الخميس: 23 نوفمبر، 2017 - 04 ربيع الأول 1439 - 04:40 مساءً
دفاتر
الخميس: 26 أكتوبر، 2017

عواجل برس _ بغداد

وليد فكري

يعد الإيمان بالملائكة من أساسيات الإيمان الإسلامي، حيث يصف القرآن المؤمنون أنهم “كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله”.
والملائكة في الموروث الديني هم كائنات خُلِقَت من نور، لم توضع بهم الشهوة ولا اختيار المعصية لله، وهم جُند الله ورسله ومنفذو أوامره في الحياتين الدنيا والآخرة.

الملائكة في النصوص الدينية الإسلامية
في الدنيا هم ناقلو الرسائل والآيات الإلهية إلى الأنبياء، وهم الذين ينفذون أوامر العقاب بحق القوم الذين يعصون هؤلاء الأنبياء والرسل، وعلى رأس هؤلاء المَلَك “جبريل”، ومنهم الموكل بالرزق والمطر والسحب وهو المَلَك “ميكائيل”، ومنهم “مَلَك الموت” الكلف بقبض الأرواح وهو الذي تعرّفه بعض الكتب التراثية والثقافات الشعبية بـ”عزرائيل”.
كما يؤمن المسلمون أن كل إنسان موكل به ملكان، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره يكتب صاحب اليمين الحسنات ويكتب صاحب اليسار السيئات ليُضَم كل ذلك إلى “كتاب أعمال” هذا الإنسان.
يؤمن المسلمون كذلك بالملائكة “السياحون”، وهم ملائكة يطوفون بالدنيا ويقصدون مجالس ذكر الله ثم يصعدون بخبرها إلى السماء ومنهم حملة العرش الإلهي.
أما في الآخرة، فيذكر النص الديني من أسماء الملائكة “مالك”، وهو خازن النار “جهنم” المخصصة لتعذيب الكافرين والعصاة، وتحت يده “الزبانية” الموصوفون بأنهم “غلاظ شداد”. وأن رؤسائهم هم تسعة عشر مَلَكاً، وهم الموكلون بتعذيب أهل النار.
و”رضوان” وهو خازن الجنة المعدة للمؤمنين والصالحين والشهداء.
وفي الفاصل بين الحياتين الدنيا والآخرة يُذكَر إسرافيل، وهو “نافخ الصور” أي المَلَك الموكل بالنفخ في البوق معلناً انتهاء الدنيا وزوالها وبداية القيامة، فيُصعَق أهل الدنيا ويموتون ثم يُبعَثون ثانية.
كما يقابل المتوفَى في قبره كلاً من “منكر” و”نكير” وهما الذان يستجوبانه عن إيمانه وعبادته.
ونعرف الملكين “هاروت” و”ماروت” في القرآن اللذين يذكر بعض القصص أنهما قد نزلا إلى الأرض في هيئة بشرية لمعرفة أثر شهوة البشر على ارتكاب الخطايا، فوقعا في الخطيئة وهما يعذبان إلى يوم القيامة، وإن كانت بعض التفاسير للقرآن تقول أن هاروت وماروت هما اسما رجلين كانا يعلمان الناس السحر وأن “ما أُنزِلَ على مَلَكَين” مقصود بها “لم يُنزَل شيء من السحر على المَلَكين” (باعتبار أن “ما” في السياق هي أداة نفي وهو أمر يطول شرحه ويخرج عن موضوع المقال، للاطلاع يمكن الرجوع لتفسيرات الطبري وابن كثير والقرطبي).
أقوال جاهزة
شاركغردميكائيل الملاك ضخم البنية بيد بالأرض والأخرى بالسماء، وعشرات الملائكة كما تخيلها المسلمون
شاركغردعن الخيال الإسلامي الفريد في تصوير الملائكة وأشكالهم ودورهم في تنظيم عوالم الأرض والسماوات
هيئات الملائكة وألوانها وأشكالها
وأما عن هيئات الملائكة، فتصفها بعض الآيات، فمنها ما يذكر أن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ومنها وصف جبريل بأنه “شديد القوَى” و”ذو مِرَّةٍ” أي ذو خَلق حسن، كما وصفه الحديث النبوي أنه يسد ما بين الأفق وأن له 600 جناح.
