الأربعاء: 20 يناير، 2021 - 06 جمادى الثانية 1442 - 07:44 مساءً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 21 فبراير، 2017

عواجل برس _ خاص

 

حاوره: حيدر ناشي آل دبس

يعدّ الكاتب المسرحي علي عبد النبي الزيدي أحد أهم الكتّاب المسرحيين على صعيد العالم العربي. حصد الزيدي أكثر من 40 جائزة وشهادة تقديرية محلياً وعربياً، وترجمت عدد من نصوصة إلى اللغة الانكليزية لتدخل ضمن الموسوعة المسرحية الملكية في بريطانيا. التقته عواجل برس ووجهت إليه عدداً من الأسئلة بشأن تجربته الإبداعية ومواضيع أُخر:

* الكتابة المسرحية مزيج من الفن والأدب ولها أسس وقواعد تختلف عن كتابة الأجناس الأدبية الأخرى، كيف يمكن أن توضح لمن يرغب الدخول في هذا المضمار الخطوات الرئيسة للكتابة المسرحية؟

– النص المسرحي اليوم لا تحكمه مقاسات واشتراطات وقواعد ، ولو ظل محاصراً بهذه القواعد والقياسات لبقي الى الآن (اغريقياً) بأحكامه. لذلك أرى الكتابة للمسرح على قدر كبير من الصعوبة بدليل (الثلة) القليلة من كتاب المسرح. أجد (الخيال) هو الأهم هنا وكل ما عدا ذلك سهل يمكن تعلمه من خلال قراءة بعض النصوص. الخيال واحدة من أهم عناصر ولادة كاتب مسرحي مثير للجدل أو مختلف. من يريد الدخول لهذه المعمعة ، أي الكتابة للمسرح عليه أن يتحوّل الى (متصوف) مسرحي وينظر للأحداث والشخصيات من خلال شطحاته وتصوراته للحياة والموت، ويعيد صياغته للواقع الذي يعيش فيه على نحو غير متوقع، وأن لا يكترث للثوابت التي تحولت إلى مقدسات. أفضل الكاتب المسرحي الذي يبكي مع نفسه بسرية بعد أن يغلق باب غرفته وراءه بينما هو يُضحك الكون بقضاياه التي يطرحها علناً بما يكتب فيما بعد.

* المسرح فن مستورد ، وهناك آراء تقول بعدم وجود تقاليد مسرحية خاصة بنا، هل انعكس هذا الأمر على فضاءات الكتابة المسرحية عربياً، أم بقي الأمر محصوراً في بنية العرض المسرحي؟

– في كل أرجاء هذا الكون يمكن القول (المسرح فن مستورد) ولا يمكن أن أقول إن كتاب المسرح الآن في اليونان هم امتداد طبيعي لاسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس، أو أن الكتّاب في ايطاليا اليوم هم حملة راية كتاب المسرح الروماني القديم، او المؤلف المسرحي الانكليزي اليوم هو من ورثة شكسبير . المعادلة سهلة كما أراها، لا أحد يمتلك هذا الإرث الإنساني على الإطلاق مثلما لا نملك نحن عظمة كتابة كتاب الف ليلة وليلة، فلسنا ورثة لمؤلف هذا الكتاب الذي لا نعرفه أصلاً. لذلك عندما نكتب يفترض أن تتحطم تلك الجدران التي وضعتها السياسة في طريقنا ونؤمن بالإنسان، لنقف معه بهمومه وأحلامه وتطلعاته في كل مكان، ومن هنا اغلب النصوص والعروض التي لم تحلق عالياً بقضايا الانسان فشلت، هذا لا يعني أنك لا تنطلق من محليتك وواقعك وقضاياك الساخنة وتضعها على مائدة العالم ليشاركونك الهم الإنساني بكل ما يحمل من مشتركات، والأهم أن تجعل من واقعك مادة إنسانية تهم الجميع في هذا الكون.

