الثلاثاء: 12 ديسمبر، 2017 - 23 ربيع الأول 1439 - 12:40 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 4 ديسمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

محمد يسري

في التاسع من شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وقع الهجوم الدامي على مسجد الروضة الكائن بمحافظة شمال سيناء في مصر، والذي أسفر عن سقوط 305 قتلى بالإضافة إلى نحو 130 مصاباً، في حادث وصف بأنه الأسوأ على صعيد جميع العمليات الإرهابية التي وقعت في مصر عبر تاريخها.
العديد من المحللين، عزوا الهجوم، للطابع الصوفي الذي يتصف به المسجد، وللكراهية والمقت اللذين تضمرهما الجماعات السلفية الجهادية المسلحة ضد أتباع الطرق الصوفية، إلى الحد الذي دعا تلك الجماعات لتكفير الصوفية واستحلال دمائهم.
في هذا المقال، نقدم جزءاً غير مطروق من قصة العلاقة ما بين أئمة أهل السنة والجماعة، وقيادات جماعات الإسلام السياسي من جهة، وأفكار ورموز الصوفية من جهة أخرى، لنبين أن كثيراً من أشكال التفاهم والتقدير والتسامح قد سادت ما بين الطرفين في العديد من الفترات التاريخية السابقة.
ويجب الالتفات إلى أنه_وعبر التاريخ الإسلامي_ كثيراً ما وجدنا نماذج لعلماء ومفكرين مسلمين جمعوا ما بين المذهب السني والمعرفة الصوفية، بحيث صاروا رمزا للتقريب الفكري والمذهبي.
ابن حنبل: الإمام الذي أشاد بصوفية بغداد
مما لا شك فيه أن الإمام أحمد بن حنبل (تـ. 241هـ)، كان واحداً من أهم العلماء والفقهاء المسلمين الذين أرسوا القواعد الفقهية والأصولية المعتبرة لأهل السنة والجماعة، حتى نظر إليه العلماء المتأخرون على كونه أحد مؤسسي مدرسة الحديث، والتي عُرفت بعد ذلك بالسلفية.
ابن حنبل، ورغم كل ما اشتهر عنه من محاربته للبدع والأفكار الفلسفية المنتشرة، إلا أن المصادر التاريخية تقدمه في صورة العالم الذي يُبدي الكثير من الاستحسان تجاه كبار الصوفيين المعروفين في عصره، وخصوصاً أولئك الذين اشتهر أمرهم في بغداد حاضرة الخلافة العباسية.
من ذلك ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، حيث أكد على العلاقة الطيبة التي لطالما ربطت ما بين ابن حنبل والصوفي الشهير بشر الحافي (تـ. 227هـ)، وكيف أن ابن حنبل كان ينتهز كل فرصة للإشادة بالحافي وإظهار الإعجاب به.
ومن تلك الأخبار أيضاً، ما أورده ابن كثير في البداية والنهاية، عندما ذكر أن مخة، أخت بشر الحافي، وكانت متصوفة مشهورة مثل أخيها، قد ذهبت في يوم من الأيام إلى ابن حنبل، لتسأله عن مسألة، فلما قابلته قالت له إنها تشتغل بصناعة الغزل، وإنها قد اعتادت على أن تمارس عملها على ضوء السراج، وفي بعض الأوقات ينفذ زيت السراج، فتخرج لتواصل عملها على ضوء القمر، وإنها تخاف أن يكون هناك اختلاف في الجودة ما بين غزل السراج وغزل القمر، فأعجب ابن حنبل بأخلاقها وأشاد بها.
أقوال جاهزة
شاركغردعن الوجه الآخر لابن تيمية، عندما دافع الأب الروحي للسلفية عن رموز الفكر الصوفي
شاركغردمن المؤكد أن صاحب الإحياء أبا حامد الغزالي، كان نموذجاً رائعاً لكيفية امتزاج التعاليم السنية والصوفية
شاركغردعن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الذي تبع الطريقة الشاذلية في بداية حياته
شاركغردإذا كان زعيم السلفية محمد بن عبد الوهاب قد وقر الصوفية، فلم يمارس أتباعه كل ذلك العنف ضدهم؟
وفي كتابه كشاف القناع عن متن الإقناع، يذكر منصور البُهوتي الحنبلي، أنّ ابن حنبل لما سُئل عن الصوفية بشكل عام، قال “لا أعلم أقواماً أفضل منهم. قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة، قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يُغشى عليه، فقال: “وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ”.
