الأحد: 27 مايو، 2018 - 12 رمضان 1439 - 05:00 صباحاً
على الجرح
الثلاثاء: 15 مايو، 2018

د.حميد عبدالله

انجلى غبار الانتخابات عن مشهد متشظ فتت المتوحدين على ثابت المذهب مثلما فرق المتمسكين بثابت القومية والعرق !
التحالف الشيعي انقسم الى ست ( شيع) المقرقات بينها اكثر من المشتركات ، اما الكرد فقد مزق الاستفتاء ماتبقى من مشتركات مصيرية بينهم ناهيكم عما فعلته الارادات الخارجية من تفتيت للجسم السياسي الكردي فصارت السليمانية من حصة ايران ومن في خندقها عراقيا، وظلت اربيل تتطلع الى تأسيس دولتها بدعم من دول في الاقليم وخارجه!
هل نحسب التشظي واحدة من حسنات انتخابات 2018 ام ان هذا التشظي سيعقد المشهد الى حد يجعل من ولادة الحكومة القادمة عسيرة ،وربما لن تتم من غير عملية قيصرية اكثر تعقيدا!
اما عن الطرف الشيعي فقد انقسم حزب الدعوة الى ائتلافين يقودهما رأسان أساسين من رؤوس الحزب،ومها بالغ بعض قادة الدعوة وكابروا في الحديث عن ( الوحدة الجسدية ) للحزب الا ان الواقع يدحض ذلك تماما!
هناك ائتلاف النصر ودولة القانون وبينهما ماصنع الحداد ، فالعبادي صاحب المكاسب والانجازات الكبرى ليس من السهل ان يهدي انجازاته على طبق من ذهب لدولة القانون ، والمالكي الذي يرى انه يجسد رمزية الحزب ، ويكرس ( روحيته) لم يعد مستعدا للتخلي عن موقعه لحساب العبادي ، وكم من احزاب كبيرة مزقتها الشخصنة ،او تنافر الرؤوس ..والامثلة كثيرة ..والتجارب اكثر!
في الطرف الآخر من الخارطة الشيعية فان المجس الاسلامي انشطر الى ثلاث قوى يبدو الجمع بينها صعبا ، الحكمة ، والمجلس ، وبدر،الابن الشرعي للمجلس ، الذي اسس ائتلافا ضم قادة الفصائل الشيعية التي ترى ان فواتير الدم الذي قدمته لايضاهييه ثمن !
اما التيار الصدري فانه ذهب بعيدا عن حلفاء المذهب ليبني تحالفات تجاوزت المسموح به شيعيا ،وليحصد اكبر قدر من الاصوات فيحتل الصدارة في الزحام الانتخابي بجدارة واستحقاق!
أمام هذه اللوحة التي تتداخل فيها الخطوط والالوان لابد من تفاهمات جديدة تترتب عليها مساومات وتنازلات وضغوط هي الاستحقاق الطبيعي لحكومة تتوافر على الحد الادنى من الانسجام بين مكونتاها ، والتوازن بين ركائزها وقوائمها !
نشوة النصر دفعت ( سائرون) الى رفع السقف الى مستوى ربما لايتناسب مع المساحة التي يشغلها الصدر وجمهوره و(حلفاؤه ) على الارض العراقية المتحركة دون توقف!
يبقى السؤال الاهم هو: من سيشكل الحكومة القادمة؟ هل يتقدم (سائرون) خطوة نحو العبادي ام يخطو العبادي خطوة باتجاه الصدر ؟ ام ان المالكي والعامري سيقطعان الطريق باستقطاب العبادي وعزل الصدر ودفعه الى خانة المعارضة ؟!
اي جواب على ذلك سيكون خاطئا اذا لم يحسب حجم وتأثير الارادة الخارجية في تشكيل الحكومة ..ايرانيا وامريكا واوربيا وعربيا!
خياران اساسيان يلوحان في الافق السياسي تتخللهما مفاجآت ربما تكون غائبة وغير متوقعة فالسياسة زئبقة في تقلباتها ومتغيراتها!