* نعرف ان نصوصك المسرحية لها قدم السبق في كل مهرجان مسرحي تشارك فيه، ما تعليقك على الآراء التي تقول لا توجد لدينا نصوص مسرحية ناضجة يمكن ان تحمل ملامح وبناء النص العالمي؟

– قائمة كتّاب المسرح عندنا في العراق طويلة، أسماء بتجارب مهمة وعطاءات لا حدود لإبداعها، ومن يتحدث عن (الأزمة) هو أصلاً لا يقرأ، بل لم يطلع على تلك التجارب . أنا شخصياً اعتز وافتخر بكتاب المسرح عندنا بعيداً عن كونهم (عراقيون) بل لانهم مبدعون كبار أمثال (فلاح شاكر وعواطف نعيم ومثال غازي وعبد الخالق كريم وعبد الكريم العامري وعمار نعمه جابر ومسلم بديري وعباس منعثر وعدي المختار واسماء أخرى كثيرة) تنتشر في ربوع الوطن. ولو أردتني الاجابة عن (النص العالمي) وهل يحمل (النص المسرحي العراقي) ملامح وبناء النص العالمي، سنقع بنفس الاشكالية في سياق سؤالك السابق حول عالمية الكتابة وعالمية المسرح. من هنا أقول لك، نحن ككتّاب ننتمي لتجارب العالم بأسره، وعندما يتحدث الأوربي والأميركي والياباني والصيني عن تجربته ككاتب مسرحي يؤكد بانه ينتمي للعالم ، ويعني بذلك كل تجارب التأليف في هذا الكون، فلماذا يعتقد البعض أننا ننفصل عن تلك التجارب؟ نحن بفخر ننتمي لمنجز الكتابة في العالم.

* في بغداد تسلط الأضواء على كل تجربة أو نشاط ابداعي.. لماذا بقيت في مدينتك الناصرية في الجنوب ولم تغادرها صوب العاصمة بغداد؟

– الآن لم تعد للجغرافيا علاقة بتسليط الضوء على مبدع ما، وذلك بفضل وسائل الاعلام المتنوعة والمنتشرة بشكل واسع في العراق والعالم، اضافة الى وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها. على العكس أجد نفسي أكثر حظاً بالانتشار عراقياً وعربياً ككاتب مسرحي، وسعيد جداً بالاحتفاء الاكاديمي لنصوصي في حقل الدراسات العليا في جامعات العراق اضافة لبعض الجامعات العربية. أما موضوع الأضواء فربما هي بسبب العزلة التي أراها تتيح لي أجواء من الصفاء الروحي . وأنا أسميها بالعزلة المنتجة التي تبعدني عن التقولات والصراعات والحروب الشخصية. بطبيعتي لا أحب الكلام الكثير وأميل للهدوء وأدع نصوصي تتكلم بالنيابة عني، حتى مع الذين يختلفون معي أجدني ألتزم الصمت “وأنام ملء جفوني” . بالنسبة للناصرية هي مكان للنوم فقط، مجرد فندق كبير ليس إلا وليفهمها الآخر كما يريد. بعد وفاة والدتي في احدى مستشفياتها الحكومية لم أعد أحب هذه المدينة أبداً، أجدها ناكرة لحبي الكبير لها على مدى عقود طويلة من الزمن، للأسف أنا الآن لا أنتمي للناصرية قلباً وروحاً . هي مدينة قاتلة لم تقف معي وأراها مشاركة فعلياً بصمتها حينما قُتلت والدتي وكنت اعتقد واهماً ان ابناء هذه المدينة سيقلبون الدنيا بعد هذه الحادثة الاجرامية التي تعرضت لها أمي.. يا لخيبتي!

* استطاع علي عبد النبي الزيدي حصد عشرات الجوائز العراقية والعربية ومثل بلده خير تمثيل .. بالمقابل نجده مبتعداً عن الأضواء، ما تعليقك؟

– لست بعيداً عن الأضواء ابداً، أنا بعيد عن (الوطن)، بعد خمسين عاماً اكتشفت أن الوطن مجموعة من الأوهام والشعارات والكلمات الجوف، وهو وعاء للحروب والاقتتال من اجل عناوين سخيفة، او هروب مثل اية بندقية مفتوحة الامان تطلق رصاصها باتجاهات عشوائية لتصيب اكبر عدد ممكن من الناس. الوطن كما عرفته وكما عشته هو تاريخ من القتل اليومي، والزنزانات، والدكتاتورية، سوى هذا لا اعرف غير هذا التوصيف، وكلما تقدم (ما يسمى) لوطنك انجازات كبيرة ومتفردة تجد نفسك اكثر جوعاً وعوزاً وبؤساً ولعنةً وهماً وألماً. الأضواء الحقيقة ان تكون (محترماً) داخل وطنك ومقدراً وتعيش بكرامتك، لا أن تعيش كأي كلب سائب لا يجد مأوى له سوى الخرائب ليعيش فيها، أو حفرة صغيرة كأي حشرة.