الغزالي: العالم الذي قدم نموذج التصوف السني
من المعروف أن حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الطوسي (تـ. 505هـ)، كان واحداً من أعظم العلماء السنة الذين مروا على مدار التاريخ الإسلامي.
الغزالي، الذي يعتبره الكثيرون مجدد القرن الخامس الهجري، لعب دوراً محورياً في دعم المؤسسة السنية، الممثلة في كلّ من الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية، فكتب الكثير من الكتب والمؤلفات التي هاجم فيها الفرق والمذاهب المبتدعة، والتي كان على رأسها جميعاً، برأيه، فرقة الحشيشية الإسماعيلية المتمركزة في إيران.
ولكن رغم ذلك، فإن العالم الطوسي قد استطاع أن يقدم نموذجاً فريداً لإمكانية الجمع ما بين المعتقدات السنية الخالصة، والنزعة الروحانية الصوفية السامية، إلى الحد الذي جعل الكثير من معاصريه ولاحقيه يعتبرونه المُنظّر الأكبر لما يُعرف باسم مدرسة التصوف السني.
كان الغزالي قد درس كتابات الكثير من الصوفية الذين سبقوه، من أمثال الحارث المحاسبي والجُنيد وأبو اليزيد البسطامي، كما أنه قد تلقّى تعاليم الصوفية على يد الشيخ الفضل بن محمد الفارمذي، والذي كان من أكابر الصوفية في عصره.
وكما حكى الغزالي في كتابه الإحياء، فإنه قد اعتزل الناس وتنقل كثيراً ما بين دروب وطرق الفلاسفة والمتكلمين، حتى استقر في نهاية الأمر على طريق الصوفية، ويقول واصفاً ذلك:
“وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمورٌ لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمتُ يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق”.
وكان كتابه إحياء علوم الدين، من أهم الموسوعات التي حوت بين دفتيها العديد من قصص الصوفية وأصحاب الطريقة، إلى الحد الذي دفع الكثير من العلماء المعاصرين له لانتقاده والرد عليه.
ابن تيمية: دافع عن الجُنيد والجيلاني ودُفن في مقابر الصوفية
إذا كان أحمد بن حنبل، هو واضع اللبنات الأولى في بناء مذهب الحديث، فإنه مما لا شك فيه أن ذلك البناء قد ارتفع وبلغ تمامه على يد تقي الدين ابن تيمية (تـ.728هـ).
ورغم أن ابن تيمية، المعروف بلقبه الأشهر، شيخ الإسلام، قد شنّ حرباً لا هوادة فيها على الفرق الشيعية كالإسماعيلية والإثني عشرية، وعلى البعض من غلاة الصوفية كأتباع ابن عربي والحلاج وابن الفارض، إلا أننا نستطيع أن نلمس في كتاباته، تجاوباً وتقديراً كبيرين لاتباع الخط الصوفي المعتدل في زمانه.
من أهم النقاط التي توضح ذلك، أن ابن تيمية لم يسارع إلى كيل الاتهامات للصوفية، لمجرد تسميهم بهذا الاسم، كما فعل الكثير من العلماء المعاصرين له، بل إننا نجده يفصل في تلك المسألة تفصيلاً دقيقاً، فيقول في مجموع الفتاوى، ما نصه: “وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، سواء سميَ أحدهم فقيراً أو صوفياً أو فقيهاً أو عالماً أو تاجراً أو صانعاً أو أميراً أو حاكماً أو غير ذلك، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَولياء اللَّه لا خَوْفٌ عَلَيهِم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتّقون”.
وفي موضع آخر من كتاب الفتاوى، يُظهر الدفاع عن بعض أهم الرموز الصوفية في التاريخ الإسلامي، ويؤكد أنهم كانوا يلتزمون بالشرع وبأحكام الدين، وأن ما نُسب إليهم من كرامات لم يكن ليُبيح لهم الخروج عن ثوابت الإسلام، فيقول: “فأمّا المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف: مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين ومثل الشيخ عبد القادر، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهوى أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إلى أن يموت، وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم”.
