الجمعة: 3 أبريل، 2020 - 09 شعبان 1441 - 03:35 صباحاً
اقلام
الأحد: 9 فبراير، 2020

عمار السوّاد

حين فجّر تنظيم القاعدة في العراق، بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، مرقد الإماميْن العسكرييْن في سامراء، في شباط/ فبراير 2006، وجد العراقيون أنفسهم أمام معادلة طائفية صعبة، كان زعيم جيش المهدي، مقتدى الصدر، عنصر التوازن فيها.
لعبت “الضرورات” لعبتها في إباحة المحظورات والمحذورات، وقتما اندفع كثيرون من العراقيين ليروا أن رعب تنظيم القاعدة ومَن وراءه يجب أنْ ينتهي، وأنّ ذلك غير ممكن إلا بفرض توازن رعب.

إنها الضرورات القاتلة، لعبة انتقاء لا تنظر سوى إلى نقطة واحدة، وتجعلها كعبة تطوف حولها الآراء والقناعات والعقائد. لم يرَ الكثيرون المشهد كاملاً. شركاء الحكم والنخب المشتغلة بإنتاج الأفكار ونقد الظواهر وصانعو القرار المجتمعي كرّسوا جميعاً ثقافة التحالف مع طرف “أقل شراً” للقضاء على آخر “أكثر شراً”. جميعاً، ساهموا مباشرة في تكريس وضع الطوارئ الدائم، ما سمح بأن يطلق رئيس الوزراء حينذاك إبراهيم الجعفري، عنانَ جيش المهدي، بعد تفجيرات سامراء.
المرعب يوازن الرعب ولكن…
أغفلت حقيقة أنّ طرف توازن الرعب الجديد، اعتاد طول ثلاثة أعوام سبقت ذلك اليوم، على قمع الناس وإخافتهم وإثارة الرعب بينهم. خلال تلك السنوات، انبرى لقتل المحاولة الجديدة في التأسيس لحريات المجتمع كي يصنع مستقبله بعد دكتاتورية طويلة، مستفيداً من دعم إيراني كبير، ومن رضا الشيعية السياسية بنسختها القادمة من الخارج، خصوصاً حزب الدعوة.
صار الصدر “شرعية” أقيمت بموجبها عقوبات الشريعة: جُلد الناس وسجنوا وقتلوا، لأنهم فكروا أو عاشوا أو شربوا وأكلوا… بدون أن يتقيّدوا بعقيدة الزعيم المتفاخر بقوته الشعبية قياساً إلى معارضة الخارج القادمة بدون رصيد.
وفي آذار/ مارس من عام 2008، عندما قام رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي بما عُرف بـ”صولة الفرسان”، وهي حملة عسكرية شنتها الحكومة ضد سيطرة ميليشيات الصدر وأسفرت عن سيطرتها على المحافظات الجنوبية وأجزاء من بغداد وإعلان تجميد عمل جيش المهدي، بعد وقوع 1500 قتيل من الطرفين، ساد شعور بأن المالكي هو رجل المرحلة الجديد.
لم يتم التفريق بين أهمية عملية القضاء على ميليشيات أذاقت البصرة ويلات القمع والاغتيال والرعب والإرهاب، وبين أجندة رئيس وزراء مستبد انتهت عام 2010 إلى تشكيل ميليشيات بديلة لموازنة الرعب ضد مقتدى الصدر وجيش المهدي التابع له.
تلك اللحظات الحرجة التي خلقت خيارات خاطئة، ليست بعيدة زمنياً، وليست من تاريخ دولة أخرى. هي قريبة، وتداعياتها وأسبابها متواصلة.
حماقات متكررة
بقيت الضرورات تبيح المحظورات والمحذورات، وظل الواقع النخبوي والشعبي العراقي يعتنق هذه المقاربة، فضلاً عن الحاكمين. وفي الغالب كان مقتدى الصدر بطلها، ليس لأنه سوبرمان، بل لأنه ببساطة، وبحكم ظروف موضوعية وتاريخية وأسرية، وجد أتباعاً لم يجدهم الآخرون. فقط هو مَن يمتلك حشداً موالياً له تحت أي ظرف إلى درجة العبادة. الآخرون، جلّ الموالين لهم مرتبط بمصالح معيّنة، أو بفعل عوامل الحكم التي أضفت هالة كبيرة على رؤساء الوزراء السابقين، وفي مقدمتهم نوري المالكي وأياد علاوي.

قال الصدر إنه ضد الإيرانيين فاندفع نحوه مَن يريد تحرير العراق من نفوذ ولاية الفقيه. قال إنه ضد الطائفية فدعمه مَن مقت المذهبية. أبدى إعجابه بالمدنيين، فحج إليه دعاة الدولة المدنية. دعم التظاهرات فغض الطرف عن انتهاكاته أكثر ناشطي الاحتجاجات وإعلامييها ومثقفيها.

