الأربعاء: 21 أكتوبر، 2020 - 04 ربيع الأول 1442 - 04:28 صباحاً
دفاتر
الأحد: 5 فبراير، 2017

تعيد “عواجل برس” نشر ما سجّله الدكتور سيف ارحيم القيسي بعنوان (قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العراقي) نقلا عما جادت به ذاكرة عزيز محمد ، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي السابق . إن ما قاله هذا القائد الشيوعي ما زال يحظى بأهمية خاصة ، فالحزب الذي غادره ما زال يناضل في ظروف جديدة معقدة ، والقضايا القديمة المتعلقة بالديمقراطية والتنمية والحداثة وتحديات التنمية ظلت مشكلات تحتاج الى حلول ، وإلى نظام سياسي فاعل يتصف بالعدالة والأفق الحضاري . يستعيد عزيز محمد ماضيه السياسي والحياتي، ويستعرض أهم المواقف والقضايا التي واجهت الحزب تحت قيادته ، ولاسيما التعاون مع البعثيين ، ثم إعلان الكفاح المسلح ، وهما موضوعان ما زالا يثيران الجدل .
تنشر عواجل برس هذه المذكرات بخمس حلقات …

 
***
مجزرة سجن الكوت 1954
لقد تم نقلي إلى سجن بغداد المركزي، ومن ثم إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي. وبعد مناشدات الأهالي بضرورة نقل أبنائهم إلى أماكن قريبة بسبب صعوبة الوصول إلى سجن نقرة السلمان، تم نقلي إلى سجن الكوت المركزي في عام 1953، في الوقت الذي تفجرت فيه المواجهات في حزيران 1953 بين السجناء الشيوعيين وإدارة السجن في سجن بغداد جراء رداءة الأحوال داخل السجن، مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى. ولا يختلف الوضع في سجن الكوت كثيراً عن سجن بغداد؛ أي المعاملة السيئة التي عومل بها السجناء الشيوعيين رغم كونهم سجناء سياسيين. لقد قدمت مجموعة من السجناء عريضة إلى ادارة السجن تطالب بتحسين معاملتهم، وعلى إثرها وصلت محكمة خاصة جاءت من بغداد في 27 تموز 1953، وقامت بتوجيه التهمة للشيوعيين بقراءة الأناشيد الثورية الممنوعة بدلاً من الإستماع إلى شكواهم، وكنت من ضمنهم حيث تمت قراءة أسمي بأسم مسعود محمد في تلك الدعوة.

 
ولم تكتف إدارة السجن بتهديد السجناء فحسب، بل بدأت بقطع مياه الشرب والطعام والكهرباء في صيف تموز اللاهب. مما دفعنا الى حفر بئر للماء الذي عمل السجناء جميعاً على حفره. ولكن محاولاتنا للحصول على الماء الصالح للشرب باءت بالفشل بسبب ملوحة مياه البئر. وفي ظل تلك الظروف، حاولت إدارة السجن التخفيف من المواجهة معنا بسبب موجة الاستنكار التي عمت البلاد بعد أحداث سجن بغداد. ولكن السجناء أصروا على إضرابهم وعلى عدم التعاون مع إدارة السجن. ولكن إدارة السجن سرعان ما غيّرت موقفها. فعلى الرغم من مطالبة الشيوعيين بفك الحصار بعد الإعياء الشديد الذي أصاب الشيوعيين جراء قطع الطعام والماء والذي استمر حتى الثاني من ايلول 1953، قامت إدارة السجن بتفتيش السجن بحجة البحث عن الأسلحة. وبعد عملية التفتيش، طلبت ادارة السجن استدعاء عدد من الشيوعيين لنقلهم إلى سجن آخر، وكنت من ضمن تلك القائمة. ونتيجة لرفضنا ذلك القرار، بدأت قوات الشرطة بالهجوم على السجناء الشيوعيين وهم عزل من أية وسيلة للدفاع عن أنفسهم. ونتج عن ذلك مقتل عدد من الشيوعيين وإصابة العديد بجروح. ومن ثم تم نقلنا إلى سجن بعقوبة المركزي.