هذه النصوص التي تناولت بعض وصف وأسماء ومهام الملائكة، يبدو أنها لم تشبع فضول بعض رواة ومفسري القَصَص الديني، فقام بعضهم بتصوير الملائكة بقلمه وسرد أوصاف تفصيلية لهم كأنما يراهم رأي العين.
من أشهر ذلك ما جاء في كتاب العالِم “عبد الله بن زكريا القزويني” (1203م -1283م) “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” وما جاء في كتاب المفسر والراوي “أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري” (مجهول تاريخ المولد توفيّ 1035م) “عرائس المجالس” المشهور ب”قصص الأنبياء”
كتاب العالِم ‘عبد-الله بن زكريا القزويني
في ذكره لصفة خلق الأرض والسموات، يتناول الثعلبي كل سماء بمن فيها من الملائكة في عرائس المجالس.
فعند ذكر السماء الأولى، أي السماء الدنيا، يقول أن أهلها من الملائكة المخلوقون من نار ورياح، وعليهم مَلَك موكل بالسحب والأمطار اسمه “الرعد” (لاحظ أن هذه هي وظيفة ميكائيل حسب الموروث الإسلامي)”.
ويضيف “والسماء الثانية بها ملائكة من ألوان مختلفة واقفون صفاً بانضباط حتى أنك إن أسقطت شعرة بين كتف أحدهم وكتف الذي بجواره ما سقطت لالتصاقهما كأحجار البنيان، هؤلاء الملائكة يرددون ‘سبحان ذي العزة والجبروت’، وفيها ملك اسمه “حبيب” نصفه من نار ونصفه الآخر من ثلج وبينهما فاصل فلا ثلجه يطفيء النار ولا النار تطفيء الثلج وهو يردد ‘يا من ألّف بين الثلج والنار ألِّف بين قلوب عبادك’.
وفي السماء الثالثة، كما يقول هناك ملائكة ذوو أجنحة وهيئات متنوعة مصطفون بنفس انضباط ملائكة السماء الثانية حتى أن أحدهم لا يعرف هيئة الآخر من خشية الله، يقولون ‘سبحان الحي الذي لا يموت أبداً’.
والسماء الرابعة بها ملائكة أضعاف أعداد ملائكة السماء الثالثة يزيد عددهم كل يوم وهم يرددون ‘سبوح قدوس ربنا الرحمن الذي لا إله إلا هو’، وهو يكلفهم بالمهام فينطلق كل منهم لمهمته لا ينظر لوجه رفيقه من خشية الله.
وكذلك السماء الخامسة، بها أضعاف أعداد ملائكة السماء الرابعة ويزيدون، وهم كملائكتها في الطاعة والخشوع، وهم دومًا راكعون ساجدون لا يرفعون رؤوسهم، حتى إذا قامت الساعة قالوا ‘سبحانك لم نعبدك حق عبادتك’.

أما السماء السادسة ففيها ملائكة اسمهم “الكروبيون” (المقربون)، عددهم سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألفاً من جنود الملائكة، وهم الذين يبعثهم الله إلى أهل الدنيا في مهام محددة (لفظ كروبيون قد يكون مشتق من اللفظ التوراتي “كروبيم” كما أن العربية القديمة-اليمنية تحديداً، قد عرفت لفظ “مكرّب” بمعنى “مقرّب” وهؤلاء يوصفون في الموروث الديني أنهم “المقربون”).
وفي السماء السابعة قادة جند الله من الملائكة ولا يعلوهم سوى جبريل وحملة العرش، لكل ملك منهم عدة وجوه وأجنحة كثيرة لو انطبقت ريشة جناح أحدهم على الدنيا لسحقتها، وهم سبعمئة ألف ملك تحت كل ملك منهم عدد الرمال وقطرات الماء من الأتباع.