الجامع المشترك بين كل الخطايا المتكررة هو حماقة المندفعين و”شطارة” الصدر أو مَن يضع خريطة عمله. لا عزاء لمَن كرر تصديق “الشاطر” ورأى فيه المنقذ. بُعد النظر مفقود في مَن يؤسس للمواقف في العراق.
“قال مقتدى الصدر إنه ضد الإيرانيين فاندفع نحوه مَن يريد تحرير العراق من نفوذ ولاية الفقيه. قال إنه ضد الطائفية فدعمه مَن مقت المذهبية. أبدى إعجابه بالمدنيين، فحج إليه دعاة الدولة المدنية. دعم التظاهرات فغض الطرف عن تجاوزاته أكثر ناشطي الاحتجاجات وإعلامييها ومثقفيها”
وعندما أتى عام 2015 بتظاهراته ضد السلطة، اندفع غالبية المشتغلين بالثقافة والمعرفة والفنون والإعلام نحو مقتدى الصدر. نظّرت له الأقلام، ووُصف المسار المشترك بينه وبين الشيوعيين وما يُسمى بالمدنيين، بالكتلة التاريخية، وووصف الصدر بالزعيم الوطني القادر على الحد من النفوذ الخارجي. مبرراتهم بدت كثيرة، وجلها نمّ عن ضعف في قراءة ما يجري وعن عدم فهم الرجل جيداً. يشبهون إلى حد كبير أولئك الذين رأوا، خلال سبعينيات القرن الماضي، في الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، زعيما شاباً مثّل الطموح، وكانوا من مشارب شتى، وما أنْ تمكّن من الحكم حتى لاحقهم واحداً واحداً، إلا مَن سلّم له بالكامل، وقبِل خياراته أياً كانت.
سُنن الصدر
سنّ أنصار الصدر منذ بدايات عام 2016، بعد أن استطاع السيطرة على التظاهرات، سُنّةَ اقتحام المنطقة الخضراء، وحرْق مباني الخصوم، وإثارة المخاوف بين مَن لديهم رأياً مناوئاً له من المحتجين. وأفراد القسم الأخير وجدوا أنفسهم بين رعبين، رعب الميليشيات الإيرانية، وعلى رأسها عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وسرايا الخراساني، ورعب الخطاب الشعبوي المخيف الذي يتبناه الصدر

وفي الانتفاضة العراقية الأخيرة، كان منع الدراسة، كإجراء ضِمن خطوات ما عُرف بالإضراب العام، خيار الصدر نفسه. هو مَن أعلن عنه، وهو مَن فرضه، وهو مَن جعل المنتفضين غير التابعين له يقتنعون به، ليزيدوا العدد ويشعروا بكثرة الحشود، رغم ما يطرحه ذلك من أسئلة بشأن أن إجبار الناس على ما لم يختاروه يتعارض مع الإيمان بحرية الاختيار الذي تقوم عليه فكرة الثورة ضد الحكم الفاسد والميليشيات القامعة للحريات. وها هو الصدر اليوم يعيد الدوام، وكأنه يقول للآخرين إنكم مَن فعل ذلك.
كيف لا، و”السيّد”، أياً كان توجهه، يفكر بذهنية الميليشيا الأكبر من الخضوع للدولة. هو ابن النشأة المشتركة مع الجماعات المسلحة الأخرى التي لا تؤمن بحريات ولا بحياة لا تفرضها خيارات زعيم سياسي أو رجل دين أو دولة مجاورة.
“إيران بالنسبة إلى مقتدى الصدر هي النظام الذي تربطه معه علاقة إستراتيجية ما دام ضعيفاً أو ما دام غير قادر على تحقيق الهدف المنشود: أنْ يصبح الزعيم الأوحد”
يبرّر المدافعون عنه أفعاله بأنه ليس موالياً لإيران. مضحك بالطبع هذا المبرر. طبيعة الزعماء العراقيين تشبه شخصية صدام حسين بشكل أو بآخر. هم يتمردون على أي داعم لهم حين يجدون القوّة. هذا ينطبق على أكثر قادة البلد. العلاقة على أساس مذهبي أو قومي أو ديني، ليست نهائية، بل محكومة بظروف الحاكم.
وإيران بالنسبة إلى الصدر هي النظام الذي تربطه معه علاقة إستراتيجية ما دام ضعيفاً أو ما دام غير قادر على تحقيق الهدف المنشود: أنْ يصبح الزعيم الأوحد.
حراك دائم وذاكرة مفقودة
الآن، يقال إن الصدر خسر الكثير. نعم هو خسر الآن، غير أنه لا يفكر بالآن. اعتاد الرجل على الانقلابات الحادة غير المفهومة، وتصديقَ الكثيرين له. الكل فاقد للثقة به نظرياً، والغالبية تلجأ إليه عملياً. فقدان الثقة، بحسب التجارب، لا يعني شيئاً. في النهاية سيركب الموجات ويصدّقه مبيحو المحذورات بالضرورات.
وعلى أي حال، إنّ حراك الشارع العراقي لم يتوقف، ولا أظنه سيتوقف. هو ليس وليد تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بل متواصل خلال عقد. وليس المطلوب أن يكون هناك عداء بين الصدريين ومَن انتفض على الحاكمين، بل العمل على خلق وعي في أوساطهم بأن زعيمهم أخذهم دوماً إلى المنطقة الخطأ.
المشكلة أنّ هناك ذاكرة مثقوبة، بينما يحتاج التغيير إلى ذاكرة لا تنسى أن أمثال الصدر والبعث إنما هم جزء من الخراب، وأنهم ليسوا الضرورات التي تبيح المحذورات، بل لا ضرورة تجعل المحذور والمحظور مباحاً ومتاحاً.
فغاية التخلص من الاستبداد والقتل والنهب والاستهتار والارتباط بالخارج، لا تبرر سوى الوسائل المنسجمة معها.