السبت: 24 أكتوبر، 2020 - 07 ربيع الأول 1442 - 04:49 مساءً
دفاتر
السبت: 11 فبراير، 2017

تعيد “عواجل برس” نشر ما سجّله الدكتور سيف ارحيم القيسي بعنوان (قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي) نقلا عما جادت به ذاكرة عزيز محمد ، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي السابق . إن ما قاله هذا القائد الشيوعي ما زال يحظى بأهمية خاصة ، فالحزب الذي غادره ما زال يناضل في ظروف جديدة معقدة ، والقضايا القديمة المتعلقة بالديمقراطية والتنمية والحداثة وتحديات التنمية ظلت مشكلات تحتاج الى حلول ، وإلى نظام سياسي فاعل يتصف بالعدالة والأفق الحضاري . يستعيد عزيز محمد ماضيه السياسي والحياتي، ويستعرض أهم المواقف والقضايا التي واجهت الحزب تحت قيادته ، ولاسيما التعاون مع البعثيين ، ثم إعلان الكفاح المسلح ، وهما موضوعان ما زالا يثيران الجدل .
تنشر عواجل برس هذه المذكرات بخمس حلقات …
***
الحوار الشيوعي- البعثي وانقلاب 17 تموز 1968
أصبحت الانقلابات على ما يبدو صفة ملازمة للأنظمة العسكرية. إنها ظاهرة تعكس الطموح إلى السلطة، والسعي لإقصاء القوى السياسية. وقد تمسكت بهذا النهج وبشكل رئيسي التيارات القومية التي خاضت رحى المواجهة فيما بينها. وكانت كل كتلة تحاول استقطاب القوى التي تعتقد أنها تمكنها من الوصول إلى الإذاعة من اجل إذاعة ما أسموه بـ”البيان الأول”. فأصبح العراقيون يترقبون بين آونة وأخرى حدوث تغيير في الولاءات السياسية أو العسكرية، ولكنه يدور في محور واحد؛ أي في إطار المؤسسة العسكرية.
من جانب أخر، فبعد إقصاء جناح البعث وكان من بينهم أحمد حسن البكر، بدأ البعث يجمع حوله القوى القومية والبعثية بالدرجة الأساس لإقصاء عبد الرحمن عارف المعروف بسياسته المرنة تجاه الخصوم. وبعد حين، انتشر خبر القيام بمحاولة للانقلاب ضد عبد الرحمن عارف في 17 تموز عام 1968 من قبل إبراهيم عبد الرحمن الداود وعبد الرزاق النايف الذي حلفا لعارف بأغلظ الأيمان بالوفاء له، ولكن يبدو إن الوعد بالوفاء لم يكن إلا محاولة لتمهيد الطريق للانقلاب بالتحالف مع البكر وحزب البعث.
لم يكن الشيوعيون ببعيدين عن محاولات البكر والبعث للقيام بانقلابهم. فقد أرسل البكر إلينا رسالة شفهية عن طريق عزت مصطفى وعبر مكرم الطالباني القيادي في الحزب الشيوعي العراقي، لكونه الشخصية الشيوعية العلنية المعروفة وكان مدير عام مصلحة انحصار التبغ، وطُلب منه أن ينقل لنا رغبة البعث في التعاون مع الحزب الشيوعي. وقال البكر نحن جاهزون لاستلام السلطة، ونود أن تكونوا معنا مستنكراً سياسة الماضي. ووعد البكر بأنهم سيفتحون آفاقاً جديدة للتعاون بين الجانبين. هذا هو جوهر الفكرة التي عبر عنها البكر. ولكن السبب الحقيقي وراء هذه الدعوة هو أنهم كانوا يريدون استمالة الشيوعيين كي لا يفسد الحزب الشيوعي العراقي على حزب البعث أمر عودتهم إلى السلطة ومقاومة البعث كما حدث في انقلاب الثامن من شباط عام 1963. وكان ردنا هو كيف نكون معكم ودمائنا لم تجف بعد. واكتفينا بالسكوت وعدم الرد.
وجرى اتصال ثان، وتكرر الطلب نفسه. وكان ردنا بأن امضوا في انقلابكم ونحن سنكون على الحياد. وبالفعل أقدموا على انقلابهم في السابع عشر من تموز 1968. وقد زار مكرم الطالباني البكر وقدم التهنئة بنجاح حركتهم، وقال له البكر كم تمنيت أن يكون البعثي علي يميني والشيوعي على يساري. وأصدرنا بياناً في التاسع والعشرين من تموز 1968، أشرنا فيه إلى ظروف الانقلاب وحذرنا القادة الجدد من مغبة الاستمرار على النهج السابق، وطالبنا بضرورة إشاعة الديمقراطية واعترضنا على إمساك العسكر بزمام القيادة كما في السابق.
