الأثنين: 23 سبتمبر، 2019 - 23 محرم 1441 - 08:21 مساءً
على الجرح
الجمعة: 3 مايو، 2019

د.حميد عبدالله

يستهوي رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي (الموقع الوسط)، فمنه يكون وسطيا، ومن مشتقاته أن يقف في المنتصف، وأن يمسك العصا من النصف مبتعدا عن هذا الطرف، ومتحاشيا الاقتراب من الطرف الآخر!

 

في تجربته البعثية ماكان محسوبا على جناح بعينه، ولم يعرف عنه موقفا صِداميا، وحتى حين اعتقل في زنازين الامن العامة في منتصف الستينات لم يمنح جلاديه فرصة لتأسيس قناعة عنه بانه متشبث بمعتقده  بل كان لينا سهلا لايمانع من التوقيع على ورقة بيضاء اذا اقتضى الامر، ولهذه الاسباب لم يمكث الرجل طويلا في زنزانته بل غادرها معترفا تائبا نادما من غير ان تترك سياط الجلادين آثار على جسده!

 

وكذا الامر في تجربته مع المعتقد الماركسي الذي اختار منه الجناح ( الماوي)، غير انه لم يكتسب من خصال ماوتستونغ شيئا سوى محاولاته ارتداء عباءة الزهد الثوري التي سرعان ماخلعها حين وجدها فضافضة عليه ،أو وجده صغيرا عليها !

 

اما حين نزح الى خانة الاسلام السياسي فقد حرص على التحرر من النزعة الحزبية، والانتقال الى فضاء اوسع فاختار المجلس الاسلامي الذي ما كان حزبا مؤدلجا بقدر كونه تجمعا تربط اعضائه ايديلوجية مائعة لها مشتركات هشة مع احزاب لاسلام السياسي ذات (العقائدية الصلدة)!!

 

وحتى بعد عودته الى العراق مع قوافل (حجيج السلطة) القادمين من المنافي لم ينتزع عبد المهدي مناصبه من بين انياب منافسيه بل جاءته تلك المناصب على طبق من ذهب، وقبلها راضيا مرضيا!

 

صار وزيرا للمالية باختيار من السيد العزيز الحكيم وبحمايته فكان محميا ان اخطأ ، ممدوحا ان نجح وافلح، ثم اختير نائبا لرئيس الجمهورية في منصب اختُرِع خصيصا للأرضاءات والاسترضاءات ، ولـملىء الفراغ السياسي ، فكان محظوظا ومحظيا ، وظل ممسكا بمنصبه متمتعا ومستمتعا بميزاته وامتيازاته، مصونا فيه غير مسؤول عما ترتكب باسمه من آثامٍ ومعاصٍ ومفاسد!!

 

المرة الوحيدة التي انتزع منصبه بالمنافسة و(الازاحة) يوم اختير لحقيبة النفط في حكومة الدكتور حيدر العبادي، وحين اكتشف ان النجاح  يحتاج الى كد وجهد وتنافس آثر السلامة، واختار الاستقالة طائعا من غير جدل ولا نكد ولا خلاف ولا اختلاف!!

 

في اختياره رئيسا للوزراء تدخلت الاقدار لتجعل منه رئيس لـ( حكومة المنتصف)، حكومة توافق عليها المتنافسون الكبار فأرادوها منطقة عازلة في المنتصف لتفض الاشتباك بين (سائرون ) و (الفتح)، ولتنتهي  بقسمة المناصفة بين الغريمين وما لعبد المهدي من اعتراض على توزيع الحصص، وليس له من رأي في اقتسام الغنائم …المهم ان لايكون طرفا في الصراع ، وأن يبقى (في المنتصف) ولا ضير اذا بصم على المناصفة والمحاصصة والمغانمة والمساومة لتحقيق الموائمة المطلوبة!!

 

 لعبة (الموازنة والاسترضاء) قد تنجح لبعض الوقت لكنها لن تدوم حتى النهاية لا في ادارة الدولة وشؤونها، ولا في معادلات الصراع الدولي والاقليمي، وعبد المهدي يراهن على تلك اللعبة في المجالين وفي الفضاءين معا!

 

بين مطالب هادي العامري وسهام مقتدى الصدر يقف المنتفكي حائرا مغلوبا على امره ، بين سلاح تحت سقف القانون وخارج ارادة السلطة، وآخر بيد السلطة وخارج عن ولائها يصبح عبد المهدي ( حاكما اعزلا)  في غابة تشتجر فيها البنادق، وتكون الغلبة فيها لمنطق القوة لا لقوة المنطق !!

 

عصا عبد المهدي  ليست صالحة للهش ولا للنش لان صاحبها غير مؤهل لكليهما، غير انه يتشاطر على (حلفائه) في الداخل ليكون في المنطقة الوسطى، لايغضب العامري ولا يزعج الصدر، بيد ان لعبة (المنتصف) لعبة بشوط واحد محسوب فيه الوقت الضائع والمهدور، بعدها سيكون المنتفكي مضطرا اما  ان يخرج من اللعبة خاسرا، او يتخلى عن منطقة المنتصف لصالح احد الطرفين!

 

كذلك فان لعبة الشد والجذب بين طهران وواشنطن وضعت عبد المهدي في المنطقة الحرجة، وجعلت خياراته محدودة او معدومة!!

 

التخلي عن طهران سيبقي ظهره مكشوفا أمام حلفائها واتباعها في الداخل العراقي، ومشاكسة القرار الامريكي سيضع عنق العراق على مذبح العقوبات التي بمجرد التذكير بها يفجر الشارع خوفا وفزعا ، ويذكر المعوزين والجياع بمزيد من التجويع والعوز!

 

الشوط في دقائقه الاخيرة، والعصا اخذت تفقد منتصفها، ولم يبق منها سوى طرفين على عبد المهدي ان يمسك باحدهما ، فبأي طرف سيمسك الرئيس المترنح وهو يرى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن من شدة التيه والضياع!!