السبت: 29 فبراير، 2020 - 04 رجب 1441 - 09:09 مساءً
وجوه
السبت: 21 يناير، 2017

في موقعه على الفيسبوك نشر عادل عبد المهدي مقالا إشكاليا ، يصف فيه عراقُين لا يتفقان ، أو غير موحدين ، ومشكوك بمستقبلهما معا ، هما عراق الجغرافية ، وعراق الشعب !

 
المنهج الذي يعتمده واستخدامه للألفاظ محيّران ، أنت لا تدري معهما ، إن كان يبشرنا بعراق آت لا جغرافي ، أو هو يسلم بوجود قوة أكبر منه ومن العراق الجغرافي ستصنع هذا الافتراق بين العراقين . هل هو استنتاج سياسي ناتج عن واقع حال ، أم أنه ساخط على واقع الحال لكنه يعتقد أن عراق الشعب هو حل لا مناص منه بسبب الكلف التي يجب دفعها لإبقاء العراق موحدا . هل هذا ما يريده أو لا يريده لكنه يقنعنا أن نريده لأنه لا مناص منه؟

 
هل هذا من الجنون السياسي ؟ لا . إنه طريقة بالتبشير وعلينا أن نستمع اليه بحذر !

 
لاحظوا العنوان : (التحديات والمستقبل.. “عراق الجغرافيا”.. و”عراق الشعب”) . مقدما نستنتج بوجود عراقين : عراق الجغرافية الذي هو العراق الحالي على الخريطة . وعراق الشعب الذي هو .. (دعونا لا نستعجل بالاستنتاج ، فإزاء حذف الجغرافية لا ندري أي شعب هذا الذي يبقى ويسمى عراقاً . لنستمع الى عادل عبد المهدي !)

 
ولكي يبني تفريقا بين عراقين اثنين يبدأ من تساؤلات منطقية تعيد ، باطنيا ، إنتاج الحالة الراهنة من الانقسام السياسي الطائفي .

 
اليكم الأسئلة ( هل سيبقى العراق موحداً، ويتصالح مع نفسه ومع جيرانه.. وهل سنتجاوز أزمة “داعش” والارهاب ونوفر الامن والاستقرار، ويخضع كل السلاح للقانون والنظام.. وينطلق الاقتصاد ونخرج من اسر الدولة الريعية، ونوفر خدمات ومستويات افضل.. وننعم بقضاء عادل وادارة راشدة.. ونؤسس لنظام عادل ترضاه الجموع ويتعايش معه المخالفون؟)
تصوروا فقط أن من يسأل هذه الاسئلة كان واحداً من أركان نظام صنع خللا هائلا ترتبت عليه أن يسأل سؤالا عن الهوية القادمة للنظام وللوطن كله.

 
اليكم الآن كيف يمشي الى هدفه من تلك الاسئلة إلى نتيجة غريبة :
(إذا بقينا في اطار رؤيتنا للعراق كما عرفناه، فيحن بعضنا للنظام الملكي، واخرون للنظام القاسمي، وغيرهم لنظام البعث، والبقية لنظام اسلامي، فستكون التحديات مخيفة وفوق طاقتنا، وستبدو آفاق المستقبل مغلقة تماماً بالنسبة لجميع هؤلاء. فذلك العراق قد انتهى، ولن يعود سواء اكان فيه كل الخير او كل الشر، او شيئاً من هذا وذاك. واذا بقينا في اطار عراق اليوم، بانجازاته واحباطاته، وازماته وتعطلاته البنيوية المزمنة، فان التحديات والاعباء ستزداد، وسنفشل في بناء دولة ناجحة ومجتمع منتج).
هكذا : لا الحنين الى الماضي ، الناتج عن أزمة النظام الحالي كما هو واضح ، ولا النظام الحالي في بنيته الحالية المأزومة ، تمنحان حلاً !
بعد هذا مباشرة يسأل سؤالا مضحكا مبكيا : “فهل نصاب بالاحباط؟”

 
منطوق هذا السؤال ناتج من الأوصاف السابقة ، لكن عادل عبد المهدي أكثر دهاء ، فهو يستفيد من السؤال باستخدام حرف عطف “أم” المتصلة لربط ما قبلها بالاستنتاج الآتي : (أم أن النظر للامر من زاوية اخرى قد تشير بأننا أنهينا مرحلة، ونقف على أعتاب مرحلة جديدة. وهذه قد تكون إرهاصات ومخاضات معمدة بالدماء والالام، لكنها قد تكون مؤشرات لولادة جديدة. فلنعد لبداية القرن الماضي. فالعراق كان جزءاً مما سمي بـ”الرجل المريض”. ويومها ايضاً كان شبح الحرب مخيماً على العالم.. وهجمات الوهابيين على العراق مستمرة.. والخلافة مهددة بالانهيار والانقسام.. والاسلام في خطر.. والاحتلال والانتداب يفرض نفسه على البلاد.. وغذيت المشاعر القومية مع وعود بالاستقلال وتوحيد البلاد العربية.. واستنهضت المشاعر القومية الكردية مع وعود بدولة مستقلة.. ومن رحم ذلك كله ولدت الدولة العراقية المعاصرة.. رغم ذلك مضت الحياة الى الامام. ونست الاجيال الاشكال القديمة وعاشت حياتها الجديدة.. ونمت الطموحات والاماني من جديد، وتقدم العراق على الكثير من دول المنطقة.. فما بدا كارثة ومستقبلاً مظلماً في بداية القرن العشرين، لم يكن سوى حكم التاريخ على اوضاع قامت وانتهت، وعلى حقائق جديدة استفاد منها من ادرك اتجاهاتها ومنطوقها، ودفع الثمن من تخلف عن ذلك”.

