الخميس: 14 ديسمبر، 2017 - 25 ربيع الأول 1439 - 06:19 صباحاً
ثقافة وفن
الخميس: 30 نوفمبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

خلود شرف

الكتاب الورقي خلف ولادة الكتاب الإلكتروني
إن انتشار السوشيال ميديا والرسائل الإلكترونية وغيرهما من منتجات التكنولوجيا عربيا، علم حتى الكاره للقراءة الصبر على قراءة الأحاديث والثرثرة اليومية، ومن حسناته أنه علم أمة اقرأ القراءة، وإن كان مما لا يقرأ. من جهة أخرى قد نجد القائلين إن الورق محرك الحواس كاملة، لكنهم يدعوننا إلى أن نفكر مليا قبل أن نقطع شجرة لطبع كتاب، نفكر بمصير أرضنا.
القراءة الإلكترونية
تؤكد القاصة والروائية الأردنية جميلة عمايرة أن ثمة تغيرات أحدثتها موجة الاتصالات الحديثة ومنها “السوشيال ميديا” على الكتاب ومدى الإقبال عليه وطريقة التعامل معه من قبل جمهرة القراء والمتابعين.
تقول عمايرة “تراجع الإقبال على الكتاب قد يكون نسبيا، فبالنسبة إلي يبقى هناك تعلق بالكتاب الورقي، إذ ثمة دهشة من الصعوبة فقدانها بالنسبة إلى الكتاب الورقي، وتحسس جمالياته وتذوق كلماته ووضع خطوط إزاء الكلمات أو المقاطع التي تعجبنا، وفي الوقت نفسه أصبح الكتاب متوفرا إلكترونيا عند نسبة كبيرة من القراء، الذين يفضلون القراءة إلكترونيا إذ توفر إمكانية قراءته دون تكبد عناء شرائه”.
تقول الشاعرة المغربية سكينة حبيب الله “مع أنه لقراءة الكتب الورقية حميمية خاصة، لكن تطور الكتاب إلى إلكتروني أجده أمرا طبيعيا، يشبه تحول المسلسل الإذاعي إلى مسلسل تلفزيوني، إنه تطور في الأدوات الفنية يفرضه التطور التكنولوجي. فيما مضى، كنت أذهب إلى المكتبات ومعارض الكتب، وأبدأ في اكتشاف هذا العالم الفسيح. اليوم، أصبحت أعد قائمة مسبقا، فأتوجه إلى دور نشر محددة، لاقتناء ما أريد، وما أريد غالبا يصلني عبر السوشيال ميديا، ولا يخرج في مجمله عن كتب أصدقاء أو ترجمات صدرت حديثا، أو كتب طالعت قراءات حولها. أحيانا تضع الصدفة كتابا خارج المخططات أمامي، لكنه يبقى الاستثناء. الاختلاف الذي حصل في علاقتنا بالكتاب شراء وقراءة قبل الإنترنت وبعدها، يشبه الفرق بين شراء تذكرة لدخول حديقة حيوانات مائية، وشراء بدلة غوص”.
تؤمن الكاتبة والروائية العراقية لطفية الدليمي أن الكتاب لم يتراجع سواء كان كتابا ورقيا أو إلكترونيا أو مسموعا، عشاق الكتب الحقيقيون لا يتأثرون بسلطة السوشيال ميديا وإغراءاتها المتصاعدة، أما الطارئون على القراءة فإنهم يكتفون بقراءة ما يقال عن الكتب أو يتبعون الإشاعات أو تغويهم روايات الجوائز ليس لشغف حقيقي بالكتاب أو مضمونه أو اسم كاتبه، بل لمتابعة “الموضة” التي يفرضها السوق.
وتضيف الدليمي “شخصيا ومع إيجابيات السوشيال ميديا وسلبياتها وبسبب فقداني لمكتبتي ببغداد، أجدني أقرأ الآن بوتيرة متسارعة أكثر من ذي قبل، لاغتنامي تسهيلات القراءة الإلكترونية وإمكانية الحصول على الكتب المرقمنة بيسر وبأسعار معقولة والتنقل مع مكتبة كاملة لكتب مختارة أحملها في جهاز صغير”.