ملائكة آخرون في القَصص الديني
وفي قصص الثعالبي نجد بعض الملائكة يلعبون أدواراً فيها فتوصف هيئاتهم في سياق ذلك.
من ذلك وصف كل من ميكائيل وإسرافيل وجبريل بالجمال كأنهم فضة تتلألأ، أو ذكر المَلَك العملاق الذي أنزله الله من السماء ليحفظ توازن الأرض، فهو يحملها على كتفيه وقد أمسكت إحدى يداه بالمشرق والأخرى بالمغرب (نلاحظ التشابه مع أسطورة أطلس العملاق حامل قبة السماء في الأساطير الإغريقية).
أو الملائكة الأربعة الوارد ذكرهم في قصة لوقيا اليهودي الباحث عن النبي محمد، والذي التقى أربعة ملائكة لأحدهم وجه آدمي وللثاني وجه أسد وللثالث وجه نسر وللرابع وجه ثور.
وكل منهم يدعو للنوع المشابه له فيدعو الآدمي للبشر والثور للدواب والأسد للوحوش والنسر للطيور (وهي هيئة تذكرنا بهيئات بعض آلهة مصر والعراق القديمين)، بل ويرد ذكر هؤلاء الأربعة في سياق آخر باعتبارهم حملة العرش الإلهي.
ويقابل لوقيا كذلك الملك ميكائيل وهو ضخم البنية له يد بالأرض والأخرى بالسماء يتحكم في الرياح والسحب الممطرة، ويقابل أيضا ملكاً يتحكم بالظلمة والنور ليحدد مدد الليل والنهار، ولا يغفل الثعلبي أن يصف أحجام بعض الملائكة بالضخامة المبالغ فيها إلى حد أن أحدهم لو أطبق فاه لانطبق على الدنيا كلها.
أما القزويني فقد كان أكثر تفصيلاً في وصفه هيئات الملائكة في كتابه “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات”، هذا الكتاب الذي يتضمن تناولاً علمياً رصيناً لجغرافية الأرض وصفات المعادن والنباتات والحيوانات، يحتوي كذلك فصولاً تتعلق بالكائنات غير المرئية كالملائكة، يتحدث فيها الكاتب كأنه شاهد عيان على ما ذكر!
ينقل القزويني نفس وصف الثعلبي لحملة العرش لكنه يزيد فيصف ملابسهم، فصاحب الهيئة الآدمية يرتدي جبتان خضراء وحمراء وسراويل ذهبية وجناحاه يصلان إلى قدميه وألوانهما أحمر وأخضر وأزرق، وله ضفيرتان تصلان إلى جناحيه، وأما بشرته فهي بيضاء محمرة.
وصاحب هيئة الثور أزرق اللون له قرنان لونهما أخضر وظهره أسود، والنسر أسود اللون يميل للحمرة منقاره أزرق ورؤوس أجنحته من الذهب، أما الأسد فهو أصفر محمر وهو واقف معتدل.
ثم يصف الملائكة الذين يقفون صفاً يوم القيامة فيقول أنهم عظام البنية لونهم أبيض لهم أجنحة إلى تحت خصورهم، وعلى رؤوسهم عمامات مرصعة بالذهب.
“إسرافيل” من مقتنيات متحف الميتروبوليتان في مدينة نيويورك
وينتقل لوصف كل من إسرافيل وجبريل وميكائيل، فيقول أن الأول أبيض الوجه طويله، ويرتدي الخضار وله أربعة أجنحة وهو ممسك بالصور (البوق) يرفعه إلى فمه في وضع الاستعداد، والثاني، أي جبريل، بشرته بيضاء محمرة يرتدي زيا ملوناً بألوان شتى، وله ضفيرتان تبلغان أطراف أجنحته، وعلى رأسه عمامة بيضاء، أما ميكائيل فلونه مثل جبريل يرتدي زياً أزرق وأحمر وله اجنحة ملونة بالأبيض والأخضر والأحمر والوردي.
