الأثنين: 9 ديسمبر، 2019 - 11 ربيع الثاني 1441 - 02:35 صباحاً
سلة الاخبار
الخميس: 14 نوفمبر، 2019

آية نادر

يقول المُغنِّي في المهرجان الشعبي: “إحنا بتوع ربنا، ومعانا شهادة بكده”. تسخر كلمات الأغنية من كون النخبة الدينية فوق النقد. ومن دون الابتعاد عن غرض المهرجان، أعد مستمعون فيديو يحمل كلمات الأغنية ووجوه الدعاة المشاهير على أجساد راقصة.

تأتي الأغنية – أو فهم بعض المستمعين إليها- تمرداً على احتكار الدين، سواء احتكاره واستخدامه سياسياً، أو وجود احتكار حقيقي من القلة المتسلطة عليه، والممثلة في الذين يطلق عليهم “رجال الدين”. في مصر، كل من يجرؤ على التغريد خارج السرب يواجه اتهاماً بالخروج عن الدين، أو بما هو أسوأ.

 

اضطرت أسماء منير ابنة أحد الممثلين المصريين المشاهير للتواري بعدما تلقت تهديدات تشمل حياتها بسبب تعبيرها عن استيائها من آراء الداعية الراحل محمد متولي الشعراوي، وهو باحث ديني محبوب جداً بين المسلمين المصريين. كان الجدل عبر الإنترنت حاداً وحافلاً  بالسباب والاتهامات.

 

يقول الباحث في الشؤون القانونية والدينية محمد مدحت مندور “ربما لا يتفق كثير من المدافعين عن الشعراوي مع آرائه، مثل لا أخلاقية عمل المراة أو تحريم الغسيل الكلوي، لكن صورته لدى الرأي العام تظل غير قابلة للخدش”.

 

يتفق معه مينا ثابت مدير وحدة السياسات في المفوضية المصرية للحقوق والحريات، ويقول لرصيف22: “إن وضع هالة تقديس حول رجال الدين المشاهير صار من الموروثات الثقافية الثابتة. يتحول هؤلاء المشايخ إلى أيقونات تتعالى على النقد”. انعكس هذا في هاشتاج #الشعراوي_رمز_مصر الذي احتل موضعاً متقدماً في قائمة الأكثر تداولاً “الترند” في مشهد تويتر المصري.

 

يحلل صمويل تادرس الباحث في مركز هدسون للحريات الدينية كيفية تكوُّن الرموز الدينية، شارحاً كيف يستخدم الدين مبدأين متضادين ليرسخ رؤاه، هما “التجاوزية، والتجسيد”، الأول يتصل بادعاء وجود حقائق مطلقة وغامضة يتجاوز إدراكها قدرة البشر مثل سر التناول في الدين المسيحي.

 

لكن الدين يستخدم وسائل أخرى مادية يمكن قياسها والتعامل معها، هذه الوسائل تتجسد في أشياء أو أشخاص، ويصبح هؤلاء الأشخاص وتلك الأشياء جزءاً من فهم الناس للدين. يقول تادرس: “الطبيعة البشرية تحتاج إلى الملموس والمتجسد. نحن لسنا كائنات عقلية مجردة، لكننا كذلك جسدانيون. لهذا فالوجود الملموس مطلوب ويأتي في هذه الحالة في شكل أشخاص مثلنا، يجسدون لنا الدين”.

 

أظهرت ثورة 25 يناير 2011 وارتفاع نسبة مستخدمي الإنترنت أن آراء الشعراوي الدينية ليست بالوسطية والاعتدال مثلما ظن الناس. بدأ ميراثه يخبو، لكن قوانين مكافحة الإلحاد “الرِدَّة” تضمن ألا يتصدى باحث حقيقي لمساءلة تراث الشعراوي أو إخضاعه للنقد والتحليل خشية مواجهة السجن. يقول تادرس: “طبيعة الدين نفسها ينظر إليها باعتبارها فوق الإنسان وإدراكه، بسبب ما تطرحه بخصوص الإله وطبيعته المتجاوزة، وما بعد الموت، والمطلقات المتعلقة بالحقيقة والأخلاق”.

ويواصل “هذا بالإضافة إلى أن الأطروحات الدينية لم يتم إخضاعها للنقد في منطقة الشرق الأوسط على غرار ما حدث في الغرب خلال حقبة التنوير، التي أجبرت الدين على مواكبة الحياة”. ويضيف مينا ثابت: “وهناك أيضاً استخدام الدولة للدين كآداة للتلاعب بوعي الجماهير”.