وبالرغم من موقفنا المتردد والحذر، إلاّ أنهم طلبوا منا المساهمة في التشكيلة الوزارية الجديدة والبدء بالحوار. فكان ردنا كيف نحاوركم وهناك الآلاف من رفاقنا وراء أسوار السجون. وعلى إثر ذلك استجابوا لرغباتنا بغلق سجن نقرة السلمان وإطلاق سراح مجموعة من الشيوعيين من السجون. وكانوا يسلكون نفس النهج بالتقرب مع القوى الأخرى لأن أرجلهم لم “تلتصق” بعد بالأرض، فالعراقيون كانوا على معرفة بنهجهم وبسياستهم السابقة.
الحزب الشيوعي العراقي واستلام السلطة
أشرنا آنفاً إلى النقاش الذي دار في الحزب حول استلام السلطة. وكان النقاش حول هذه المسألة يدور في الحزب الشيوعي العراقي منذ عام 1959 بعد سياسة التراجع التي انتهجها عبد الكريم قاسم إزاء الشيوعيين. وقاد ذلك الرأي سلام عادل وجمال الحيدري، فيما عارضه الكثير من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، إضافة إلى إيحاءات من موسكو بأن حكم قاسم حكم وطني يجب مؤازرته. واحتدم هذا النقاش داخل الحزب الشيوعي العراقي، وأدى فيما بعد إلى وصول البعث في الثامن من شباط 1963. وخسر الحزب الشيوعي العراقي الفرصة التي كانت متاحة له.
ومن ثم دخل الحزب الشيوعي العراقي في مرحلة إعلان “الاتحاد الاشتراكي”وفي دوامة الموقف من حكم عارف عندما طرح الحزب خط آب 1964. وتخلي الحزب الشيوعي عن ذلك الخط بعدئذ واختار نهج العمل الحاسم. وبدأ الحزب بحملة تثقيفية كما ذكرنا. ولكننا اصطدمنا بعقبة كبيرة وهي من الذي سيقود التغيير والقيام بالانقلاب. ورأينا أن التغيير محصور في المؤسسة العسكرية. وكنا نتهيأ لذلك ولكن بعد حسابات الإمكانيات المتوفرة، وجدنا أنها غير كافية. فالذين استلموا السلطة في 17 تموز عام 1968 اعتمدوا على قواهم في القصر الجمهوري، و منهم الداود والنايف وسعدون غيدان الذين سيطروا على القصر الجمهوري دون مقاومة من أنصار عارف. ولم نكن نملك هذه الإمكانيات، فقد خرجنا من انتكاسة تلو الانتكاسة. وتمكن البعثيون من خلال استمالة هؤلاء من استلام السلطة. وسرعان ما نفض البعثيون أيديهم عن جناح الداود-النايف لأنهم كانوا على شكوك من ولائهما. ومن جانب آخر، وهو الذي لا يمكن تجاهله، هو تأثير انشقاق الحاج على قدرات الحزب. فقد أدى الانشقاق إلى تشرذم تنظيمات وضعف قوة الحزب الشيوعي العراقي. كما أدى الانشقاق إلى مساجلات بين الجانبين، وأخذت صحف الطرفين تتبادل التهم والشتائم مما أضعف من قوة الحزب الشيوعي العراقي مقابل توحد القوى القومية في تلك المرحلة.

انهيار قيادة عزيز الحاج
في 22 شباط 1969 كنت في منطقة الكرادة – بغداد في منزل مهدي عبد الكريم عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وطرق سمعنا نبأ اعتقال عزيز الحاج، وكان أمراً متوقعاً في ظل التحولات الجديدة التي رافقت وصول البعث، ومن خلال النهج الذي سلكه عزيز الحاج برفع شعار إسقاط السلطة. وهو أمر لا يمكن السكوت عليه من قبل البعثيين الذين يحاولون تثبيت أقدامهم بشتى الطرق، بالترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى. فقد سلك البعثيون طريقاً يمكّنهم من إسكات صوت المعارضة لهم من خلال نشر شبكات التجسس والاتهام بالتجسس للكثير من الوزراء والضباط السابقين والمعروفين ومن بينهم عبد الرحمن البزاز وفؤاد الركابي. لقدحاول البعثيون بهذه “الفبركة” إسكات صوت المعارضة.