ومن الغريب أن تساهل ابن تيمية مع بعض الاتجاهات الصوفية، قد امتد أحياناً ليصل بعض الشخصيات المثيرة للجدل في زمانه، ومنهم الشيخ الصوفي عدي بن مسافر الأموي الذي عاش في القرن السادس الهجري، والذي كانت الطائفة الأزيدية تُظهر اتباعه وتعتبره واحداً من علمائها ورموزها، حيث ورد في كتاب الوصية الكبرى لابن تيمية، ما يُفهم منه إعجابه وتقديره بابن مسافر، واعترافه بسلامة عقيدته وصلاح عمله، وثنائه على أتباعه ومريديه، ووصفه إياهم “بالمهتدين والمعتصمين بحبل الله المتين”.
ولعله من الغريب، أنه لما توفي ابن تيمية (728هـ)، فإن مشيعيه لم يجدوا لجثمانه قبراً إلا في مقابر الصوفية بدمشق، ربما ليصبح ذلك شاهداً على إمكانية التقريب بين المذاهب الفكرية وبعضها البعض.
ابن عبد الوهاب وحسن البنا: تسامح رموز الإسلام السياسي المعاصر مع الصوفية
إذا كانت القرون السابقة، قد قدمت الكثير من العلماء الذين تسامحوا بشكل أو بآخر مع الصوفية، فإن العصر الحديث أيضاً، قد شهد ظهور بعض قيادات ورموز العمل السياسي السني الذين ساروا على النهج ذاته.
من أهم هؤلاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو أحد أهم المجددين المعاصرين للدعوة السلفية، وربما يشهد على ذلك اقتران اسم السلفية باسم الوهابية، حتى أضحى كلٌّ من الاسمين يدلّ في الحقيقة على مسمى واحد.
ابن عبد الوهاب الذي ذاعت دعوته الدينية في شبه الجزيرة العربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، هاجم الصوفية بمنتهى القوة، وندد بما اعتبره ممارسات كفرية، كالتمسح في القبور والصلاة في المساجد المقبورة وإقامة الموالد والاحتفالات، لكنه في الوقت نفسه أعلن عن تسامحه مع الصوفية الذين لا يميلون لتلك العادات.
حيث ورد في بعض فتاويه، أنه لما سئل عن حال الصوفية، قال:
“اعلم – أرشدك الله -أن الله سبحانه وتعالى بعث محمد صلى الله وعليه وسلم بالهدى الذي هو العلم النافع، ودين الحق الذي هو العمل الصالح. إذا كان من ينتسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول به كالفقهاء ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الآخرة كالصوفية، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين”.
وقد عمل ابن عبد الوهاب، على دفع شبهة تكفيره للصوفية في أكثر من موضع من كتاباته، ومن ذلك رده على أحد علماء العراق، الذي أرسل له متهماً إياه بتلك التهمة، بقوله: “وما قلتم إني أكفر من توسل بالصالحين وأكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق، وأنكر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر زيارة قبور الوالدين وغيرهم وأكفر من حلف بغير الله جوابي على ذلك (سبحانك هذا بهتان عظيم)”.
ومن الشواهد التي ذكرها بعض العلماء المعاصرين، تأكيداً على العلاقة الجيدة التي ربطت ما بين ابن عبد الوهاب والصوفية، أنه كان يعتاد في كتبه أن يذكر عبارة “وهذا ما عليه المفسرون والفقهاء وسادتنا الصوفية”، وذلك عند كل مسألة ينتهي فيها إلى رأي معين.
حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، والتي يعتبرها الكثيرون الرافد الرئيس لتيارات الإسلام السياسي في العصر الحديث، كان أيضاً من النماذج المهمة التي وضحت فيها إمكانية حدوث التقارب مع الصوفية.
معظم المصادر التي تطرقت لتأريخ المرحلة المبكرة من عمر البنا، تؤكد أنه في بداية حياته كان يتبع الطريقة الصوفية الشاذلية، كما أنه قد اعتاد كثيراً على المشاركة في الطقوس الصوفية الشائعة، مثل المشاركة في مولد السيدة زينب، والاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وقراءة أوراد الطريقة الشاذلية.
ومنذ عمل البنا على تدشين جماعة الإخوان المسلمين، حرص على التأكيد على حضور وتواجد المكون الصوفي فيها، ووضح ذلك في رسائله المنشورة، في قوله واصفاً جماعته بأنها “دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية.