الجمعة: 16 نوفمبر، 2018 - 07 ربيع الأول 1440 - 03:46 مساءً
سلة الاخبار
الأثنين: 15 أكتوبر، 2018

عواجل برس/متابعة

علي سعادة

مر بتحولات وتقلبات أوقعته في دائرة الاتهام بالانتهازية بحثا عن مناصب سياسية.

منافسوه يقولون إنه شخص غير متدين رغم أنه عضو قيادي في التيار الإسلامي.

يبرر تحولاته الفكرية والسياسية بقوله، إن الأمر استغرق 50 عاما، وهي فترة طبيعية ليتغير المرء، كما يصف نفسه بالسياسي الواقعي، لكن مع الحفاظ على المبادئ.

في بداية حياته تأثرا بالفكر العروبي وانتسب لحزب “البعث العربي الاشتراكي”، إلا أنه في مرحلة لاحقة انخرط في التيار الماركسي وتحديدا “الماوي” نسبة للرئيس الصيني ماو تسي تونغ.

 لكنه فيما بعد  غير ولاءه السياسي نحو النقيض بالانتماء إلى “المجلس الإسلامي الأعلى” بقيادة رجل الدين محمد باقر الحكيم، عندما كان المجلس ينشط في إيران بعد الثورة الإسلامية، وإبان الحرب العراقية الإيرانية.

قربه من طهران لم يمنع الرجل من بناء علاقات سياسية “طيبة” مع زعامات الحزب “الجمهوري” الأمريكي الحاكم، كانت قد توطدت بعد الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش.

عادل عبد المهدي المنتفكي المولود  في عام  1942 في بغداد، ينحدر من عائلة علوية برجوازية سكنت المنتفك (الناصرية حاليا) وأصلها من الكوت، كان والده وزيرا في عهد الملك فيصل الأول، وكان أيضا نائبا في مجلس الأعيان العراقي، ممثلا للمنتفك (الناصرية) الذي أكسبه لقب المنتفكي.

تأثر في شبابه بالأفكار القومية العربية، وله صداقات طفولة مع أحمد الجلبي وإياد علاوي.

تعرض عبد المهدي للسجن في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وحكم عليه بالإعدام في ستينيات القرن الماضي.

وقبل الحكم عليه  كان قد حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من “جامعة بغداد” عام 1963، ثم في فترة لاحقة غادر إلى فرنسا وحصل على الماجستير في العلوم السياسة من “المعهد الدولي للإدارة العامة” بباريس عام 1970، والماجستير في الاقتصاد السياسي في جامعة “بواتيه” بفرنسا عام 1972.

بقي في فرنسا  حتى عام 1972 حيث ذهب بعدها إلى سوريا ومن ثم إلى لبنان، وبقي فيها إلى وقت الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 ليغادر من جديد  إلى فرنسا.

بعد سقوط العاصمة العراقية تحت الاحتلال الأمريكي في عام 2003 عاد إلى العراق، ليساهم  في فترة وجيزة في صياغة الدستور العراقي الجديد، وليصبح أحد نائبَي الرئيس العراقي عام 2005، بعد أن كان مرشحا لمنصب رئيس الوزراء لكنه تنازل لصالح إبراهيم الجعفري، وكان آخر منصب تولاه وزارة النفط التي استقال منها في عام 2016.

وبعد انتخابات برلمانية متقاربة، كلفه الرئيس العراقي الجديد برهم صالح بتشكيل الحكومة العراقية، بعد أن رشحته الكتل الكبرى المتنافسة لهذا المنصب، ليمنح الرجل  فرصة 30 يوما لتشكيل حكومته وعرضها على البرلمان للمصادقة عليها، وتبدو مصادقة في حكم المضمون من الآن.
ويبدو أن عبد المهدي لم يواجه معارضة قوية من جانب الأطراف الكردية والسنية والكتل الأخرى، وأيضا المرجعية الدينية ممثلة بالمرجع الشيعي علي السيستاني.

يعتبر عبد المهدي رئيس وزراء العراق رقم 49 منذ عام 1920، ورقم 4  بعد غزو العراق في عام 2003.