ولكن مسألة عزيز الحاج تختلف عن ذلك، فهو رفع شعار إسقاط السلطة. ولكنهم البعثيون أرادوا إنهاء الموضوع بكل الطرق لكونها بدأت تشكل وبالاً عليهم في ظل نهجهم الجديد القائم على مغازلة القوى الحزبية والسياسية المعارضة.
في الحقيقة بعد اعتقال الحاج، كانت لنا مناشدات من خلال قنوات اتصالاتنا مع البعث بضرورة الحفاظ على حياة عزيز الحاج، وإن اختلفنا معه في الرأي أو النهج. فهو مناضل شيوعي معروف. ولكن يبدو أن الحاج قدم لهم أكثر مما يتوجب، فخرج على شاشة التلفاز وبدأ يخطأ تجربته السابقة ووصف نفسه كالثور الذي يصطدم بكتله كونكريتية. وتحول عزيز الحاج فيما بعد إلى كاتب في صحف البعث، واستُخدِم للتشهير بالحزب الشيوعي العراقي، ومن ثم عُيّن كممثل للعراق في منظمة اليونسيف كثمن لولائه للبعث من جهة، ولإبعاده عن الداخل بعد التقارب بيننا وبين البعث من جهة أخرى.
بالرغم من كل ذلك وبعد التباعد بيننا وبينه ولمسافات بعيدة، ولكنه وبعد مدة من الزمن ابتعد عن البعث وبدأ يخطأ نهجه السابق وهجومه غير المبرر تجاهنا كحزب شيوعي العراقي. إنني قبل مدة ومن باب واجب الرفقه الطويلة، اتصلت به في فرنسا للاطمئنان على صحته. واعتقد أنه من الضروري إسدال الستار على أحداث الماضي والبحث عن الجديد.

الحزب الشيوعي العراقي وبيان 11 آذار 1970
شغلت القضية الكردية في العراق بال جميع الأنظمة على اختلاف مشاربها. هذه القضية التي تتوجت بثورة أيلول 1961، والتي مثلت استنزافاً لمالية الدولة،إضافة إلى الضحايا في الأرواح بين الجانبين الحكومي والكردي وتكاليف مرابطة ثلث قوات الجيش في المناطق الكردية دون أن يكون هناك نصر لجانب معين، ودون أن يكون الحوار هدف حقيقي عند كلا الطرفين. فقد استأثر كل طرف بأحقية هدفه. لقد حاول الجانب الحكومي فرض سلطته على العراق بأكمله، في حين وجد بين الكرد ممن كانوا يأملون بحكم ذاتي دون أن تكون هناك سيطرة مباشرة من الحكومة عليهم.
حاول البعثيون بدورهم السير على طريق الحوار مع القوى المختلفة بمن فيهم الكرد، لأن البعثيون، كما ذكرت، لم يثبتوا بعد أقدامهم على الأرض، وكانوا بحاجة إلى كسب الوقت. كان التعامل مع الكرد في غاية الدقة والضرورة بالنسبة للبعث بسبب مجموعة من المعطيات، من بينها أن الكرد في حوزتهم أسلحة قد تكون موازية لما تملكه القوات الحكومية باستثناء الطيران. ويضاف إلى ذلك أخذ العديد من الدول الأجنبية التدخل في الملف الكردي، ومن بينهم الإيرانيين والأمريكان اللذين كانا يساندان الكرد من اجل إملاء رغباتهم على الحكومة العراقية ومن اجل الضغط عليها كي تقدم العديد من التنازلات سواء في إطار صفقات سياسية أوتجارية عبر الورقة الكردية. ولم يكن هدف هذه القوى في تحريك الملف الكردي هو إظهار الود والمحبة للكرد، بقدر ما هو فرض مخططاتهم. وحاول حزب البعث في البداية شق صفوف الحركة الكردية، وذلك عن طريق استمالة الجناح المنشق عن البارتي والمتمثل بجناح إبراهيم احمد- جلال الطالباني. ولكن بعد عجزهم عن تحقيق هدفهم، توجهوا نحو البارزاني لأنهم أدركوا بأنه يمثل الحركة الكردية المسلحة. لذا سرعان ما أداروا ظهرهم لإبراهيم أحمد- جلال الطالباني. وبعد وساطات سوفييتية بين الجانبين الحكومي والكردي، تم التوقيع على اتفاقية الحادي عشر من آذار 1970 على أساس الحكم الذاتي. وهو في الحقيقة كان شعارنا المركزي لحل القضية الكردية. وبعد توقيع الاتفاق، صافح عزيز شريف عامر عبد الله وعدد من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وقال لهما : “أهنئكم على نجاح تحقيق هدفكم في حل القضية الكردية”، وذلك في بيت عامر عبد الله.