 
ثورة 14 تموز 1958
أحدثت ثورة 14 تموز نقلة نوعية بالنسبة للقوى الوطنية، ومن بينها الحزب الشيوعي العراقي الذي شهد بدوره مرحلة انتقال من الكبت السياسي إلى النشاط العلني في تلك المرحلة. وتبنى الحزب الشيوعي موقفاً مؤيداً للثورة وأصبح مدافعاً عن أهدافها وتوجهاتها.

 
لقد كنا نمضي فترة محكوميتنا في سجن بعقوبة عند قيام الثورة. ولم يكن لدينا علم بموعدها الحقيقي. وعرفت فيما بعد أن قادة الحزب في الخارج كانوا على علم بموعدها المحدد. وفي صبيحة 14 تموز 1958 وعند سماع صوت إطلاق النيران في محيط السجن، أغلق الحرس علينا الأبواب بعد أن كنّا متجمعين في قاعة السجن. وفي منتصف النهار وصلتنا أخبار الثورة وأخبار قادة الثورة وصور لقادة الثورة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف بواسطة حراس السجن، مما جعل مدير السجن يرضخ للأمر الواقع بعد تخوفه من حدوث اضطرابات داخل السجن. فطلب مدير السجن منا عدم خرق أنظمة السجن حتى استجلاء الموقف.

 
وكخطوة تعبر عن حسن النية من قبل قادة الثورة، تم إطلاق سراح جميع السجناء الشيوعيين الذي قبعوا في المعتقلات لسنوات عديدة بتهمة الشيوعية. وكنت من بين من أطلق سراحهم وذلك في آب 1958. وبدأت مرحلة جديدة من حياتي السياسية باعتباري أحد كوادر الحزب القدامى. وفي اجتماع موسع للجنة المركزية والكادر الحزبي المتقدم للحزب الشيوعي عقد في أيلول 1958، تم انتخاب اللجنة المركزية التي جرى توسيعها بإضافة العديد من الكوادر القيادية، ومعظمهم من الذين أطلقت الثورة سراحهم. فأصبحت عضواً في تلك اللجنة وعضواً في لجنة فرع كردستان. وفي عام 1960، أصبحت مسؤولاً لفرع كردستان للحزب الشيوعي العراقي، وكان الفرع يضم محافظات أربيل والسليمانية وكركوك. وعند الاستفسار عن أن مسؤوليتي لفرع كردستان نابع من انحداري القومي، عُد هذا الاستفسار بالأمر الغريب لكون الحزب الشيوعي العراقي حزباً أممياً يضم كل القوميات. لقد اصبحت مسؤولاً بحكم معرفتي بطبيعة تلك المنطقة وطباع سكانها.

 
وعند الحديث عن أهداف الحزب الشيوعي العراقي الذي آمنت به وعن ضرورة تطبيق الاشتراكية بعد التحولات الجديدة، فيجب الإشارة إلى أن التمسك بشعار الاشتراكية لا يعني تنفيذه في وقت محدد. لقد تعاملنا مع عبدالكريم قاسم باعتباره شخصية وطنية، ولم ندعو إلى بناء الاشتراكية كمهمة آنية. علماً إننا كنا القوة الرئيسية التي وفرت الدعم لعبد الكريم قاسم، فحتى في فترة افتراقنا معه بقينا نحن المدافعين عن الجمهورية.

 
بدأ الحزب الشيوعي العراقي في ظل نشوة نشاطه العلني في أقامة المهرجانات والفعاليات الحزبية في المدن العراقية تحت مسمى (مهرجان السلم)، وبتأييد من عبدالكريم قاسم. وأصبح الحزب القوة التي أستند عليها عبد الكريم قاسم بعد انفضاض القوميين عنه. لقد كانت الموصل من ضمن فعالياتهم لإقامة مهرجان أنصار السلام. فبدأ الشيوعيون يعدون العدة لإقامة ذلك الاحتفال دون الأخذ بنظر الاعتبار طابع مدينة الموصل الديني القومي المحافظ ومحدودية نفوذ الحزب في تلك المدينة. ولكن يبدو أنها كانت محاولة لإظهار مكامن قوة الحزب المؤيَد من قبل قاسم. ولا أرى بأنه كان من الضروري الإقدام على اقامة الاحتفال هناك، خصوصاً في ظل ما تشهده المنطقة من وضع متوتر والتي أدت فيما بعد إلى انفجار الوضع. لقد ساهمت الحكومة في هذا التفجير من خلال فسح المجال لوصول المشاركين في الاحتفال وتوفير وسائل النقل وتوفير القطار لوصولهم، على الرغم من درايتها باحتمال تفجر الوضع في أية لحظة. وهو ما تحقق عند قيام عبد الوهاب الشواف بحركته الانقلابية في آذار 1959، حيث اتخذ من وجود الشيوعيين في الموصل ذريعة للقيام بانقلابه بحجة أن الشيوعيين يسيطرون على مفاصل الدولة، وبات من الضروري استخدام القوة للتخلص منهم. وحدث ما حدث بعد ذلك من إفراغ كل طرف جل غضبه على الطرف الأخر من خلال القتال والسحل، والتي أنتقدها الحزب بشدة فيما بعد لكونها منافية لمبادئه.