الخيار الاول ان يتحالف ائتلاف النصر مع ( سائرون) وهما اكثر طرفين في الجسد السياسي الشيعي يمكن ان يحققا مستوى معقولا من التوافق والانسجام، لكن هذا الانسجام يعكره الموقع الذي يتنافس ويتزاحم عليه الجمع وهو منصب رئيس الوزراء!
أفترض ، وهكذا يقول المزاج السياسي في هذه اللحظة على الاقل، ان ايران ومن معها وخلفها ، لن تسمح للسيد مقتدى الصدر ،الذي شق عصا الطاعة على طهران ، وتحالف مع اشد اعدائها ضراوة ، السعودية، اقول ان طهران لن تسمح للصدر بتشكيل حكومة تهمش الاذرع الايرانية في العراق ، وتصيب المشروع الايراني بمقتل لكن ذلك قد يتحقق بشروط بعضها ايراني وبعضها امريكي !
من بين اهم تلك الشروط ايرانيا ان يكون رئيس الوزراء غير مرفوض من ايران ، ومؤيدا من النجف ، ومقبولا من القوى الشيعية الاخرى واعتقد ان الدكتور حيدر العبادي يحمل تلك المواصفات مجتمعة!
اما امريكيا واروبيا وعربيا فان الاهم هو منهج الحكومة العراقية القادمة وليس شخوصها و مكوناتها واطرافها ، والعبادي مدعوم امريكيا واوربيا وعربيا بمنهجه واعتداله وقدرته على تعزيز منجزاته التي حققها في الولاية الاولى ، فلا يضير واشنطن اذا كان رأس الحكومة معها وبعض اطرافها بالضد منها، لانها بالنتيجة ستضبط الايقاع بالريمونت ولو عن بعد!
نشوة الصدريين بالفوز الساحق شحنتهم بعواطف فاضت على الشارع بهتافات ربما اضرت بالمستقبل السياسي ل( سائرون) من حيث يدري قادة الائتلاف او لايدرون!
المجاهرة بطرد ايران ، ومعاداة امريكا في هذه اللحظة قد تبدو في ظاهرها ترجمة لمنهج الصدر لكنها في جانب منها تبعث برسالة الى طهران وواشطن ،كل على انفراد ، بان مساحة كل منهما ربما تنحسر او تهتز وهو غير مسموح به لا من البيت الابيض، ولا من ولاية الفقيه كل من زاويته ورؤيته !
هذا يعني ان جزءا مهما من الارادة الخارجية سيكون بالضد من ستراتيجية (سائرون ) في تشكيل الحكومة، او بسط لونه عليها على الاقل!
وهنا تبدو الحاجة لرئيس وزراء بمواصفات العبادي اساسية ،ان لم تكن حاكمة في رفع العوائق والعقبات امام طريق الصدريين في تشكيل الحكمة ، وبعكسه فان تلك العوائق ستزداد قوة وتعويقا!
الخيار الثاني هو ان تنتهي الاجتماعت المكثفة بين الفتح ودولة القانون والنصر الى تشكيل تحالف يكون مدعوما بقوة من ايران ،وهذا لايكفي وحده بالطبع لانجاح هذا التحالف ،فرضا واشنطن ،وتاييد الغرب والعرب له شرط اساس لاستمراه ونجاحه ،وعندها يقفز اسم رئيس الوزراء القادم ليضفي مقبولية عليه !
اذن خيار المحور الايراني سيكون غير مرفوض امريكيا اذا انتج رئيس حكومة منسجم مع المزاج الامريكي والعربي والغربي، واظن ان العبادي سيكون هو الجامع لتلك المتطلبات ،سواء تحاف مع (سائرون) او مع الفتح والقانون.
السؤال الآخر هو : الا يوجد غير العبادي من يحظى بذلك الرضا وتلك المقبولية؟ نعم هناك كثيرون لكن بعض اطراف الارادة الخارجية ترى في المجرب اكثر ضمانة ممن سيجرب ، ورغم ذلك فان كل شيء قابل للتغير في عراق يمسي على شيئ ويصبح على شيئ مغاير تماما !