لطفية الدليمي: الكتاب لم يتراجع
الشاعر والمترجم المصري محمد عيد إبراهيم يرى أن لكل زمان ظروفه وهويته، يقول “لقد نشأت في زمن قبل اختراع آلة ‘الفوتو كوبي‘، فكنت إذا أحببت كتابا نسخته، وهي فترة صعبة ومجهدة، تيسرت بعدها في المال والأحوال والمخترعات. لذلك أرى الكتاب الإلكتروني الآن اختراعا مذهلا، بعدما عاصرت من زمن جهيد. وعموما، للكتاب الورقي عشاقه ويزالون ولن ينتهي، وللكتاب الرقمي عشاقه ويزيدون، ولا يفتئت أحدهما على الآخر. وطبعا النشر الرقمي ووسائل الاتصال الاجتماعي زادا من شريحة القراء، ويسرا عليهم طرق القراءة، فقد يوزع ديوان ورقي مئتي نسخة بينما يوزع الكتاب الرقمي للديوان نفسه عدة آلاف. وأظن أن العلم يتطور يوميا، فهناك آلة يابانية تضع فيها مبلغا كآلة البيبسي، لتخرج كتابا، إلخ، إضافة إلى وسيلة الطباعة الجديدة، الرقمية الجديدة ‘الديجيتال‘ التي سهلت الطبع إلى حد كبير، وعموما العلم يتطور حاليا بدرجة لم تحدث للبشرية من قبل”.
أما الناقد والمترجم التونسي محمد صالح بن عمر فيرى أنه لكل من الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني صلة وثيقة بحياتنا الفكرية، ولكل منهما محاسن لكن ترتبط بهما مشكلات. فالأول إذا وضع في المكتبة داخل البيت صار في متناول كل أفرادها في الحال والاستقبال فأفادهم على مر الأجيال، إذ الكتب تتوارث كما تتوارث الأملاك العقارية وهناك أسر برز فيها بفضل مكتباتها الثرية النفيسة أدباء وعلماء ذوو باع من أجيال مختلفة. لكنه يلفت إلى أن المشكلة القائمة اليوم في مجال الكتب الورقية هي الارتفاع المستمر لأثمانها. وذلك لارتفاع أسعار الورق وسائر المواد المستخدمة في الطباعة بل آلات الطباعة نفسها. وهو ما جعل الكتب ليست في متناول الفئات محدودة الإمكانات المالية بل حتى الفئات المتوسطة التي أصبح موقعها يتدنى في المجتمع. فأدى ذلك إلى العزوف عن اقتناء الكتب.
وأما الكتاب الإلكتروني فهو ذو فوائد جمة، في رأي بن عمر، أهمها سعره المنخفض نسبيا كما يمكن الحصول عليه مجانا من الأصدقاء وأفراد العائلة. وهو من الناحية المعرفية لا يختلف في شيء عن الكتاب الورقي، لكن المشكلة هنا هي صعوبة الوصول إليه، فلفتحه وقراءة ما فيه لا بد أن يكون معك كمبيوتر. والمعلوم أن الملايين من البشر غير قادرين على اقتناء كمبيوترات حتى من الأنواع منخفضة الثمن.

محمد عيد إبراهيم: لكل زمان ظروفه وهويته
الحنين للكتاب
يقول القاص والأديب العماني محمود الرحبي “لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي نافست الكتاب، بل إن المؤلم في الأمر هو أنها، أي هذه الوسائل الرقمية، أدخلتنا في صراع مع خير جليس في الزمان، فغدونا نبحث عن الوقت لنتوحد به. هذا الجليس الصامت العجيب والذي لا غنى عنه لأي كاتب يهدف إلى تجديد تجربته وتعميقها. ولكن الجميل في الأمر، وهنا وجه آخر من أوجه هذا الصراع، أننا غدونا مع الوقت نتمنى التخلص من هذه الميديا لنتفرغ للقراءة. وبذلك ومع تعاقب الزمن تغدو القراءة هي الهدف، ومن أجل الوصول إليها يتطلب الأمر صراعا. ننتصر أحيانا ونعتكف للقراءة، وهذا جميل، ولكن في لحظة ما نعود لتصفح أوراقنا الرقمية. بالنسبة لي أنا فيسبوكي، ولكن العلاقة بيني وبين فيسبوك تأخذ أحيانا جانب الحرص اليومي، بل واللحظي، رغبة في معرفة الجديد من الأخبار وتعليقات الأصدقاء، ولكني اكتشفت مع الوقت أن الأمر يحتاج إلى مراجعة صارمة”.
من جانبه يقول القاص السوري مصطفى تاج الدين موسى “إذا كان الكتاب سوف يتراجع أمام السوشيال ميديا وينهزم أمام فيضاناتها الكبيرة والمتسارعة في العقد الأخير فأعتقد أنه يجب أن يتلقى هذه الهزيمة في أوروبا قبل أي مكان آخر. بحسب الكثير من الأصدقاء الذين يعيشون في أوروبا ويواظبون على زيارة معارض الكتب في العواصم الأجنبية، فإن طباعة الكتب وتسويقها وبيعها تعيش ازدهارا جيدا. لهذا بالإمكان أن نستنتج أنه من الصعب هزيمة الكتاب الورقي أمام هذا الواقع المنحاز للكتاب، وحتى للصحف الورقية. ثمة عوامل كثيرة تلعب دورا مهما هنا؛ لعلى أهمها الحنين الدائم للكتاب الورقي لدى القارئ والعلاقة النفسية به منذ وقت مبكر من حياة الإنسان ومن تاريخ الكتاب أيضا. أما في واقعنا فلا نستطيع أن نفترض وجود معركة بين الكتاب والسوشيال ميديا، لأنه أصلا عالم الكتب والطباعة في منطقتنا العربية يعيش أزمات خانقة تماما كما هو الحال في كل المجالات”.