 
حتى الآن يبدو أن دولة العراق المعاصرة تحققت وأسست لها تاريخا .. لكن لا .. هناك تحليل ضامر لعادل عبد المهدي ، يكاد يشبه موقعه في العملية السياسية ، فتاريخه السياسي لا ينبئ تدحرجاته من حزب البعث ، إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ، ورأسا ، مثل شخص ينتحر أو يتوب ، يصبح من كوادر المجلس الاسلامي الأعلى . إذن سوف ينتحر رأسا بعد ذلك العرض في عراق الجغرافية :

 
“”عراق الجغرافيا” تغيّر مئات المرات خلال القرون.. وسيستمر على التغير شئنا ام ابينا. الأهم “عراق الشعب” او الشعوب، وان يتغير للامام، وهو ما يتحقق بادراك متغيرات العصر، والتيارات الصاعدة ووضع نفسه في مساراتها، والتيارات الهابطة وأهمية الابتعاد عنها. وستضغط التحديات الحالية الداخلية والخارجية على “عراق الجغرافيا”.. وسيتحدد افق المستقبل بخيارين: ١- انغلاق الفكر على اشكال واطر متخلفة، وبلوغ المعادلات الداخلية حد العجز، فيظهر الشكل الموروث والحالي كرجل مريض يحتضر.. ٢- الاهتمام اولاً بالمضمون قبل الشكل، والسعي لمواجهة التحديات برؤى واطارات اكثر ملائمة مع الاوضاع الجديدة، والتي قد تختلف عن الكثير مما قمنا ونقوم به في الماضي او حالياً، وذلك على الصعد المحلية والخارجية. فيتم استثمار عوامل الشد والدفع الخارجي، لتوليد زخم داخلي، ليعوم نفسه عليها، وليضع شعبنا نفسه بكافة تلاوينه في فضاءاته المختلفة وطنياً.. ويستثمر التعددية الداخلية للانفتاح على اوسع الروابط والامتدادات الخارجية”.

 
بالرغم من غوامض الجمل السابقة ، وفي السياسة الكثير من الغوامض ، الا ان السيد السعيد بـ”التعددية الداخلية للانفتاح على اوسع الروابط والامتدادات الخارجية” ، سيستثمرها الآن في التنبيه من البقاء في عراق الجغرافية ، اي أن علينا مغادرة جغرافية العراق ليس الى المريخ بل إلى عراق الشعب . ما هو عراق الشعب؟ انتظروا واقرأوا تنبيهات هذا المفكر الذي لا يريد لنا أن نتوهم بجغرافية العراق المتبدلة:

 
“البقاء في “عراق الجغرافيا” سيعني اما سلسلة من الانقسامات كالانقسام بين الشيعة والسنة، او الكرد والعرب، وقس على ذلك، او تعطيل متبادل وازمات وصراعات، وسيبدو بعضنا متآمراً على الاخر. فهذا سيبدو صفوياً يتآمر على العرب.. وذاك سيبدو انفصالياً تدعمه قوى خارجية.. وثالث سيبدو سلفياً متحالفاً مع الارهاب. وقس على ذلك”.

 
إن أتعس ما سيقوله لم يأت بعد . هاكم هذه الجملة الغريبة التي هي جملة مفتاح :
“نخلص للقول إن التعددية التي لعبت دوراً معطلاً لحد الان، هي كنز وثروة تسمح لنا التوسع نحو فضاءاتنا الخارجية”
ما هذا ؟ كيف لعبت التعددية دورا معطلا ، وهي في نفس الوقت كنز وثروة تسمح لنا … الخ . لكنها مفتاح لقفل آخر .. هاكم ما يقوله مباشرة :

 
“بالمقابل فان المحاور الاقليمية واتجاهاتها، والتي مثلت لحد الان، اختراقاً لنسيجنا وامننا ومصالحنا، هي عوامل دعم واسناد” .
هل فهمتم؟ الحقيقة أن السيد يقرأ الان في صحيفة اقليمية ويترجم لنا نصا غريبا . وحتى لا نتهمه بأنه يأخذ (سندا) من دولة اقليمية حاشى لله ، نكتفي بالقول إنه غامض كونه لا يجيد استخدام الكلمات ، فيتعثر ، وسيتعثر على نحو رائع ، أي تماما قبالة المذبح الإنقسامي الطائفي الحالي ، هذا الذي يسميه عراق الشعب أو الشعوب . إقرأوا جمله الأخيرة :

 
“ان وضعنا العراق في مكانه الصحيح، ليلعب دوره المرسوم له تاريخياً، والذي لهذه الاسباب كان ارض نبوة ورسائل سماوية، وارض إمامة وشرائع وحضارات.. وعواصم حكم لأهم الامبراطوريات، او كراسي حكم لدول الخلافة في قمة مراحل صعودها وتقدمها. “عراق الجغرافيا” الخانقة لنفسها سينتهي.. ونحن نشهد على الاغلب ولادة “عراق الشعب” او الشعوب” “.

 
هل فهمتم ؟ السيد محرج وهو يتكلم ، فلا تستجيب كلماته الا للسياق الذي وضعه للعنوان . هاهو يبدو في النهاية كأنه يعتذر ، لكنه من جديد يخطئ في المنطق وعلاقات اللغة . يقول:

 
“ما يحزننا ان ذلك لا يجري بوعينا، وارادتنا، بل هو يجري بالضد من ارادتنا المغالطة، ووعينا المزيف”.

 
لهذا “البحث” حسب السيد عادل عبد المهدي صلة . نرجو في (الصلة) ان يوضح إن كان عراق الجغرافية “الخانق” سينفتح على الأقاليم المتاخمة ، أم سينفتح روحانيا وتصعد روحه الى السماء!.