 

 

مظاهرات الأول من أيار عام 1959 والمطالبة بالمشاركة في الحكم
في الأول من أيار، نظم الحزب الشيوعي العراقي احتفالا جماهيرياً لم يشهد تاريخه مثل ذلك الحشد الجماهيري. وقُدر عدد المشاركين في المسيرة بالمليون. وكان ذلك تعبيراً عن كونه ممثل الطبقة الطبقة العاملة العراقية، وفي الوقت ذاته يعد استعراضاً مدنياً لقوة ذلك الحزب الذي مد أذرعه في جميع مفاصل التنظيمات المهنية. وقد جمعت المناسبة الطبقة العاملة والفلاحين . وكان على رأس المشاركين في الاحتفال قادة الحزب الشيوعي العراقي. ثم بدء المشاركون في المسيرة بترديد هتاف: “عاش زعيمي عبدالكريمي ……حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي”، دون أن يكون قد المشاركين هناك برفع ذلك الشعار. ولكن في بغداد رفع هذا الشعار دون أن يكون مدروساً من قبل قيادة الحزب. علماً أن قيادة الحزب لم تمنع ترديد هذا الشعار الذي رُفع في بغداد، وبالرغم من وجود أغلب قادة الحزب في الاحتفال ووجود سلام عادل بالقرب من مكان التظاهر. أعد مسبقاً لهذا الهتاف. وقد نظمنا بدورنا في كركوك مظاهرة للحزب الشيوعي العراقي، و لم نرفع هذا الشعار ولم نطالب به.

 
إن مطالبة الشيوعيين الاشتراك في الحكم تعود لتنامي قوتهم على الساحة العراقية. فبعد انسحاب القوى القومية من الحكومة، وجد الحزب إن الوقت قد أضحى مناسباً للمطالبة بذلك. وأخذت صفحات جريدة “اتحاد الشعب” بدورها تناقش هذا المطلب الذي اعتبرته من بُنات أفكار الجماهير. كانت الغاية من مطالبتنا بالمشاركة في الحكم هي تطوير النظام، ومن ثم التمكن من تحقيق هدفنا الذي أعلناه وهو الاشتراكية. إن الخطوة التي اتخذها عبد الكريم قاسم بإستيزار نزيهة الدليمي لم يكن بالشيء الكثير بالنسبة للحزب، بالرغم من كونها أول امرأة تتبوأ منصباً وزارياً في الوطن العربي. ولكن ذلك لم يكن بمستوى طموح الحزب في إشغال منصب واحد لوزارة البلديات.

 
أحداث كركوك ونقطة الافتراق مع عبد الكريم قاسم
لم تكد تنتهي أحداث الموصل حتى طفت على السطح أحداث كركوك والتي كانت بداية تحجيم نشاط الشيوعيين على جميع الأصعدة. بدأ الحزب الشيوعي يحشد جماهيره للاستعداد للاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة 14 تموز 1958. وكان الحزب الشيوعي العراقي يتمتع بنفوذ قوي في كركوك، ولكن لم يقتصر النفوذ على الشيوعيين فقط. فقد تمتع الحزب الديمقراطي الكردستاني بمركز قوي وكان للقوميين التركمان وجود فعال في كركوك. ولا يمكن مقارنة مدينة كركوك بالموصل المعروفة بميولها الدينية والقومية. فكركوك تحتضن أتباع أديان وقوميات متعددة من العرب والكرد والتركمان. وعاش هذا الخليط غير المتجانس المشاحنات التي رافقت نشاط القوى الحزبية في تلك المنطقة، حيث سعى كل طرف إلى أن يبدو وكأنه يملك صنع القرار السياسي على ارض الواقع. فبدأ الانقسام يدب في ذلك الخليط، وهو ما لمسته عندما كنت في كركوك إبان الأحداث. وأجرينا اتصالات مع القوى الاخرى، وقدمنا مقترحاً لتوحيد المظاهرات والخروج بشعارات موحدة. ولكن تم رفض المقترح من جانب الكرد والتركمان. فخرجت مظاهرات في صبيحة 14 تموز عام 1959، وشاركت فيها القوى الثلاث؛ أي الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني والتركمان.