نجاة عبد الصمد: الكتاب والسوشيال ميديا بوابتان مختلفتان جدا
عبودية جديدة
الرسامة والممثلة والأديبة اللبنانية نجاة رافع ترى أن الميديا لا تجبر القارئ على شيء رغم تقديمها الأطباق السامة مع لذائذ المعرفة، وتبقى أهمية القدرة على التذوق هي الفيصل. وتقول “رغم أنف الباحث الطويل وما قد يجترع من سموم على طريق المعرفة، إلا أنه ينهل ما يحتاج بسرعة وسهولة أكبر من دروب البحث الشاقة لإيجاد ما يناسبه من كتب ورقية.
لا شيء يضاهي متعة القراءة الورقية وتنشق تلك الرائحة على إيقاع حفيف الورق، وحتى مشاركة المخلوقات الدقيقة لمتعتنا بالسكن داخل الكتاب، لكن تقدم العصر نحو الرقمية يحتم علينا المواكبة والانجراف مع التيار فتسحبنا السطوح الملساء إلى جوفها وتبعدنا عن الكتاب الورقي. وهكذا لا أرى خطرا في ذلك طالما أن هدف الكتاب هو نقل المعرفة ومتعة القراءة والإنسان هو المحور”.
أما الروائية والقاصة السورية نجاة عبدالصمد فتقر أن الكتاب والسوشيال ميديا بوابتان مختلفتان جدا وغير متنافستين، تقول “لا يخفى على أحد كيف استعمرت وسائل التواصل الاجتماعي حيواتنا جميعا. إنما أعتقد أنها في مجتمعاتنا العربية لم تأخذ مكان الكتاب الذي كانت أوطاننا (أمة اقرأ) أصلا على خصام معه قبل أن تكتسح الإنترنت عالمنا، ولاحقا وسائل التواصل الاجتماعي، أي أن السوشيال ميديا لم تنازع دور الكتاب لدينا بقدر ما احتلت مكانا كان خاليا وممهدا أمامها دون منازع”.
وتضيف عبدالصمد “في تجربتي الشخصية نجا الكتاب من هجوم الميديا. صحيح أنني أولعت بها ولا أستغني عنها في بحثي اليومي عن المعرفة، إلا أن متعة قراءة رواية أو ديوان شعر أو كتاب مرجعي في موضوع أو اختصاص بعينه لا تزال أجمل وأغنى ساعات يومي.

محمود الرحبي: وسائل التواصل الاجتماعي نافست الكتاب
وفي سنوات الحرب السورية الحاضرة، وحين فقدنا إمكانية اقتناء الكتب الورقية إما لأنها غير متوفرة وإما لأنها متوفرة بأسعار أصبحت بالنسبة إلينا خرافية بعد تدحرج قيمة الليرة السورية، لجأ مدمنو القراءة، وأنا منهم، إلى صداقة غير مشروطة مع هذه الشاشات الصغيرة الحديثة، وحفظوا أسماء مواقع تحميل الكتب، المجانية طبعا، وتحملوا رداءة الكثير من النسخ المقرصنة، المهم أن تصلهم الإصدارات الحديثة من روايات وسواها، وكذلك المراجع القديمة والحديثة التي لا بد منها لإنجاز ما يكتبون من نصوص أو مقالات أو أبحاث”.
ولا يظن الباحث البحريني حسن مدن أن مكانة الكتاب قد تراجعت، فالمطابع، عبر العالم، ما زالت تضخ سنويا عشرات الآلاف من العناوين الجديدة بمختلف اللغات، ومعارض الكتب ما زالت تعج بالرواد، ولم يكف الناس عن ارتياد المكتبات، كما كان أسلافهم يفعلون.
يقول “المشكلة تقع في مكان آخر، وهو كم الوقت الذي ننفقه ونحن ‘أسرى‘ وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، فنحن في صورة من الصور بتنا عبيدا لهذه الوسائل، التي لا نبالغ لو وصفناها بـ‘العبودية الجديدة‘، فكم طويل من الوقت كنا نقضيه في القراءة، فيما سبق، أصبح يبدد على متابعة الكثير من التوافه التي تردنا عبرها”.