 

يقول مندور إن الدولة تلجأ للدين كأداة في حالة فشلها في تحقيق أية إنجازات مؤثرة. ويتابع “عندما تسحب الدولة جانباً معتبراً من استثماراتها في أسس الحياة اليومية لمواطنيها كالوظائف والطعام، تلجأ لاستدعاء الماورائيات وتستخدمها في تخدير الناس كي يقبلوا بالوضع السيىء الذي يجري التأسيس لتحويله إلى أمر واقع”.

 

“لا يمكن وصف أي من الرؤساء المصريين المتعاقبين من جمال عبد الناصر إلى السيسي مروراً بالسادات ومبارك بأنهم من العلمانيين، فكل منهم “استخدم الدين كي يضفي الشرعية على حكمه”.

 

أظهرت ثورة 25 يناير وارتفاع نسبة مستخدمي الإنترنت أن آراء الشعراوي الدينية ليست وسطية ولا معتدلة مثلما كان يظن الناس، فبدأ ميراثه يخبو… لكن قوانين مكافحة الإلحاد (الرِدَّة) تضمن ألا يتصدى باحث حقيقي لمساءلة تراث الشعراوي خشية مواجهة السجن.

 

وكثيرًا ما تلجأ الأنظمة السياسية للدين كي تكتسب شرعية للحكم أو الاستمرار فيه. فلأجل شرعنة استيلاء الجيش على الحكم في يونيو 2013، ظهر رأس الكنيسة القبطية البابا تواضروس الثاني والإمام أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر في وسائل الإعلام بجوار السياسيين أثناء إعلان عزل الرئيس الأسبق من منصبه.

وكذلك جرى استغلال الدين خلال حرب العراق في 1990 عندما أرادت الدولة المصرية أن ترسل جنوداً لمعاونة الكويت. يتذكر مينا ثابت: “بدلاً من أن تقول لهم الدولة إن المشاركة في تلك الحرب ستعود بالنفع على البلاد، أو أن المشاركة تأتي بقرار سياسي من الرئيس، استدعت الدولة شيوخًا يقتبسون من القرآن آية “وإن فئتين من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي””.

 

لا يمكن وصف أي من الرؤساء المصريين المتعاقبين من جمال عبد الناصر إلى السيسي مروراً بالسادات ومبارك بأنهم من العلمانيين، يقول تادرس إن كلًا منهم – على طريقته- “أراد الدين كي يضفي الشرعية على حكمه”.

ويرى مندور أن الدولة لا تكتفي بالنظر إلى الدين باعتباره أداة يمكن توظيفها، لكنها أيضاً تنسج سرديتها الخاصة لما هو “صحيح الدين”، ويتم استخدام الشعراوي وسواه من “الأيقونات” لنشر تلك السردية باعتبارها الوحيدة الصحيحة. يقول مندور: “يصير هذا الشخص/ الأيقونة جزءاً من هوية مصر. وأداة لتمييز من هو منّا، ومن هو من الآخرين. ويصير انتقاده بمنزلة انتقاد (الشخصية المصرية)، وهذا ما يستنفر لدى الحشود رغبة في الدفاع عن أنفسهم وهويتهم تجاه هذا النقد”.

 

استخدم الشعراوي العامية المصرية البسيطة كي يقترب بأسلوب مفهوم من العامة البسطاء. أفردت له الدولة مساحة في أكثر الأوقات مشاهدة على شاشة التلفزيون في وقت كان تلفزيون الدولة هو الساحة الرئيسة للنقاش المجتمعي. صدرت عن الشعراوي آراء مثل أن الله أمر الرجال بضرب النساء إذا دعت الحاجة، وأن من لا يصلِّي يقتَل، وأن التبرع بالأعضاء مُحرَّم دينياً.

 

يقول عبد الله هنداوي استاذ علم الاجتماع بجامعة جورج ماسون لرصيف22: “تم تطبيع التطرف في الوجدان العام منذ سنوات. لهذا عندما يسمع الناس طرحاً يخالف ما يعتبرونه هم (مألوفاً) يصبح صاحب هذا الطرح المختلف شاذاً خارجاً عن المألوف. إلا أن الشعراوي يُنظَر إليه باعتباره تجسيداً للمسلم المصري المعتدل”. ويتابع هنداوي “الناس يدافعون عمّن يعتبرونهم رموزاً دينية، بعصبية تفوق دفاعهم عن رموزهم السياسية. إن قيام ثورة سياسية في مصر أسهل بكثير من قيام ثورة دينية”.

 

هناك سبب آخر في تحول الدين إلى موضوع مقدس غير مطروح للنقاش (تابوه) في مصر، وهو الحاجة إلى الاستقرار. يقول تادرس “مع فقد الناس الثقة في مؤسسات الدولة بسبب الفساد أو لكون تلك المؤسسات لا تمثلهم، تظل مؤسسات الدين هي الجهة الوحيدة الممكن الوثوق بها”. ويضيف: “الناس بحاجة إلى ركائز للاستقرار، أشياء ثابتة وحقائق حياتية. وتمثل الرموز الدينية تلك الركائز، فالحياة اليومية ملأى بالمتغيرات”.