ولابد من الإشارة إلى أن القيادة الكردية بدورها كانت تستشيرنا في أثناء سير عملية المفاوضات. في البداية كانت القيادة الكردية تسألنا حول كيفية التفاوض مع قتلة سلام عادل. ولكن بعد تقديم التنازلات لهم رحبوا بالاتفاق، بالرغم من أن البارزاني كانت لديه خشية من نوايا البعثيين. فهو طيلة فترة الحوار وحتى بعد توقيع الاتفاق، لم يقم بزيارة بغداد نهائياً، لورود معلومات متتالية عن محاولات لاغتياله من قبل النظام.
ولكن سياسة البعث لم تختلف عن السابق في إدارة الظهر للشيوعيين بعد التقارب مع الكرد. وهذا ما حدث. ففي احتفالات 21 آذار 1970 بمناسبة أعياد نوروز، وعندما خرجت مسيرات تضم القوى المختلفة، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي، بدأ أنصار حزب البعث بالهجوم على حشدنا في شارع الرشيد. وهو أمر لم يكن من الممكن تبريره من قبلهم، وعدّوا ذلك محض تصرف شخصي من قبل المتظاهرين البعثيين.
ويجب الإشارة إلى حقيقة هي أننا لم يكن لدينا دور مباشر في التوصل إلى الاتفاق. فقد كان البعث يرفض أية وساطة مباشرة من قبلنا. وكنا نتابع سير المفاوضات عن قرب وعن طريق مكرم الطالباني، ونبدي ملاحظاتنا للقيادة الكردية، وكثيراً ما كانوا يستجيبون لمشورتنا التي تصب في مصلحتهم.

محاولة انقلاب عبد الغني الراوي
من المعلوم إن عبد الغني الراوي معروف بكونه أحد أقطاب المجموعة العسكرية القومية، والمعروف بتوجهاته المعادية للحزب الشيوعي العراقي. فعندما بدأ انقلاب شباط عام 1963، كان عبد الغني الروي محال على التقاعد. ولكن ما أن سمع بالانقلاب حتى ارتدى زيّه العسكري وتوجه إلى معسكر الحبانية لقيادة اللواء الزاحف إلى بغداد لإسقاط قاسم. ويؤكد الراوي في حديث له مع الصحفي غسان شربل في جريدة الحياة أنه كان الرجل الذي أمر بتنفيذ حكم الإعدام بحق عبد الكريم قاسم وطه الشيخ أحمد وفاضل المهداوي، بعدما رفض عبد السلام عارف السماح لعبد الكريم قاسم بالمغادرة إلى المنفى. ولقد أفرط الراوي في القسوة تجاه الشيوعيين. فكما يشير عبد الغني الراوي في مذكراته، أنه قد كُلف في تموز 1963 بإعدام 30 عسكرياً شيوعياً، فاعترض على العدد معتبراً أنه شديد التواضع!!!.
ولكن يبدو أن المثل السائد والمعروف إن الثورة تأكل أبنائها ينطبق على هؤلاء الانقلابيين. فقد شرع الانقلابيون يأكلون بعضهم بعض جراء التكتلات والتناقضات فيما بينهم. لقد كان عبد الغني الراوي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية قبل 17 تموز. ولكن بعد تنازل عبد الرحمن عارف عن الحكم، اعتقد الراوي أنه ستكون له الحظوة كما في السابق. وبعد عدة محاولات لاعتقاله، هرب إلى إيران حيث استخدمه الشاه هذه المرة كورقة ضغط على حزب البعث بعد أن خسرت ورقة الكرد. وفي مقابل ذلك، توجه البعث لجمع المعارضين الإيرانيين لحكم الشاه إلى جانبه، ومن بينهم رئيس الساواك السابق تيمور بختيار كرد فعل على خطوة الشاه. وشرع كل طرف يعد العدة لقلب نظام حكم الآخر.
وهكذا شرع عبد الغني الراوي بالاتصال بمجموعة من الضباط المناوئين للبعث ومع القيادة الكردية المتمثلة بالبارزاني الذي رفض التعاون معهم. ومن خلال اتصالاته، التقط السوفييت محاولة الراوي لاقتحام القصر الجمهوري، وقاموا بدورهم بإطلاعنا على تلك المحاولة. وقمنا بتسليم تفاصيل خطة الانقلابيين للبعث بواسطة مكرم الطالباني الذي سلمها للبكر شخصياً، وهذا ما أثار غبطته.
يبدو أن السوفييت استهدفوا من تسريبهم إلينا تفاصيل محاولة الانقلاب إلى ترطيب الأجواء بيننا وبين البعثيين، وأن نبدي حسن نيتنا تجاههم. وفي الوقت ذاته لم يتصل بنا الراوي لا من قريب ولا من بعيد. ولو طرح الراوي علينا الفكرة لرفضناها لمعرفتنا بميوله العدائية تجاهنا.

لقاء مع البكر – صدام قبل المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي
ذكرت أن لقاءاتنا كانت مستمرة مع نظام البعث وذلك عن طريق مكرم الطالباني وعن طريق عامر عبد الله. لكن مكرم الطالباني كان أكثر اتصالاً بالبعث بحكم وجوده في منصبه، وسهولة الاتصال به على الرغم من سهولة حركتنا كشيوعيين على الساحة. وكنا كطرفين نتواصل عبر مكرم، ونعبر عن آرائنا كطرفين يمهدان للتحالف الذي بدأوا يسعون إليه.
لم تكن لي اتصالات مباشرة مع البكر، ولا مع أي من مسؤولي في البعث إلاّ قبيل انعقاد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في آب 1970. لقد انصب النقاش آنذاك على ضرورة التحالف بين الجانبين، وأراد البعثيون معرفة رأي الحزب. فقد اتصل بنا الوسيط الذي أراد ترتيب اللقاء، وأعطى ضمانة في الحفاظ على سلامتي، وسأل هل أمانع من وجود صدام حسين مع البكر في الاجتماع، أم يقتصر الاجتماع علينا فقط؟. فقلت له أنه من حق البكر أن يختار من يرافقه. وأبديت عدم ممانعتي لذلك الأمر. في ذلك الوقت كانت غالبية قيادة الحزب الشيوعي العراقي في منطقة كردستان للتحضير للمؤتمر الثاني.
جرى اللقاء في أحد البيوت القريبة من القصر الجمهوري. وكان البكر برفقة صدام حسين. وأبدى البكر الترحيب بنا ومن ثم تحدث عن الرغبة بالتحالف بيننا. فأبديت له استغرابي حيث يجري اعتقال مجموعة من الشيوعيين في كل يوم، ويجري اغتيال قيادي في الحزب الشيوعي بصورة غريبة. فتدخل صدام في هذه اللحظة وقال إن الجماعة الأخوان يقصد(الشيوعيين) صوروا العراق للعالم وكأنه معتقل.
فتدخلت لأبدي برأيي، فقلت له سأعطيك أسماء اثنين من كوادر الحزب الشيوعي العراقي اعتقلوا قبل مدة ولا نعرف مصيرهم. فسأل صدام من؟. قلت له كاظم الجاسم وعزيز حميد. وقام صدام أثناء ذلك بالاتصال بشخصدعاه أبو حرب ( المقصود ناظم كزار)، وسأله عن مصير الرفيقين. وبعد برهة من السكوت، قال صدام أعطنا أسماء غيرهم. فاستنتجت بأنه قد تم تصفيتهما. واختُتِم اللقاء الذي أستمر لأكثر من ساعتين. وعرفت من خلال مداخلات صدام حسين أنه الشخص الثاني بعد البكر. وبعد ذلك نقلت ما دار في الاجتماع إلى المؤتمر الثاني، و كان رأي الجميع هو ضرورة الانتظار وعدم التسرع بأي تحالف في غير صالحنا.

التقارب السوفيتي – العراقي ومفاوضات النفط
كان حزب البعث يبحث عن التقارب مع الاتحاد السوفييتي لأسباب قد تكون موضوعية، فالغرب بسياسته الداعمة لإسرائيل لاسيما بعد حرب الخامس من حزيران 1967، قد احدث ردود فعل سلبية حادة في الشارع العربي، وأثار السخط ضد الدول الغربية لمساندتها إسرائيل. إن القضية الفلسطينية كانت من ضمن الأولويات التي رفع رايتها نظام البعث في العراق. وعلى الرغم من إن البعث بتجربته السابقة التي لا يمكن نسيانها في تحالفه مع الغرب في انقلاب شباط عام 1963، وأنهم جاؤا بقطار أمريكي حسبما نُسب إلى أحد قادته علي صالح السعدي، ولكنه كان من الصعب أقامة أية تحالفات مع الغرب في الفترة المذكورة.
فبدأ البعث يدغدغ مشاعر السوفييت من خلال التلويح بالاشتراكية والتقارب مع المنظومة الاشتراكية ووأد سياسة الماضي، ولاسيما في العلاقة مع القوى الوطنية ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي. فأصبح الطريق ممهداً لمثل ذلك التقارب. ولكن هل كان هدف البعث من التقارب مع السوفييت هو من أجل استدراج الغرب لإقامة علاقات بين الجانبين، أم أن مصلحة البعث كانت تقتضي التقارب مع الاتحاد السوفييتي لكونه أحد القطبين الرئيسيين في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية؟. وعلى أي حال ثمّنا ذلك التقارب بين العراق والاتحاد السوفييتي، واعتبرناه في بيان لنا بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو ما كنا نطمح إليه. فالسوفييت معروفون بمواقفهم الايجابية تجاه قضايانا الوطنية والقومية، وعلى رأسها الموقف الداعم للقضية الفلسطينية وتحديهم للدول الغربية أثناء العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956.
وهناك عامل آخر أدى إلى هذا التحالف هو أن نظام البعث من جانبه بدأ بالبحث عن حليف قوي يمكن أن يسانده من اجل البدء بمفاوضات النفط وتأميمه. فتأميم النفط أصبح من ضمن أولويات النظام والتي أعلن عنها عند وصوله إلى السلطة. إن النفط في الحقيقة أصبح مثل البندقية التي بيد من يطلق النار. ولكنه في نفس الوقت أصبح وبالاً على العراقيين وعلى الشعب الكردي بالدرجة الأساس. فبسبب النفط بدأت الدول الغربية تتدخل بقوة وبدعم الحركة القومية الكردية وتزويدها بالسلاح والمال من اجل الضغط على الحكومة لتقديم تنازلات للدول الغربية، بمايحقق لهم أهدافهم، ثم التخلي عن دعمهم للكرد فيما بعد.
بعد الإعلان عن تأميم النفط، وقفنا إلى جانب قرار الحكومة، وإن اختلفنا معها في أمور كثيرة أخرى. لأننا كنا على اعتقاد بأن هذا القرار يصب في مصلحة الشعب العراقي ككل، بالرغم من استخدام البعث لعوائد النفط فيما بعد كوسيلة لزيادة رصيده الشعبي أو زيادة الماكنة العسكرية والأمنية ليوجهها فيما بعد ضد خصومه، بمن فيه الكرد الكرد في حرب غير عادلة لم يحصد الجانبان منها إلا الخسارة البشرية والمادية.

مساهمة الحزب الشيوعي في الوزارة
في ظل سياسة التقارب بين الطرفين الشيوعي- البعثي، طرحت عدة مبادرات من أجل التحالف. ولكنها كانت تصطدم بالكثير من المعوقات. ويأتي في مقدمتها التوجس من نية البعث ومصداقيته إزاء التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي. فالبعث في كل حوار خاضه مع الأطراف الأخرى، سرعان ما يدير ظهره للطرف الآخر مما يجعل صعوبة في التعامل معه. وقد بدأ ذلك يطفو على السطح بعد توقيع بيان 11 آذار، حيث بدأت الخلافات بين الجانبين الكردي والحكومي شاخصة للعيان.
وفي نهاية عام 1971، طرح حزب البعث من جانبه مسودة ميثاق العمل الوطني. ولكننا أبدينا اعتراضنا على الكثير من فقرات مسودة الميثاق، حيث أكدت المسودةعلى دور حزب البعث في قيادة الدولة. وبهذا فان مساعي التقارب لم تجد نفعاً.
فارتأينا أن نراقب خطوات البعث ومدى الجدية في دعواته. فبعد توقيع بيان آذار مع القيادة الكردية كما ذكرت، تم توقيع ميثاق تعاون مع الاتحاد السوفيتي بعد فترة قصيرة من تأميم النفط العراقي. وحاول البعث بمختلف الطرق أن نشارك في الوزارة. ولكننا رفضنا المبدأ، لأن الاشتراك في الوزارة لا يعني لنا شيئاً قياساً بما هو أهم منه، وهو التحالف المتكافئ الذي يضمن لنا استقلالنا السياسي والفكري. وفي محاولة منهم على هذا الطريق تم
استيزار عزيز شريف لوزارة العدل. وهو ما رفضناه في ظل إجراءات إعدام متواصلة ضد خصوم البعث بذريعة التجسس، والتي راح ضحيتها العديد من الوطنيين المعروفين بنزاهتهم السياسية والفكرية. وطلبنا من عزيز شريف رفض الاستيزار، ولكنه لم يستمع لنصيحتنا. فأصدرنا بياناً للنأي بالنفس عن قبول عزيز شريف بالاستيزار وبأنه لا يمثل الحزب الشيوعي العراقي وإنه مستقل، بالرغم من أن عزيز شريف كان عضواً في الحزب الشيوعي العراقي.
ولكن على ضوء التطورات والخطوات اللاحقة التي اتخذها، أصبحت خطوة التقارب أقرب من خلال إدراك البعث لثقلنا السياسي. فطلب البعث منا اختيار شخصين من حزبنا ليكونا ممثلين في الحكومة. وعلى ما يبدو أنهم استعاروا التجربة السورية عندما تم إشراك الحزب الشيوعي السوري في الوزارة. واقترح البعث أن يكون أحد الوزراء وزير دولة، والثاني لوزارة أخرى. وافقنا على المقترح، فوقع الاختيار في المكتب السياسي واللجنة المركزية على كل من عامر عبد الله ومكرم الطالباني لكونهما شخصيتان معروفتان من الجميع، ومن البعث بدرجة أساسية. فهما قد شاركا في التفاوض مع البعث خلال تلك الفترة. وكان مكرم موظف حكومي، وتمتع وعامر عبد الله بمؤهلات عديدة ليقع عليهما الاختيار. تم الاختيار دون علمهما في البداية، ثم قمت بإعلامهما بأن الاختيار قد وقع عليهم بإجماع آراء قيادة الحزب. وتم استيزارهما في نيسان 1972، مكرم لوزارة الري وعامر عبدالله وزيراً للدولة.
دور السوفييت في التقارب الشيوعي – البعثي
حاول الكثير من الكتاب والمعلقين أن يشير إلى تأثير السوفييت وإملاء رغباتهم علينا. وهو أمر يمكن دحضه في مواقف كثيرة. كنا نقرأ رأي السوفييت ونحلل مواقفهم بقدر ما يتعلق الأمر بسياستنا، ولكننا لم نكن نستلم إيعاز منهم في تقرير سياستنا. وأود أن أؤكد على أننا لم نتأثر بتلك الإيحاءات، لكوننا نحن من يحدد الموقف في ظل الوضع العام الذي يعيشه حزبنا لا السوفييت. نعم كنا نسترشد بنظرياتهم وطروحاتهم لأنهم أصحاب تجربة طويلة. علماً بأنهم كانوا يؤكدون دوماً على ضرورة التقارب بما يخدم حزبنا. ولا أنكر دور مصالحهم المتبادلة مع الحكم في العراق والتي لها كان لها تأثير في إيجاد تفاهم مع النظام.
في حقيقة الأمر إن السوفييت بذلوا جهداً في حل الكثير من الملفات العالقة في العراق، ومن بينها ملف القضية الكردية. فقد كان يفغيني بريماكوف مبعوث اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي يتابع تطور المفاوضات بين الحكومة والكرد، وكان يناقش سير المفاوضات مع مكرم الطالباني، وتمكنا من إيجاد صيغة تحاوريه بين الجانبين. أضف إلى ذلك إن السوفييت عملوا على مؤازرة العراق داخلياً، لاسيما أثناء مفاوضات النفط مع الشركات الاحتكارية التي عملت من جانبها على تخفيض أسعار النفط تارة، والتهديد تارة أخرى. فكان للسوفييت دور مؤازر للعراق إضافة إلى دفاعهم عن العراق خارجياً.
الجبهة الوطنية والقومية التقدمية
بعد مفاوضات مضنية طويلة، أصبح من الضروري وضع اللمسات الأخيرة على ميثاق الجبهة، لاسيما وإن العلاقة مع القيادة الكردية أصبحت في وضع لا يحسد عليه من التباعد والتوتر. وتوصلنا إلى الصيغة النهائية للجبهة، واتفقنا على ذكر الدور القيادي لحزب البعث للدولة، بعد أن كانوا يؤكدون على ضرورة القبول بصيغة “قيادة حزب البعث للجبهة”.