ويختم ذكر ملائكة السماء العليا بملك الموت الذي يذكر اسمه الشائع “عزرائيل” فيقول أنه أبيض مسمر، زيه وردي مخطط بالأحمر وله جناحان ألوانهما الأحمر والأزرق والأبيض والأصفر، وبيده رمح ذو خمس أسنة وهو جالس كمن يستعد لرمي السهام.
ويذكر القزويني ملائكة السماوات السبع كما فعل الثعلبي، لكنه يركز على هيئاتهم، فيصف ملائكة السماء الأولى الدنيا أنهم على هيئات البقر ألوانهم أسود وأبيض وقرونهم زرقاء.
وملائكة السماء الثانية على هيئة طائر العقاب ألوانهم سوداء ومناقيرهم زرقاء ورؤوس أجنحتهم من الذهب، وأمّا السماء الثالثة يسكنها ملائكة على هيئات النسور، ألوانهم وردية وسوداء، وأجنحتهم منقطة بالذهب والسواد. وأما السماء الرابعة فملائكتها على هيئات الخيل الزرقاء.
وفي السماء الخامسة ملائكة على هيئات الحور العين (وهو تصوير مؤنث للملائكة بعكس المعروف من النصوص الدينية)، ووجوههن بيضاء مشربة بالحمرة وأجنحتهن ملونة بالأحمر والأزرق والذهبي، والسماء السادسة بها ملائكة على هيئة الولدان (نلاحظ أن المؤلف قد جعل الحور العين والولدان المخلدون من الملائكة)، يرتدي كل منهم زيا أحمر ووردي وعمامة بيضاء ولكل منهم ضفيرة واحدة وجناحان خضر.
وأخيراً، في السماء السابعة ملائكة ذوو هيئات آدمية يرتدون أردية صفراء ولكل منهما جناحان لونهما أحمر وأزرق. ويختم القزويني حديثه عن صفات الملائكة بذكر هاروت وماروت، فيقول أنهما أصفرا الجسد عاريان معلقان من أرجلهما ومشدودان بالحديد.
التصوير الإسلامي خيال وجهد فكري فريد
التفسير الإسلامي الشائع لمثل تلك الكتابات هو تصنيفها بأنها من “الإسرائيليات”، وهو مصطلح يعني الكتابات المتأثرة بكتب “أهل الكتاب”، خاصة التوراة وشروحها وتعليقاتها.
ولكن المتأمل في تصوير كلّ من الثعلبي والقزويني للملائكة وهيئاتهم، يجد نظرة لها خصوصيتها الإسلامية، وصبغتها الفريدة، وهذا لا يلغي، في التوصيف، تأثيرات ثقافات عدة.
فالمطلع على رسوم آلهة ومعبودات شعوب الشرق القديم خاصة في مصر والعراق وفينيقيا يدرك بسهولة مدى تأثر الكاتبان برسوم وهيئات آلهة تلك الشعوب، وهو أمر غير مستغرب نظرا لاختلاط الثقافة العربية الإسلامية بثقافات شعوب البلدان التي ضمت لأراضي الخلافة.
ولا يقف الخيال الإسلامي في وصف الملائكة عند التصوير بالكلمات، بل يتعداه إلى الرسوم التي أورثتنا إياها بعض كتب التراث.
إنّ التفاعل التراثي من بعض المسلمين، مع الغموض حول تفاصيل أشكال وهيئات الملائكة هو من المسائل الجديرة بالنظر والتحليل للوقوف على آلية قيامهم بـ”ملء الفراغات” بين المتاح في النصوص المقدسة وذلك الذي يتطلع العقل الفضولي لمعرفته.
المصادر: عرائس المجالس، أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري؛ غرائب الموجودات وعجائب المخلوقات، أبو عبد الله بن زكريا القزويني؛ موسوعة أساطير العرب، د.محمد عجينة؛ الرمز والأسطورة، وموسوعة تاريخ الأديان، والقصص القرآني ومتوازياته التوراتية، فراس السواح؛ موقع إسلام ويب.