 
وعندما انطلقت مسيرتنا لم يخطر في بالنا أن يحصل ما حصل. وكان من المقرر أن تسير المظاهرة باتجاه ساحة الشركة. وشارك في المظاهرة الكثير من النساء والأطفال. وبينما كانت المسيرة تشق طريقها في شوارع المدينة، وتحديداً عند دار السينما في كركوك، سمعنا صوت إطلاق للنيران على المظاهرة. ولم يُعرف مصدر اطلاقها. كنت في العادة أحمل معي مسدسي الشخصي، ولكن من قبيل الصدفة لم يكن معي لكوننا لم نتوقع تفجر الوضع ولم نسع إليه. هذا بالرغم من معرفتنا بحساسية الوضع في كركوك، خصوصاً التوتر بين الكرد والتركمان ودور شركات النفط التي أخذت تلعب دوراً خطيراً بعد مطالبة الشيوعيين بضرورة تأميم الشركات النفطية. فعملت هذه الشركات جاهدة بدورها على تجنيد بعض الأشخاص لتفجير الوضع، لكي تصبح الطرف الوحيد المستفيد. وقد سادت حالة من الفوضى في صفوف المتظاهرين، ولم نتمكن من السيطرة على الموقف خاصة بعد الانفلات الذي حدث والهلع الذي طغى على جموع النساء والأطفال وهم في وسط المتظاهرين. وأدى كل ذلك إلى موجه هستيرية من العداء بين القوى المتناحرة وخصوصاً بين الكرد والتركمان، مما أدى إلى وقوع عدد من الضحايا وخاصة في صفوف التركمان. وألصقت بالحزب الشيوعي العراقي وبالحزب الديمقراطي الكردستاني تهمة التسبب في حوادث القتل، علماً أنه سقط عدد من الشيوعيين وضحايا أخرى، ومن بينهم رئيس البلدية وأخوه حسين البرزنجي وهما أبرياء.

 
لقد نفى الشيوعيين نفياً قاطعاً لأي ضلوع لهم في أحداث كركوك، وقدموا مذكرة إلى عبدالكريم قاسم بتاريخ 15 تموز 1959 مؤكدين على ضرورة عدم تكرار مثل هذه الأعمال الاجرامية. وقد أشاروا فيها إلى:” إننا نرجو من سيادتكم الوقوف بحزم ضد العناصر المتآمرة وإجراء تحقيق شامل للكشف عن كل الرؤوس، وإحالة المعتدين للقضاء لينالوا عقابهم العادل”. ولكن بغض النظر عن حقيقة ما حدث وعن المذنب الحقيقي في هذه الأحداث، فقد أدت أحداث كركوك إلى انفراط عقد تأييد عبد الكريم للشيوعيين ونفض يده عنهم بعد خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف، حيث ندد بالأحداث الدامية التي جرت في كركوك، وأشار بطرف خفي إلى مسؤولية الشيوعيين دون أن يسميهم بالاسم قائلاً:”لو لم اشجب هذه الأعمال في كلمتي في كنيسة مار يوسف فان كرامتنا كانت ستهدر في الخارج، وكانت ستثار ضجة حولنا على الصعيد الدولي”.

