السبت: 31 أكتوبر، 2020 - 14 ربيع الأول 1442 - 04:43 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 7 فبراير، 2017

تعيد “عواجل برس” نشر ما سجّله الدكتور سيف ارحيم القيسي بعنوان (قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي) نقلا عما جادت به ذاكرة عزيز محمد ، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي السابق . إن ما قاله هذا القائد الشيوعي ما زال يحظى بأهمية خاصة ، فالحزب الذي غادره ما زال يناضل في ظروف جديدة معقدة ، والقضايا القديمة المتعلقة بالديمقراطية والتنمية والحداثة وتحديات التنمية ظلت مشكلات تحتاج الى حلول ، وإلى نظام سياسي فاعل يتصف بالعدالة والأفق الحضاري . يستعيد عزيز محمد ماضيه السياسي والحياتي، ويستعرض أهم المواقف والقضايا التي واجهت الحزب تحت قيادته ، ولاسيما التعاون مع البعثيين ، ثم إعلان الكفاح المسلح ، وهما موضوعان ما زالا يثيران الجدل .
تنشر عواجل برس هذه المذكرات بخمس حلقات …
***
انقلاب الثامن من شباط 1963 واستعدادات الحزب الشيوعي
لم يكن انقلاب الثامن من شباط عام 1963 بالحدث المفاجىء كما أشرت، بل كان يمثل سلسلة من محاولات انقلابية دبرتها القوى المناوئة لحكم قاسم متمثلة، بشكل خاص، بحزب البعث العربي الاشتراكي والقوى القومية الأخرى التي وجدت في حكمه انحرافاً عن أهداف الثورة !!. وأدارت هذه القوى وجهها نحو القوى الخارجية وتلقت الدعم منها كما مر ذكره آنفاً.
كان الحزب الشيوعي العراقي على علم بالمحاولات الانقلابية، وكان يعلن عنها. ولكن أذان عبدالكريم قاسم لم تصغ للحزب بالرغم من معرفته بحقيقة ما يجري. كان للحزب الشيوعي العراقي خطة طوارئ، وهي خطة موجودة في مقر قيادة الحزب في بغداد ومحصورة بجهات معينة اعتقاداً منها أن أية محاولة للانقلاب ستكون في بغداد. وكنا نفكر بأننا سنكون مهيئين للتصدي لأية محاولة انقلابية. أما عبد الكريم قاسم فكان يتصور أن هدفنا من فضح تلك المحاولات الانقلابية هو من اجل دوافع سياسية. إنه كعسكري كان يعتقد أن القوة تكمن بالجيش دون الحاجة إلى القوى الأخرى.
في صبيحة إنقلاب الثامن من شباط 1963 كنت في كركوك. ولما سمعنا خبر الانقلاب، قمنا بتنظيم عدد من المظاهرات ضد الانقلاب. ووجهنا نداءاً إلى الضباط الشيوعيين من أجل التوجه صوب المقرات العسكرية للمقاومة ومنع سيطرة الانقلابيين على الوضع. ولكن الضباط مُنعوا من الدخول إلى معسكراتهم بعد سيطرة الضباط الموالين للانقلاب على الوضع. ويضاف إلى ذلك أن منطقة كركوك لم تكن منطقة متعاطفة بشكل كبير مع الشيوعيين بعد أحداث تموز 1959. وبالرغم من ذلك نظمنا جيوب للمقاومة، وشرعنا ببناء الربايا، واستمرت مقاومتنا لثمان أيام. وبعد انتهاء المقاومة في بغداد والمدن العراقية الأخرى، وجدنا أنه من الضروري الانسحاب بعد أن حُسم الموقف لصالحهم. وبعد ذلك توجهنا الى منطقة كردستان، واستقبلنا مصطفى البارزاني بالرغم من موقفه المؤيد لانقلاب شباط. فقد وفر البارزاني لنا بيتاً حزبياً، وقال :” ليس لدي ثقة بهؤلاء، وموقفنا موقف ودي مؤقت تجاههم”.
وبالرغم من وصول الشيوعيين إلى المناطق الكردية، إلاّ أنهم تعرضوا إلى مضايقات من قبل أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني. إلاّ أن مصطفى البارزاني أستقبلهم وآمّنهم على حياتهم ووفر لهم العيش الكريم، وسمح لهم بالنشاط السياسي. واعتبر البعثيون، حلفاء الكرد بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، بأن موقف البارزاني يعد عملاً عدوانياً، وهو من جملة التهم التي وجهت إليه فيما بعد زاعمين بأنه آوى أعداء النظام.
وبدأنا بتسليح قواتنا من الأنصار. إلاّ أن البارزاني رفض تزويدنا بالأسلحة. ولكن بعد إعلان قادة البعث حربهم على كردستان، أصبحنا جزءاً من البيشمركة الكردية وتوحدت قواتنا تجاه الانقلاب، علماً إننا كنا نتخذ قراراتنا على إنفراد وكانت مراكز تدريباتنا مستقلة، وفي الوقت ذاته كنّا نختار الجبهات لقتال القوات الحكومية.
عمّت بعد الانقلاب موجة رهيبة من الإعدامات والقتل بحق الشيوعيين والديمقراطيين. ولم يكن أمام الشيوعيين من خيار، فأما الموت أو الاعتراف. وقد استخدمت أبشع أساليب التعذيب في محاولة الانتقام منهم أو محاولة معرفة المزيد عن تنظيمات الحزب الشيوعي. فقد تعرض الكادر القيادي حسن عوينة إلى تعذيب مميت، وطُلب منه الاعتراف لينجو من الموت، فرد عليهم…مارسوا ما تبقى لديكم من التعذيب فلم يبق بيني وبين الموت سوى لحظات. بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، أخذنا نقارن بين ممارسات النظام الملكي والنظام الجمهوري، ولاسيما بعد انقلاب شباط 1963. ووجدنا أن هناك فرقا كبيرا بين النظام الملكي والجمهوري. فعلى سبيل المثال، لم يتعرض فهد بعد اعتقاله للإهانة والضرب، ولم يجر تعذيب غضبان السعد المعتقل بتهمة الشيوعية وهو ضابط عسكري. فقد كان عريف المعتقل ينادي السعد بكلمة “سيدي”. إن هذه القيم لم تعد موجودة بعد انقلاب البعث على وجه الخصوص.
لقد كانت مساًلة انهيار الوضع التنظيمي للحزب الشغل الشاغل لكوادرنا من أجل إعادة صلة منظمات الحزب بعضها ببعض، بالرغم من قسوة البعث ضد الشيوعيين. فتمكنا من طبع عددين من جريدة طريق الشعب في تموز من عام 1963، وطبع منشورات في كردستان العراق للتعبير عن بقاء تنظيمنا رغم موجة العنف التي مورست ضد الحزب. إن ما فسح المجال للحزب فيما بعد هو إعلان قادة البعث الحرب على كردستان العراق، مما عزز موقفنا بعد اقتصار نشاطنا في السابق على إعادة ترتيب فصائلنا. فتوحد نشاطنا العسكري مع الحركة القومية الكردية.
لقد تحالفنا ونسقنا العمل مع الحزب الديقراطي الكردستاني. ولم يحدث ذلك للمرة الأولى، فعلى سبيل المثال وبعد تشكيل جبهة الاتحاد الوطني في عام 1957، كنا الحزب الوحيد الذي شكل همزة الوصل بين جبهة الاتحاد الوطني وبين الحركة القومية الكردية. أقصد في ذلك مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي كان يمثل آنذاك مجموعات وفئات كردية كثيرة. في حين أن أحزاب وجهات عراقية أخرى في جبهة الاتحاد الوطني لم تكن مستعدة للعمل معه أو حتى الاعتراف به. ومن جهة أخرى، فقد كان لنا تأثير سياسي ومعنوي كبير من خلال تنظيماتنا في كردستان وعن طريق علاقتنا مع التنظيمات الكردستانية. هناك فرق كبير بين أن يكون لك (شيء) في منطقة ما لأجل ان تعبد الطريق من أجل مد جسور التعاون مع هذه الجهة أو تلك وبين أن لا يكون لك شيئاً.
انقلاب عبد السلام عارف والموقف من الاتحاد الاشتراكي
في الحقيقة إن الوضع الذي ساد بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 لم يستمر طويلاً. وهذا يعود إلى انقسام قادة الانقلاب أنفسهم؛ أي بين البعثيين والعسكريين. ثم أعقبه الانقسام في صفوف حزب البعث نفسه بين الجناح المدني والجناح العسكري، إضافة الى تأزم الوضع العام الذي تميز بمواقف متشددة إزاء الأحزاب الأخرى وعلى رأسهم الحزب الشيوعي والحرب التي شنها الانقلابيين ضد الكرد، ناهيك عن توتر العلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة التي دعمت الانقلابيين في البداية. عندها وجد عبدالسلام عارف أحد أقطاب انقلاب الثامن من شباط 1963 بأن الفرصة أصبحت مواتية له للانقضاض على السلطة في ظل تصارع الانقلابيين، ووجد أن الوقت المناسب لذلك في 18 تشرين الثاني 1963. وبهذا بدأت مرحلة جديدة ولكنها أقل وطأة من سابقاتها بالنسبة لنا.
إن الانقلاب في حقيقته وباعتقانا ما هو إلاّ استبدال عسكر بعسكر. وهو جزء من الصراع على السلطة ضمن المؤسسة العسكرية التي أقحمت نفسها في الصراع السياسي. ولكنه في اعتقادنا كان أهون الشرين بسبب حجم المجازر التي ارتكبها البعثيون بحقنا. وأتذكر أنه بعد الانقلاب بفترة ليست بالقصيرة، كتبتُ رسالة إلى مركز الحزب في الخارج لكي استطلع الموقف إزاء الانقلاب. وكان الرد هو أن نخفف من أساليب العمل، حيث كنا نمارس الكفاح المسلح في المناطق الكردية. ومن جانب آخر كان علينا أن لا نزكي هذا النظام في محاولته النأي بنفسه عن جرائم البعثيين، وبدأ بفضح النظام السابق. ولكن في الحقيقة التي لا يمكن نكرانها إنها كانت فترة تنفيس بالنسبة للقوى السياسية، وعلى الخصوص بالنسبة للشيوعيين. وبدأ النشاط يدب في صفوف المنظمات الحزبية وعاد الارتباط بين الشيوعيين ومنظماتهم بشكل واسع، وهو لم ينقطع حتى في ظل اشتداد آوار الهجمة على تنظيمات الحزب. فقد بقيت صلة الوصل بعد ذلك بين باقر إبراهيم في الجنوب وبين عمر علي الشيخ في المناطق الكردية. إن أحد الأهداف التي دفعت النظام إلى غض النظر عن نشاط الشيوعيين هومحاولة التمايز عن النظام السابق بهذا القدر أو ذاك، علماً أن عبد السلام عارف كان شريكاً في انقلاب 8 شباط ومن المؤيدين لإبادة الشيوعيين.
وهناك نقطة في غاية الأهمية وهي أن عارف بدأ بمغازلة الاتحاد السوفييتي من أجل الحصول على الدعم العسكري والفني، وهو لا يمكن أن يحدث في ظل موجة الاعتقالات والإعدامات بحق الشيوعيين الذي ثاروا بدورهم ضدالبعث. فبادر النظام، إضافة إلى إطلاق سراح بعض الشيوعيين من السجون والمعتقلات، وإلى حل الحرس القومي ونشر وثائق تدين جرائمه، وتم اعتقال بعض القائمين عليه آنذاك، لا حباً بالشيوعيين بل الخوف من أن يتصدى الحرس القومي لحكم عارف.
إن سياسة التقارب بين عارف والاتحاد السوفييتي تتوجت بعدد من الإصلاحات الداخلية تحت واجهة التوجه نحو “الاشتراكية”. وأعلن عن قيام “الاتحاد الاشتراكي” في محاولة للتشبه بالإجراءات التي اتخذها جمال عبدالناصر في مصر. لقد أحدث إعلان الاتحاد الاشتراكي بدوره ضباباً فكرياً حوله في داخل الحزب بين معارض ومؤيد للقرارات “الاشتراكية”. وتتوجت تلك النقاشات داخل الحزب الشيوعي بإعلان وثيقة فكرية سياسية سميت بخط آب 1964 بعد اجتماع للجنة المركزية، والتي أيدت الاتحاد الاشتراكي.
عزيز محمد سكرتيراً للحزب الشيوعي العراقي 1964
مرّ الحزب الشيوعي العراقي في ظروف عصيبة منذ إعدام قادته بعد انقلاب الثامن من شباط 1963. فبالإضافة إلى التصفيات الجسدية الواسعة التي طالت قيدة الحزب وكوادره وأعضائه ومؤيديه، بقي البعض رهن الاعتقال. والتجأ آخرون إلى المناطق الكردية، وشرع القسم الآخر بإدارة نشاط الحزب من الخارج لاسيما في براغ وموسكو بعيداً عن ضربات الأمن. وكانت هناك قنوات للاتصال مع الداخل، حيث كانت صحيفة الحزب”طريق الشعب”السرية تصل إلى أيدي القراء بين آونة وأخرى حسب الظروف التي كان يمر بها الحزب والتي يمكن تسميتها بين المد والجزر.
لقد قام عدد من بقي حياً من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي بتوجيه نشاط الحزب، وخصوصاً من قبل عبد السلام الناصري. وأصبح من الضروري التوجه لعقد اجتماع للجنة المركزية لحسم موضوع سكرتارية الحزب، التي بقيت شاغرة بعد إعدام سكرتير الحزب حسين احمد الرضي (سلام عادل). فبدأ من تبقى على قيد الحياة من أعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي للتحضير لاجتماع يعقد في الخارج لترميم قيادة الحزب، وبما في ذلك انتخاب سكرتيراً للحزب الشيوعي العراقي. فبدأ بطرح العديد من الأسماء ليكون السكرتير. وكان من بينهم زكي خيري وعبدالسلام الناصري وغيرهم وأنا. كنت في الحقيقة ضد ترشيح نفسي، حيث كنت على اعتقاد بأنني غير مؤهل لقيادة حزب كالحزب الشيوعي العراقي. فلم أكن امتلك من الثقافة الماركسية مما يؤهلني لتولي هذا المنصب، رغم ما ذكرته في السابق من أن الحزب الشيوعي العراقي هو من قضى على أميتي التي كنت أعاني منها. وفي إثناء التصويت على اختيار السكرتير، فإنني لم أصوت لنفسي لأنني كنت اعتبر نفسي غير مؤهل لذلك حسبما ذكرت. ولكن التصويت جرى لصالحي لأتبوأ منصب سكرتير الحزب. ويمكن أن نسمي هذا الاختيار بالتوافقي.

اجتماع نيسان 1965 وشعار العمل الحاسم
بالرغم من كل الصعوبات والمعوقات، بدأ الحزب يعمل بوتيرة أسرع لإعادة تنظيمات الحزب من جانب، ومن جانب آخر بدأ الحزب بإعادة النظر في تقييمه لحكم عارف. فقرر الحزب في نيسان 1965 التخلي عن خط آب 1964 على اعتباره خطاً مهادناً لعبد السلام عارف الذي لم يتقدم نظام حكمه بخطوة واحدة إلى الإمام لإصلاح ما دمره انقلاب 8 شباط. واتفقت أراء الجميع على تبني نهج العمل الحاسم للقيام بحركة انقلاب على حكم عارف. وبقي هذا الخيار قيد المناقشة حول آليات القيام بالعمل الحاسم، سواء عن طريق الجيش وهو مغلق للقوى المؤيدة حول عارف أو عن طريق الجماهير التي خسرت الكثير من أبنائها بعد الثامن من شباط 1963. فبدأ الحزب بحملة تثقيفية حول هذا النهج. لقد استندت خطتنا على العمل من أجل إعادة صلة الوصل بالتنظيمات الشيوعية في الجيش لكي يكون الاعتماد بالدرجة الاساس على صغار الضباط والجنود. وتعود هذه القناعة إلى أن أي عمل حاسم لا يمكن أن يكتب له النجاح دون تدخل الجيش لحسم الأمر. فهذا ما حدث في العراق خلال مراحل ليست بالبعيدة، ومنها حركة 1936و1941 وصولاً إلى 14 تموز 1958، والانقلاب الذي قاده العسكر في الثامن من شباط 1963، بالرغم مما كان يتمتع به الشيوعيون من جماهيرية واسعة مؤيدة لنظام قاسم، وهو ما جرى التعبير عنه فعلاً في مقاومة الشيوعيين للانقلاب في مناطق العراق المختلفة، وخصوصاً في بغداد حيث تركزت المقاومة في منطقة باب الشيخ – حي الاكراد وغيرها من المناطق. لقد توصلنا إلى قناعة بأن العمل الحاسم ممكن في أروقة الجيش.
شملت الحملات التثقيفية تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي بالدرجة الأساس لخلق قاعدة يمكن أن تفي بالغرض من أجل القيام بانقلاب بعد حالة اليأس التي أصابت الجماهير إثر انقلاب 8 شباط عام 1963. هذا اليأس الناتج من عدم قدرة الشيوعيين، وهم في أوج قوتهم الجماهيرية لاسيما بعد 14 تموز 1958، على استلام السلطة وخاصة بعد تراجع قاسم عن تحالفه غير المعلن مع الشيوعيين. لقد أدخلت هذه القضية في حينها الحزب وقيادته قي دوامة من النقاش التي أدت فيما بعد إلى خسارة الحزب للكثير من المؤيدين له بعد انحسار المد الشيوعي. لقد اعتبرنا أن هذه الخطوة التثقيفية يمكن أن تشكل أرضية صلبة يمكن من خلالها الحصول على دعم الجماهير لأية محاولة يقوم بها الشيوعيون في المستقبل.
انشقاق عزيز الحاج 1967
لقد تعرض الحزب الشيوعي العراقي إلى هزات عنيفة تمثلت بالانشقاق تارة، أو الملاحقات التي تعرضت لها تنظيماته وإعدام قادته تارة أخرى. وهذا ما ترك آثاراً لا تمحى على الحزب. ورغم ذلك، لم يتوقف نشاط الحزب. ففي كل حادث تعرض لها الحزب، تمكن الشيوعيون العراقيون من إعادة اللحمة إلى التنظيمات، وإعادة ترتيب اوراقهم من جديد للنهوض بواقعهم الذي عانوه عبر مراحل تاريخهم الطويلة التي قضوها في ظل ظروف العمل السري والاعتقالات في سجون الانظمة الملكية والجمهورية.
ولكن انشقاق 1967 لم يكن بالانشقاق العادي الذي يمكن غض الطرف عنه، لكونه جاء هذه المرة على يد مسؤول تنظيمات بغداد للحزب الشيوعي العراقي وأحد قادته المعروفين وهو عزيز الحاج، الذي بدا على ما يبدو أكثر طموحاً من كل قادة الحزب. فهو، بحسب وصف الكثيرين من معاصريه، كان يعتقد أنه الأكفأ في قيادة الحزب، واعتبر أن محاولته الانشقاقية في 17 ايلول 1967 ما هي إلاّ حركة تصحيحية لإنقاذ الحزب من قيادته اليمينية التي لا تؤمن بالعمل الثوري.
لقد كنت على مقربة من عزيز الحاج، لا لكوننا عضوين في حزب واحد، بل لأننا قضينا فترة عقد من الزمن في السجن. وكنا نقبع في أحيان كثيرة في زنزانة واحدة. إن عزيز الحاج برأيي لم يكن هو الداعي الرئيسي لهذا الانشقاق، فهو كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي. لقد كانت هناك عناصر في منظمة بغداد التي كان يقودها الحاج قد دفعته إلى ذلك الانشقاق. ولربما كان عزيز الحاج غير راض من الأوضاع التي يمر بها الحزب بالارتباط مع الدعوة للعمل الحاسم. في هذه الظروف الصعبة التي واجهت الحزب، أنشق الحاج ومجموعة من تنظيمات بغداد، ومن بينهم أحمد محمود الحلاق وكاظم الصفار وعبدالحميد الصافي ومتي هندو وغيرهم. وكانت من جملة التداعيات الأخرى التي رافقت الانشقاق هي دعوة جماعة الحاج لقضية أخرى؛ أي الكفاح المسلح في الأهوار. وشارك في العمل المسلح المناضل خالد أحمد زكي. وهناك أمر من الضروري الإشارة إليه وهو إنه لا يمكن لأحد أن يشك بنزاهة هؤلاء ونضالهم حتى وإن اختلفوا معنا. لقد توجهوا إلى الأهوار وهم لا يعرفون دروب المنطقة، في الوقت الذي تعتمد فيه حركة الأنصار على جغرافية المنطقة والمواضع الطبيعية والتكتيك الملائم في المواجهة مع السلطة بقواتها العسكرية المتكاملة. وهكذا تم تطويقهم من قبل القوات الحكومية، ومنهم من استشهد ومنهم من اعتقل. إن الرغبة في الثورة المسلحة تحتاج إلى نضوج ظروفها.
أما الأمر الثاني الذي يجب ذكره هو أن الكفاح المسلح بحاجة إلى مستلزمات تكتيكية ونقاط اتصال بين مواقع المسلحين وبين المركز من أجل مواصلة الاتصالات ومواصلة تدفق المؤن والأسلحة، وهو عامل لم يكن متوفراً في مناطق الأهوار. ويمكن تشبيه محاولة عزيز الحاج في الأهوار بمحاولات جيفارا الذي فشل في تحقيق النصر الذي حققه في مراحل نضاله الأولى في كوبا. لقد تصور الحاج أنه مازال يتمتع بحيوية عقد الأربعينيات وبثوريته التي لمستها عن قرب لكوننا كنا في قفص واحد. فقد كان لا يخشى الموت بدفاعه عن المبادئ التي آمن بها. ولكنه اصطدم بجدار الوضع العام في المنطقة، إضافة الى موقف أهالي المنطقة الذين لم يكن لهم صلة وصل مع تنظيمات الحاج.
المواجهة بين التنظيمين الشيوعيين
في ظل الوضع الجديد الذي تزامن مع انشقاق عزيز الحاج، تحول الحزب الشيوعي العراقي هذه المرة إلى كتلتين؛ الأولى هي جماعة اللجنة المركزية وسكرتيرها عزيز محمد وجماعة القيادة المركزية وسكرتيرها عزيز الحاج. ومهما يكن من أمر، فقد بدأت الكتلتان المتصارعتان الجديدتان تسلكان نهجاً خاصاً بهما. فجماعة اللجنة المركزية كانت تتبنى مواقف وأفكار الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي في تعليماتها وقراراتها، وتسترشد بالنظرية الماركسية-اللينينية. وفي حين شرع عزيز الحاج بدوره بتبني نهج الحزب الشيوعي الصيني الذي روج له ماوتسي تونغ آنذاك، والذي يقف بالضد من نهج الاتحاد السوفييتي.
شرع المنشقون بتوجيه النقد لنا من منطلق يساري واتهامنا باليمينية. وقد كان عزيز الحاج ينتقل هو الآخر إلى مواقف أشد يمينية في يعض الأحيان. إن موقفنا الذي كان ينعت باليمينية قد يعود إلى الظروف التي مر بها الحزب في تلك الفترة. وكمثال على ذلك هو الموقف من مظاهرات الأول من أيار 1959 والتي عرفت بالمليونية، والتي استعرض فيها الحزب قوته. فلم يحسب الحزب آنذاك لردود الفعل عند الطرف الآخر. هذه الردود التي تتوجت بتراجع عبد الكريم قاسم عن نهجه السابق والافتراق مع الشيوعيين، وتعاظم الريبة والشك لدى قاسم تجاه الشيوعيين خشية إقدامهم على استلام السلطة.
هذا الأمر يدفعنا إلى التدقيق في جملة من حساباتنا، وإلى القيام بدراسة مستفيضة للواقع السياسي العام لا أن نندفع بثورية دون أن نحسب الحساب للنتائج. فقد نخسر، بل وخسرنا الكثير من خيرة كوادرنا المجربة ولاسيما بعد الثامن من شباط 1963. هذه الخسارة دفعتنا ان نحسب كل خطوة ألف مرة.
وإضافة إلى التراشق في البيانات بين الجانبين بين اليميني واليساري، فأن الموقف بدأ يتصاعد عندما بدأ عزيز الحاج باعتقال عدد من أعضاء اللجنة المركزية ومنهم زكي خيري وبهاء الدين نوري. ولم يكتف الحاج بذلك بل بدأ بمحاولات السطو على مالية الحزب وعلى سيارة تابعة للحزب بحجة أنه الجناح الذي يمثل الحزب الشيوعي العراقي، وهو سلوك خاطئ .
ومن جانب آخر،فإن العديد من التنظيمات الحزبية انشقت بدورها على نفسها بين مؤيد للجنة المركزية وأخر مؤيد لعزيز الحاج. وهذا يعود بالدرجة الأساس إلى المزاج “الثوري” الذي ساد في البلاد، ومن ضمنه الحزب الشيوعي العراقي، الذي لم يكن بمعزل عن الأحداث العربية والعالمية لاسيما بعد حرب الخامس من حزيران عام 1967 ودور الأنظمة العربية المتخاذلة تجاهالعدوان الإسرائيلي. وهو ما صعد من المزاج الثوري لدى الوطنيين، وهذا ما استغله الحاج لصالحه وصعّد المواجهة مع الحكومة ومع تنظيماتنا التي بدأ النظر الى نشاطنا على انه نشاط يميني، وهم لا يدركون الإمكانيات الضئيلة التي يمتلكها الحزب الشيوعي العراقي في ظل الضربات المتلاحقة التي أصابته.
وهناك أمر لابد من ذكره وهو أن جماعة الحاج بدأت بالسطو على الدوائر الحكومية من اجل الحصول على الدعم المادي. وهو أمر لم نألفه في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. كنا نقف ضد الأنظمة المستبدة ولكننا لا نقوم بالسطو على الثروات والممتلكات العامة.

عزيز الحاج واتصاله بالبارزاني
بدأ عزيز الحاج الاتصال بالملا مصطفى البارزاني محاولاً فتح جبهة جديدة في المناطق الكردية التي نملك فيها العديد من القواعد الأنصارية. وجرى هذا الاتصال عن طريق حبيب محمد كريم عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي الكردستاني(البارتي)، وهو ابن خالة عزيز الحاج. وكان من ضمن مطالبهم الحصول على الأسلحة. ولكن قوبل طلبه بالرفض من قبل البارزاني لكونه على قناعة بأننا من نمثل الحزب الشيوعي العراقي. وطرح البارزاني بدوره الوساطة لإعادة الوحدة إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وقد أبدينا عدم ممانعتنا من ذلك. ولكن لم يحدث أي تقدم في المبادرة، ربما لرفض الحاج ولم يكرر الاتصال بالبارزاني ثانية.
هناك حقيقة معروفة وهي أننا بعد انقلاب الثامن من شباط 1963، سرعان ما انسحبنا نحو المناطق الكردية لمميزاتها الإيجابية لنا بحكم موقعها الجغرافي، إضافة إلى العلاقات المشتركة مع البارتي. وعلى الرغم من أن النظام انتهج سياسة التقرب من الحركة القومية الكردية، ولكن كانت غايته التوصل على ما يبدو إلى هدنة مؤقتة استعداداً لحرب شاملة ضدها فيما بعد. وهذا ما افرزته تطورات الأحداث. لقد تم الاتفاق بين نظام البعث والبارتي على إشراك وزراء من الكرد في حكومة الانقلاب. واتسم موقف البارزاني بالريبة والشك تجاه الانقلابيين. ومن المناسب الإشارة إلى أن موقف عبدالرحمن عارف الذي خلف عبد السلام عارف كان أقل حدة مع الجميع، فقد انتهج سياسة التقرب من غالبية القوى ومن بينها الحركة الكردية. إن تنظيماتنا في المنطقة الكردية كانت اكثر تأثيراً لكوننا خضنا سوية مع البارتي الكفاح المسلح ضد الأنظمة الدكتاتورية. وهذا ما أرسى علاقات إستراتيجية بين الطرفين لا يمكن للحاج زحزحتها. بالرغم من كل ما قيل بأن للبارزاني ضلع في انشقاق الحاج، ولكن هذا الرأي ليس له نصيب من الصحة.