيعة وماهية القرآن”، فتبنى مفهوم خلق القرآن في مواجهة الأشاعرة، يتابع عمر.

وفي محاضرة له، أوضح سبب اهتمامه بفكر المعتزلة بقوله إن القرآن أو الوحي معطى أولي في الثقافة العربية الإسلامية، وبالتالي لا يمكن لأي نقاش حول معنى الحياة أن يتجاهل هذا المعطى الأولي، ومعنى الحياة لا يمكن فصله عن المعنى الديني، لذا كان البحث في فكر المعتزلة هو بحث عن فكر اهتم بالإنسان في التراث.

ويضيف جمال عمر أن فكر أبو زيد تطوّر بين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، فنقد الفكر الاعتزالي، وأدرك أنه ابن عصره هو الآخر لا ابن عصرنا، ثم أنجز كتاب “مفهوم النص/ دراسة في علوم القرآن” للبحث عن مفهوم غير نفعي أو بدون توظيف إيديولوجي للنص من مختلف التيارات الفكرية قديماً أو حديثاً، وهي مرحلة الدراسة المنهجية للقرآن.

هنا تعامل أبو زيد مع النص القرآني باعتباره مُنتَجاً ثقافياً، أي رسالة إلهية تشكلت مفرداتها وتصوراتها من خلال لغة وثقافة البيئة التي نزلت فيها، ونص مهيمن وملهم لنصوص أخرى، ومشكّل للثقافة في بيئات أخرى قد لا ترتبط بالضرورة بالبيئة الثقافية التي نزل فيها.

ومن ناحية أخرى، تعامل مع النص من خلال أدوات التحليل اللغوي سواء كان للنص القرآني نفسه، أو للنصوص الأخرى، وفق ما ذكره حلمي.

ما معنى أن القرآن خطابات لا نص؟

أدرك أبو زيد لاحقاً أن النظر إلى القرآن على أنه نص هو لب الإشكال في تاريخ فهم القرآن قديماً وحديثاً، ويشرح الباحث جمال عمر ذلك قائلاً: حين ننظر إلى القرآن كنص أو كتاب فهذا يعني أن هناك مركزاً للمعنى وبؤرة للدلالة، ولا يجوز أن يضم الشيء ونقيضه، بينما القرآن يضم آيات تبدو متناقضة مثل آيات التجسيم والتشبيه مثل قوله تعالى {يد الله فوق أيديهم} (الفتح:10)، وقوله {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} (القيامة:22،23)، وآيات التنزيه {لا تدركه الأبصار} (الأنعام:103).

إذاً كما أن التنزيه الكامل موجود فالتشبيه الكامل موجود أيضاً، ولو قلنا إن القرآن كتاب يكون علينا البحث عن معنى مركزي وتهميش المعنى الآخر، فنبحث عن آليات لحل الإشكال مثل المحكم والمتشابه في علم الكلام، والناسخ والمنسوخ في الفقه، والظاهر والباطن في التصوف، وكلها آليات لحل إشكال ينتج عن النظر إلى القرآن كنص، وهو ما أدركه أبو زيد، وسعى إلى تجاوزه بطرح مفهوم القرآن كخطاب، يكمل جمال عمر.

وبحسب حلمي، فإن فكرة إعادة النظر إلى النص القرآني باعتباره خطاباً، بدأت تجلياتها الأولى عند أبو زيد من خلال كتابه “مفهوم النص”، وهو الكتاب الذي يعالج فيه مفهوم النص وفق مقتضيات منهج التحليل اللغوي، لكنه في تحليله لمفهوم الوحي، حلل الخطاب القرآني في سورة الجن بما يتجاوز حدود التحليل اللغوي في مستوياته الأربعة (الصوتي، الصرفي، التركيبي، والدلالي).

ومع توسع أبو زيد في تحليل الخطاب القرآني، لمس قضايا غاية في الأهمية تتعلق بموضوعات فقهية محسومة في العقل الإسلامي، أو موضوعات تتعلق بتصورات المسلمين الراسخة عن المسيحية واليهودية، وكشف الدور المختلف الذي يمكن أن يلعبه تحليل الخطاب كأداة تأويلية تختلف عن آليات التأويل القديمة.

والخطاب بنية حوارية تجادليه سجالية، تستدعي سياقات تتضمن المتكلم وهو متعدد الأصوات، وهي لا تعني المتكلم بالمعنى اللاهوتي، وتعدد الأصوات داخل النص القرآني لا يعني تعدد الآلهة التي قالت كلام القرآن، ومفهوم الصوت هو مفهوم لغوي سيميولوجي، وهو ما ذكره أبو زيد في إحدى محاضراته.

ونمط الخطاب قد يكون تهديداً أو تقريراً أو اعتراضاً أو نفياً أو إزاحة، وهناك فحوى الخطاب وفيه مستويات كثيرة، منها ما يقوله الخطاب وما يسكت عنه ويستنبط بالفحوى، وتأثير الخطاب على المتلقي ورد فعله، وغير ذلك من آليات الخطاب.

ويؤدي فهم القرآن وفق التحليل الخطابي إلى تلافي مشاكل كثيرة وقع فيها التفسير. فمثلاً في قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً} (الإسراء:16)، يذهب التفسير بالنص إلى محاولات عديدة لتبرير الأمر، إذ إن الله لا يأمر بالفسق، لكن هناك كلمة أمرنا، ما يجعل التفسير يبحث عن حل لذلك، وبعضهم يرى أن هناك محذوف هو “أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا”، أو أن الأمر من باب القدر الإلهي، أو أمرنا أي أكثرنا من المترفين ففسقوا.