 
ولم يكتف عبد الكريم قاسم بالتنديد، بل بدأ بموجة من الاعتقالات طالت الكثير من الشيوعيين، وحُكم على البعض منهم بالإعدام. وبقي هؤلاء في السجون حتى انقلاب الثامن من شباط 1963 حيث تم اعدامهم على يد قادة البعث. ويبدو أن قاسم وجد في أحداث كركوك الفرصة للتخلص من نفوذ الشيوعيين الذين هيمنوا على الشارع العراقي، على غرار تمكنه من إقصاء التيار القومي بعد أن أزاح عبدالسلام محمد عارف في تشرين الأول 1958، وتلاه إحباط مؤامرة رشيد عالي الكيلاني الذي ألتف حوله القوميون، وكانت نهايتهم مع مؤامرة الشواف في الموصل التي أدت إلى إقصاء القادة من ذوي الميول القومية. أما هذه المرة فالحملة موجهة ضد الشيوعيين بعد الأقاويل التي بدأت تتردد عن محاولة الشيوعيين الانقضاض على السلطة، وخصوصاً في الخامس من تموز 1959

 
الصراع داخل الحزب الشيوعي وكتلة الأربعة
دخل الحزب الشيوعي العراقي في نقاش حول ضرورة تسلم السلطة من قاسم بعد أن توفرت الوسائل اللازمة. فقد هيمن الشيوعيون على المنظمات الشعبية وتعاظم نفوذهم في الجيش والشرطة. ومع تراجع العلاقة مع عبد الكريم قاسم، دار نقاش في المكتب السياسي واللجنة المركزية بين رأيين، الأول ويتبناه سلام عادل ويسانده جمال الحيدري، والذي يدعو إلى إزاحة قاسم لكونه يمثل الطبقة البرجوازية ولا يمكن الأمان منه في المستقبل. أما الرأي الآخر فيمثله عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين ابو العيس، والذين عرفوا بكتلة الأربعة، التي انتقدت سلام عادل واتهمته بالتطرف في محاولة لعزله من سكرتارية الحزب الشيوعي العراقي. وفي الحقيقة كنت لا أتصور أن هناك من هو أجدر من سلام عادل لتولي منصب سكرتارية اللجنة المركزية. وبالمناسبة فإن هذا التوتر والتكتل داخل الحزب الشيوعي العراقي لم يكن بمعزل عن تناقضات الوضع الدولي والخلافات داخل الحركة الشيوعية والعمالية وبروز الموقف الصيني المتشدد.

 
لقد كانت مسألة التنظيم الحزبي الشيوعي في صفوف الجيش من ضمن القضايا المختلف عليها داخل اللجنة المركزية. فقد دعا المعارضون إلى حل التنظيمات في الجيش لكونها تثير مخاوف قاسم من الحزب الشيوعي العراقي. وكان سلام عادل مع الرأي بالإبقاء على التنظيمات العسكرية. وبعد الأخذ برأي أغلب أراء أعضاء اللجنة المركزية، جرى الاتفاق على إستشارة بعض الجهات الصديقة في الموضوع ، وكان رأيها ضد الحل. وبعد سفر سلام عادل وجمال الحيدري إلى موسكو ومن ثم عودتهما إلى بغداد، نوقشت قضية الكتلة من جديد لاسيما بعد احداث كركوك والموقف الذي اتخذه قاسم من الحزب الشيوعي، الذي غيّر ميزان القوى لصالح سلام عادل. فتم مناقشة الأمر من جديد في اجتماع اللجنة المركزية عام 1962، والذي تقرر فيه تنحية كل من عامر عبد الله وبهاء الدين نوري من مراكزهم الحزبية وتجميد عضويتهما في الحزب، وتجريد زكي خيري من منصبه في المكتب السياسي ونقله للعمل في منظمة الفرات الأوسط، إضافة إلى تنحية محمد حسين أبو العيس من اللجنة المركزية لكونه كان مؤيداً للكتلة. وجاء إقصاء تلك الكتلة بعد تغير قناعة الكثير من الرفاق لصالح رأي سلام عادل ووجهة نظره.

 
ثورة ايلول 1961
بعد سياسة التقارب بين القوى السياسية العراقية التي شهدها العراق في ثورة 14 تموز 1958، والسعي لجذب القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها وميولها إلى جانب الثورة، كانت من ضمن الأولويات معالجة القضية القومية الكردية. كان للكرد نصيب من سياسة الانفتاح بعد الثورة، فقد صدر قرار بالعفو عن الملا مصطفى البارزاني بعد الحكم عليه بالإعدام إثر انهيار حكومة مهاباد في كردستان إيران عام 1946، ولجوئه إلى الاتحاد السوفيتي. وبعد عودته حظي باستقبال وحفاوة من قبل الحكومة العراقية. وجرى تخصيص راتب شهري له وإسكانه في دار نوري السعيد. ومن ثم أُقر الدستور العراقي المؤقت بحقوق الشعب الكردي وجعله القومية الثانية في العراق بعد العرب.

 
إلاّ أن سياسة التقارب بين الجانبين الحكومي والحزب الديمقراطي الكردستاني لم تدم طويلاً بسبب مطالبة الكرد بالحكم الذاتي الذي لم يكن مطروحاً في ذلك الوقت على جدول أولويات الحكومة. وهذا ما دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى إعلان ثورته في أيلول 1961 ضد الحكومة العراقية. نحن كحزب شيوعي لم نكن ميالين للمواجهات المسلحة، بل أن حتى بعض أقطاب الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يؤيدوا بدورهم قرار المواجهة المسلحة. فناقشنا أنا وسلام عادل هذه القضية مع وفد يمثل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأبدا أعضاء الوفد رفضهم لقرار المواجهة. ولكن الرأي كان يعود بالدرجة الأساس للملا مصطفى البارزاني الذي اختار طريق الكفاح المسلح. وقمنا على إثر ذلك بإصدار بيان يحمل شعار”السلم في كردستان والديمقراطية للعراق”. وبدأنا بتثقيف الجماهير بذلك الشعار من اجل نزع فتيل الحرب. ولكن ذلك لم يؤد إلى نتيجة تذكر جراء إصرار الطرفين على حمل السلاح.

 
ويتحمل عبدالكريم قاسم بدوره جزءاً من مسؤولية تفاقم الأزمة. فهو لم يحاول رأب الصدع بين الجانبين وإرسال التطمينات للكرد، بل راح يحشد الجيش في كردستان. وبهذا فرط عبد الكريم قاسم بالتحالف مع الأكراد. كان موقفنا في البداية التزام الصمت، لمعرفتنا أن الكثير من الاقطاعيين الكرد كانوا ينادون بالحرب ضد الحكومة، وهو موقف معروف مناهض للحكومة بعد إقرارها قانون الإصلاح الزراعي. فطرح سلام عادل الموقف الذي ينبغي على الحزب الشيوعي العراقي اتخاذه من تلك القضية على الوجه التالي:”إننا مع الشعب الكردي والبارزاني في مطالبتهم بحقوق الشعب الكردي، ومع الحكومة ضد الإقطاعيين”. كنا نعتقد إن الثورة الكردية سوف لا تدوم طويلاً، ولكنها استمرت لسنوات وأدت الى إهدار خزينة الدولة. وتكبد الطرفان خسائر فادحة في الأرواح. لقد كان من الممكن حل القضية عبر الحوار. وفي ظل استمرار المواجهات المسلحة ، بدأنا كحزب نفكر بضرورة حل المسألة الكردية على أساس الحكم الذاتي في إطار الدولة العراقية. ولكن موقفنا تغير بعد ذلك في ظل الافتراق مع عبدالكريم قاسم، فأيدنا الثورة الكردية، وعملنا في صفوفها بعد انقلاب شباط عام 1963.

 

 

الموقف من سياسة عبد الكريم قاسم
لم يكن الإعداد لانقلاب الثامن من شباط بالحدث المفاجئ. فقد سبقت هذا الانقلاب محاولات مستمرة للقيام بانقلاب يطيح بحكومة عيد الكريم قاسم من قبل القوى القومية وبدعم من قبل الجمهورية العربية المتحدة. وبدأت هذه المحاولات بحركة عبدالسلام عارف مروراً بحركة الشواف، ومن ثم محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في تشرين الأول عام 1959. وبدأت القوى القومية تخطط بنشاط للإجهاز عليه بعد أن تحقق لها نهاية شهر العسل بين قاسم والشيوعيين بعد خطاب عبد الكريم قاسم في كنيسة مار يوسف، والإجراءات التي اتخذها بحق جميع الضباط من ذوي الميول اليسارية، حيث تم إبعادهم عن مواقعهم أو إحالتهم على التقاعد.

 
إن هذا الخطاب يعد نقطة الافتراق بين عبد الكريم قاسم والشيوعيين. فقد بدأت الشكوك تراود ذهن عبد الكريم قاسم حول نوايا الحزب الشيوعي العراقي. وأخذ يتخبط في سياسته، فقام بإطلاق سراح القوميين المتآمرين من السجون، وقرّبهم إليه بالرغم من معرفته بنواياهم. وبهذا خسر عبد الكريم قاسم الأصدقاء ومن ضمنهم حزبنا، حيث أغلقت صحيفته وطورد أغلب كوادره واعتقل العديد منهم. ولكن بعد محاولة اغتياله، زرناه في المستشفى وأعلنا دعمنا له والدفاع عنه. ولكنه كما يبدو كان قد اتخذ قراراً قطعياً وهو أن لا عودة لتلك القوة التي كان يتمتع بها الشيوعيين. ومن ثم دخل عبد الكريم قاسم في صراع مع القوى الكردية في عام 1961، ووجّه الجيش إلى شمالي العراق للحرب ضد الكرد. وبذلك أصبحت الفرصة سانحة للانقضاض على نظام حكمه لوجود أكثر من جبهة ضده، وهي القوى القومية الكردية والمحيط العربي، لاسيما بعد مطالبته بضم الكويت، إضافة إلى ذلك القوة المحركة للانقلاب المتمثلة بشركات النفط بعد أن بادر عبد الكريم قاسم إلى إجراءات التأميم الجزئي لها، ومن ورائها الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما في المنطقة.

 
وبالرغم من محاولاتنا لرأب الصدع مع قاسم، إلاّ أنها لم تجد نفعاً بعد أن رفض منح الإجازة للحزب الشيوعي العراقي، في حين أنه منحها لداود الصائغ ليشكل حزب كارتوني يدور في فلكه، وغايته إضعاف الحزب لأنه على معرفة من الخلاف بيننا وبين الصائغ، علماً أنه على يقين بأن داود الصائغ ليس لديه قوى شعبية مؤيده لحزبه. وقد اخترقنا حزب داود الصائغ من خلال دخول العديد من كوادرنا في صفوف حزبه كي نتمكن من الاستفادة من موقعه وجريدته. فقد كانت كل المقالات المنشورة في جريدة داود الصائغ تكتب من قبلنا، ما عدا المقال الافتتاحي الذي كان يكتبه هو. لقد كانت غاية قاسم على ما يبدو هو تجريد الحزب من قيادته المعروفة.

 
إننا لا نتحدث عن وطنية عبد الكريم قاسم ولا عن نزاهته، ولكن عن الأخطاء في سياسته، علماً إننا لم نكن أبرياء من الأخطاء. فإننا لم نقرأ عبدالكريم قاسم كما يجب، ولم نشخصه جيداً كي نتعامل معه بشكل مناسب. ولربما كان قاسم بمواقفه تلك أراد أن يظهر للعالم أن العراق غير منحاز للاتحاد السوفيتي، وإنه ليس “كيرنيسكي” العراق، كما كانت تروج لذلك الصحف الغربية. إننا كحزب لنا أخطاءنا، وجميع الأحزاب والقوى الأخرى لها أخطاءها. ولهذا السبب تمكن الانقلابيين في 8 شباط عام 1963 من تحقيق هدفهم بعد أن كان الحزب الشيوعي العراقي يمثل حجر عثرة على طريقهم. وتحقق لهم ذلك بإزاحتنا بعد موقف قاسم السلبي تجاهنا كحزب جماهيري.

 
كانت فترة 14 تموز من أجمل الأيام التي عاشها حزبنا. ولكن بعد ذلك عشنا حياة الاختفاء والمطاردة، حتى اضطررنا إلى تسليم اثنين من كوادرنا المعروفة وهم مهدي حميد وحمزة سلمان الجبوري لعبد الكريم قاسم تجنباً للاصطدام به. علماً إن مهدي حميد كان من المساهمين في مقاومة حركة الشواف إلى أن تعرض هؤلاء الرفاق للتعذيب وتم تصفيتهم بعد انقلاب الثامن من شباط 1963.