وجرى العرف، كما نص الدستور في العراق أن  تكلف “الكتلة الأكبر” بتشكيل الحكومة، لكن منعا من التوتر وإفشال التفاهامات، اتفق على  تجاوز مسألة ” الكتلة الأكبر”.

وتبين ذلك  بشكل واضح  “كتلة الصدر” التي قال زعيمها مقتدى الصدر، “إن العراق أكبر من الكتلة الأكبر”؛ في إشارة على الأرجح إلى الحل الوسط.

وهو ما رفضه رئيس حكومة تصريف الأعمال، حيدر العبادي، الذي قال، “إن مرشح التسوية هو الأضعف، لأنه يلبي كل المطالب” متسائلا: “لماذا نختار الأضعف رغم وجود مرشحين رسميين؟”.

تولي عبد المهدي رئاسة الحكومة القادمة، ينهي 13 عاما من حكم “حزب الدعوة” على العراق، بعد أن تولى رئاسة الوزراء كل من: إبراهيم الجعفري، ونوري المالكي، وحيدر العبادي.

يتفق عبد المهدي مع حكم إسلامي يكون أكثر اعتدالا من النموذج الإيراني، ولا يقر بوجود مخاطر من رياح الدولة الدينية القادمة من إيران. لكن مراقبين يرون أنه لن يخرج عن أجندة “المجلس الأعلى” في علاقة الدين بالدولة.

علاقات عبد المهدي الإقليمية قد تفيده وتساعده في تشكيل حكومة مقبولة؛ إذ إنه يمتلك رصيدا معقولا في علاقاته مع الوسط السياسي العراقي ومع الدول الإقليمية، لكن كل ذلك مرتبط بالدرجة الأولى بتحسن في الخدمات التي وصلت إلى مرحلة الإنعاش والسخرية، في ظل انقطاع مستمر للكهرباء في بلد نفطي، وأزمة مياه في بلد يقسمه نهران. 

لكن انطلاق الحزمة الثانية من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية الأمريكية على إيران في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وموقف العراق من جدية الالتزام بها، يضع عبد المهدي أمام تحديات معقدة وحساسة.
 فظل إيران يهيمن على بغداد، وحلفاؤها لا يستهان بهم، وهم في جميع المواقع القيادية والحساسة والنافذة في العراق.

ومعظم المسؤولين العراقيين منذ عام 2003 مروا عبر طريق بغداد- طهران وبالعكس.

كما أن عبد المهدي سيكون أمام اختبار آخر، وهو  إصدار تعليمات تفصيلية لقانون “هيئة الحشد الشعبي”، والموقف من الفصائل العابرة للحدود والفصائل غير منضوية تحت ” الحشد الشعبي”، بالإضافة إلى الموقف من الفصائل الكردية المسلحة في شمال العراق ومن جنسيات غير عراقية.

وسيكون عبد المهدي أمام تحديات أخرى، من بينها تراجع  النمو الاقتصادي، وتجفيف منابع مافيات اللجان الاقتصادية للأحزاب، ومكافحة الفساد والبيروقراطية وفرض الأمن من أجل بيئة آمنة مشجعة للاستثمار.

ويقول دبلوماسيون عراقيون، إن الرئيس العراقي برهم صالح وعادل عبد المهدي، كلاهما شخصيات مجربة قد يكونا الحل الوحيد المتاح، مستبعدين أن تكون إيران قد فرضتهم أو جاءت بهم، فهم في جميع الأحوال أفضل الموجود الذي يساعد في الوقت الحاضر، دون أن يغفل المتابعون للشأن العراقي أن يكون ثمة موافقة أمريكية إيرانية على الرئاسات الثلاث في العراق، البرلمان والجمهورية والحكومة 

ورغم إعلان جميع الكتل السياسية دعمها لرئيس الوزراء الجديد لاختيار “الشخص المناسب في المكان المناسب” وفقا لمبدأ التكنوقراط، إلا إنها غير مستعدة للتخلي عن حصصها في الوزارات والمناصب في الحكومة الجديدة.

وحتى لا تكون المحاصصة سببا في مزيد من الانقسام، فقد طالب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بالإبقاء على المناصب الأمنية الحساسة في يد عادل عبد المهدي حصرا، محذرا إياه من “الدولة العميقة”.