ويرى أبو زيد أن هذا التعدد جاء من النظر إلى الآية فقط، لكن النظر إلى الآية ضمن خطاب تهديد لأهل مكة في إطار السجال مع النبي، يفترض ألا تُفهم الآية إلا كخطاب تهديد لا يجوز أن نستخرج منه مقولات لاهوتية، ومثله قوله تعالى: {لقد حق القول لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (السجدة:13)، فهي لا تُفهم إلا كخطاب تهديد لا كمقولات لاهوتية أو تقريرية.

والنظر إلى القرآن على أنه مجموعة من الخطابات سيعزز حضور المتلقي أي الإنسان في الفهم، ولن يصبح القرآن طريقاً صاعداً لمعرفة الله بقدر ما يكون عملية حيوية مرتبطة بالواقع والزمن، وسيتحرر القرآن من المعنى الآحادي، يقول جمال عمر.

اختلاف الوسطية مع التطرف في الدرجة فقط

في كتاب “نقد الخطاب الديني”، يرى أبو زيد أنه لا يوجد أساس صحيح للتفرقة بين الخطاب الديني المعتدل (الوسطية) والمتطرف، وأنها محض تفرقة إعلامية، فالحقيقة أن الفارق بينهما في الدرجة لا النوع، والدليل على ذلك هو اتفاقهما في منطلقات وآليات الخطاب التي تقوم على عناصر غير قابلة للمناقشة أو الحوار.

ويمكن سرد تطابق آليات التطرف والاعتدال في الآتي: التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع، وما يتبع ذلك من سيادة تصور آحادي للإسلام، وتفسير الظواهر كلها بردها إلى مبدأ أو علة أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية، بما يلغي فاعلية الإنسان وإرادته، والاعتماد على سلطة السلف أو التراث، وذلك بعد تحويل النصوص التراثية إلى نصوص أولية مقدسة مثل القرآن، بما يجعلها غير قابلة للنقد، وسيادة يقين ذهني وحسم فكري، ورفض أي خلاف فكري في الأصول، وإهدار البعد التاريخي وتجاهله. ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل يستوي في ذلك عصر الخلافة الراشدة مع الخلافة التركية، يوضح أبو زيد.

كما يتفق الخطابان في منطلقاتهم الفكرية، وهي مبدأ “الحاكمية” التي تقوم على تحكيم النصوص على حساب العقل، بما يجعل العقل تابعاً للنص، وهي التي بدأت في موقعة صفين، حين رُفعت المصاحف على أسنة الرماح.

أما عن تعامل الخطاب الديني مع النص، فإنه يقوم على تجاهل البعد التاريخي لتطور المفاهيم القرآنية، وتطور اللغة، ويرفع شعار “لا اجتهاد في ما فيه نص” رغم أن مفهوم النص في التراث هو الواضح وضوحاً بيناً من آيات القرآن ولا يحتاج إلى غير إتقان اللغة العربية لفهمه.

فمثلاً يقول السيوطي في كتابه “الإتقان في علوم القرآن” إن آية {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم} (النساء:23) ليست نصاً لأنها غير واضحة بذاتها إلا بعد إضافة محذوف وهو نكاح، فتكون حرم عليكم نكاح هؤلاء، لكن الخطاب الديني يتعامل مع المصحف كله على أنه نص، متجاهلاً مقولة أخرى للقدماء وهي: “النصوص عزيزة”.

ويقول حلمي عن إعلاء أبو زيد لشأن الإنسان من خلال قراءة مختلفة للتراث: كان هدفه إعادة القرآن للحياة، وإعادة التفاعل مع النص وفق الاحتياجات الإنسانية، سالكاً في ذلك طرقاً تأويلية جديدة تختلف عن طرق القدماء في استنباط الأحكام الفقهية أو المعتقدات اللاهوتية.

ولا يختلف الخطاب الوسطي، وعلى رأسه الأزهر، عن الخطاب المتطرف في هذه المنطلقات والآليات، ويكون خلافهم في زمان التطبيق، ومَن يُنفذ القتل على المرتدين.

لا زالت أطروحات أبو زيد بعيدة كل البعد عن المؤسسات الدينية الرسمية، وبالتأكيد لا زالت بعيدة عن وعي المسلمين المعاصرين بالنص، ونحن نعلم أن الخطاب الأصولي على الرغم من هشاشته وضعفه إلا أنه أقرب إلى رجل الشارع، ربما لتغلغل هذا الخطاب داخل المؤسسات الدينية الرسمية بالإضافة إلى مشكلات التعليم والثقافة التي نعاني منها منذ أمد طويل، دون أن ننسى العلاقة الوثيقة التي ارتبط بها دائماً الخطاب الأصولي بالسياسة والسلطة، يتابع حلمي.

لم يسلم أبو زيد من نار التيار الديني الذي لم يتقبل فكره النقدي، وانقضّ عليه حين تقدم ببحث لنيل درجة الأستاذية، ثم ما تلا ذلك من تكفير بدأ منذ 1990، ومرّ برفع دعوى تفريق بينه وبين زوجته، ليكون المنفى الاختياري حلّه لتفادي الرصاص.

وأوضحت تلك الأحداث تطابق الوسطية مع التطرف، فمَن كفّروه كانوا محسوبين على الوسطية.