وكان من جملة ما ركزنا عليه أثناء المفاوضات هو ضرورة أن لا يكون التحالف مقتصراً علينا نحن الشيوعيين والبعثيين، بل يجب دخول البارتي إلى الجبهة، لأن ذلك سيعزز من مكانة الجبهة ويحد من استئثار البعث بالجبهة، وهو يقوي من مركزنا كما يقوي من مركز البارتي أيضاً. كنا نعتبر الحركة الكردية الدعامة الرئيسية لقوتنا لدواعي المشتركات العديدة التي تجمعنا. إلاّ أن توتر العلاقات بين البعث والبارتي حال دون تحقيق ذلك. وقمنا بالتوقيع على ميثاق الجبهة، بالرغم من استلامنا للعديد من الرسائل من القيادة الكردية بعدم التوقيع على ميثاق الجبهة مع البعث. ولكننا رأينا أن هذا الأمر هو قرار يخص الحزب الشيوعي تماماً، كما كان التوقيع على اتفاق آذار شأن يخص الكرد أنفسهم، دون ان يصر البارتي على إشراكنا في الحوار بشكل رسمي آنذاك.
لقد أشارأحد قياديي الحزب الديمقراطي الكردستاني في بداية تقاربهم مع البعث وهو يخاطب قادته: “نحن امتداد لكم في الشمال، وانتم امتداد لنا في الجنوب”. ولقد أثرت هذا الموضوع في وقتها مع الأخوة في حزب البارتي، وقلت لهم… ونحن أين موقعنا كحزب!!، علماً إن لنا تفاهمات ومشتركات وتحالفات معكم.
إن احد أسباب التقارب بين الحزب الشيوعي العراقي وبين البعث يعود إلى أننا بقينا لوحدنا بعد الاتفاق في آذار بين الحكومة والبارتي. وهذا ما أضعف موقفنا، ولهذا ترددنا في البداية في التحالف مع البعث. لقد طالبنا البارتي الدخول في الجبهة حتى اللحظات الأخيرة من التوقيع على ميثاقها. وقلنا لهم يمكنكم أن تطرحوا وجهات نظركم عبر الجبهة. ولكنهم رفضوا الفكرة وأصروا على الانتظار لحين تنفيذ بيان 11 آذار. وطلبوا منا أن لانخطوا أية خطوة باتجاه التوقيع على ميثاق الجبهة. وكان رأينا أن هذا الأمر لا يصب في مصلحتنا كحزب.
أن سبب إصرارنا على دخول البارتي للجبهة هو من اجل تحصينها ضد سياسة الارتداد البعثي المفاجئ. فالبعث أصر على عقد الجبهة بأي ثمن من أجل تحصين جبهته الداخلية بعد انفراط تحالفهم مع الكرد. ونحن دخلناها بخليط من عين الشك وعين اليقين وحسن النية.
وانتقل الأمر بعد التفاهم مع البعث إلى التفاهم داخل الحزب الشيوعي العراقي، وضرورة قبول المكتب السياسي و اللجنة المركزية على الدخول في الجبهة. وعندما بدأ التصويت بصدد ذلك، كانت اللجنة المركزية منقسمة على نفسها حول عقد التحالف بين رأي مؤيد وآخر معارض عندما عرضت قضية الانضمام إلى الجبهة مع البعث. و اعترض الكثيرون على الفكرة من حيث المبدأ، وطالبوا بترك مثل هذا النقاش. وعندما طالبت بالتصويت على الموضوع، صوّت إلى جانب المقترح سبعة من أعضاء اللجنة المركزية وعارضه ثمانية. وعندما رفض المقترح، خاطبتُ أعضاء اللجنة المركزية وقلت لهم أن الانضمام إلى الجبهة أصبح ضرورة ملحة لحزبنا، وبمثابة إظهار حسن نيتنا اتجاه البعث بكوننا نؤيد سياستهم التقدمية. ولا يجب أن يبقى ذلك في السر حيث لا تجني قواعدنا من ذلك أية نتائج مثمرة. وعندما كررنا التصويت، انتقل صوت أحمد باني خيلاني من صفوف المعارضة إلى صف الموافقة على انعقاد الجبهة. وبالرغم من ذلك حدثت بلبلة داخل اجتماع اللجنة المركزية، وعلى رأسهم بهاء الدين نوري الذي اعتبر أن الدخول في الجبهة هو بمثابة انتحار للحزب الشيوعي العراقي.