 

ويقول صمويل تادرس: “المشكلة في الاعتراف بأن القادة الروحيين مثل الشعراوي أو البابا شنودة يخطئون، يعني فتح باب خطير يرغب الناس في إبقائه مغلقاً. يتساءل الناس: ومن التالي؟ هذا يعني أن كل ما هو مطلق وفوق ما يرونه إدراكاً بشرياً قاصراً سيخضع للنقد والتفكير والتحليل”.

 

عندما تأخذ تلك العناصر في الاعتبار، يصبح النقاش مستحيلاً تقريباً. في 2015، صدر حكم بالسجن خمس سنوات على الباحث الإسلامي والمذيع إسلام البحيري الذي أثارت أراؤه الجدل، وذلك بتهمة “ازدراء الأديان”.

وأصدرت القناة التي استضافته بياناً تعلن فيه وقف برنامجه “إعلاءً للمصلحة الوطنية، واحترامًا لفصيل كبير من الشعب المصري، واستجابة للإمام الأكبر للأزهر الشريف فى تحكيم العقل عندما يتناول الإعلام مسائل الدين” بحسب نص البيان.

 

في برنامجه وضع البحيري الخطاب الديني التقليدي موضع المساءلة، وتعرض بالنقد لتراث الفقه الإسلامي الموروث منذ قرون. ومن أطروحاته المثيرة للجدل أن غير المسلمين يذهبون أيضاً إلى الجنة. هذه النظرة تتحدى معتقدات الغالبية من المسلمين وتضرب في قلب تعاليم الشعراوي.

 

مع قيام ثورة يناير 2011، جاء التحدي للثوابت والتشكك فيها. غيَّر الإنترنت من الطريقة التي تجمع بها المعرفة. وبالطبع فارت فقاعات فتاوى الشعراوي، وصارت الفيديوهات التي طرح فيها رؤاه متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي.

يقول مينا ثابت: “البعض صار واعيًا بشأن كذبة ترويج الشعراوي باعتباره صورة للباحث الإسلامي المعتدل”. ويلاحظ صمويل تادرس أن التغيُّر الذي أحدثته الثورة يظهر كذلك في الطريقة التي صار بها تراث البابا شنودة وتعليمه يواجهان النقد. لكنه يستدرك أن الغالبية العظمى تظل متمسكة بالتابوهات القديمة: “لم يكن البابا شنودة عالم دين عبقريًا. لقد كان عالمًا متواضعاً جداً، لكنه كان بارعاً في التبسيط وشرح الأفكار الكبرى في كلمات بسيطة. لهذا كان رجلاً للجموع”.

 

يعتمد الجهل في توسُّعه وانتشاره على عدم قدرة الناس على قبول الآخر، سواء كان هذا الآخر رأياً  أم شخصاً. ويتفق الخبراء الذين تحدث إليهم رصيف 22 على أن النظام التعليمي في مصر لا يسمح بالتفكير الحر، كما أنه لا يتيح التعرُّض للأديان الأخرى الموجودة في المجتمع نفسه أو في الثقافات الأخرى.

 

في الوقت عينه، هناك عرقلة قانونية منظمة في مصر تواجه حرية التعبير في ما يتعلق بالأمور الدينية كما يشدد مندور. فبسبب المادة (98 و) من قانون العقوبات المعروفة بقانون الازدراء، يخشى العديد من الباحثين والكتاب الخوض في مناقشة عدد من الأفكار، أو يضعون لأنفسهم سقفاً لما يمكن قوله.

 

يستخدم القانون لغة فضفاضة لمعاقبة “كل من استغل الدين… لقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية”.

 

في 1992 اغتيل البروفيسور فرج فودة بعدما اتهمته لجنة من مشايخ الأزهر بـ”الرِدَّة”. كانت كتابات فودة تتعرض بالنقد للتأثير المتزايد للتطرف الإسلامي على المجال العام في مصر.

 

يقول تادرس: “في عالم مثالي يمكن الناس أن تُكَوِّن وجهات نظر متوازنة من خلال فهم التعقيدات التي تحرك فهم كل شخص ومدى استيعابه. ولكن في عالمنا، في مصرنا هذه؛ فإن الأشياء إما بيضاء أو سوداء”. يطرح صمويل تادرس سؤالًا محوريًا: “إن كان الله نفسه أعطاني الحرية في أن أرفضه، فكيف يمكنني أو يمكن أي شخص على هذه الأرض أن ينزع هذه الحرية؟”