السبت: 23 فبراير، 2019 - 17 جمادى الثانية 1440 - 01:33 صباحاً
دفاتر
السبت: 9 فبراير، 2019
عواجل برس/متابعة
د. صبحي ناظم توفيق “عميد ركن متقاعد… دكتوراه في التأريخ” تمهيد الذي دفعني لخوض هذا الشأن هو ما تحدّث به الأستاذ “حسن العلوي” عمّا كان يدور منذ عام (1975) في خاطر “صدام حسين” لإحتلال “الكويت”… وفي الوقت الذي لا أعتبر ذاتي على معرفة بهذه الأمور بقدر 10% مما يعرفه الأستاذ “العلوي”، فقد وددتُ أن أسرد ما شاهدتُه وإطّلعتُ بشأن الحدود مع “دولة الكويت” بحكم عملي ليس إلاّ.
فمنذ (تموز/1977) ولأكثر من عام واحد شاء قَدَري أن أشغل منصب “ضابط ركن قسم القضايا الحدودية” لدى “شعبة إعداد الدولة للحرب” وسط إحدى أهمّ دوائر وزارة الدفاع حسّاسية، والمتمثّلة بمديرية الحركات العسكرية التابعة لدائرة العمليات.
لم تكن هناك شائبة تُذكَر في العلاقات الحدودية بين “العراق” ودول جوارها الأربع “تركيا، سوريا، المملكة الأردنية، المملكة السعودية” فقد كانت مستقرة وخالية من أية مشكلات، ولكن عدداً من المعضلات تواصلت -منذ التأريخ القديم- عالقة مع الجارة الشرقية “إيران” جراء عدم الإتفاق النهائي حول (ثلاثة) مواقع حتى بعد إبرام “إتفاقية الجزائر” في (6/3/1975)، وكذلك كان الحال حيال “دولة الكويت” لعدم ترسيم حدودها البرية غير الواضحة بشكل رسمي متّفق عليه مع “العراق” والبالغة (230) كلم، رغم إنقضاء (46) سنة على إستقلالها من “بريطانيا” وإنبثاق دولتها الفتيّة وقبولها -بضغط عربي ودولي وعلى وجه السرعة – عضواً لدى الجامعة العربية عام (1961) قبل إنضمامها رسمياً لمنظمة الأمم المتحدة سنة (1963).
إهتمامي بحدود الكويت لذلك كان عليّ وجوباً سبق النظر وإستيعاب هذه المشكلات الشائكة مع تلكما الدولتين بإستطلاع مواقعها ميدانياً سيراً على قدَمَيَّ لإستهضام ملفّاتها الخاصة والمحتضنة لوثائق -معظمها سرية للغاية- ومكاتبات وتقارير ومحاضر وفود وإجتماعات بينيّة ومعلومات وحقائق في غاية الأهمية، أُعِدَّت في مراجع عليا أو وردت من وزارات عديدة ودوائر حسّاسة كي أمسي بصورة وافية وعلى إستعداد في أية ساعة لحضور أي إجتماع طارئ تفرضه الظروف والمتطلّبات الآنية.
ورغم كون الشوائك مع “إيران” أكثر حساسية من الناحية السياسية وأعظم أهمية من الوجهة التأريخية، لكني أُرجئ خوضها بمقالة مفصّلة لاحقة لأركّز في هذه المقالة على ما عشتُه بأحد أيام عام (1978) في ما يخصّ الحدود مع الجارة “الكويت” وقتما كان “الشيخ جابر السالم الصباح” قد جلس قبل أشهر على كرسيّ الإمارة عقب وفاة أخيه “الأمير صباح السالم الصباح”.
ففي تلك الفترة أعلمتنا وزارة الخارجية العراقية أن سمو “الأمير جابر” عازم على إثارة موضوعة ترسيم الحدود في قادم الأيام، لذلك أمسيتُ أركّز على مراجعة الملفات الخاصة مع الخرائط، وعرضتُ آخر المستجدات على الخريطة بإجتماع مصغّر أمام السيد رئيس أركان الجيش “الفريق أوّل الركن عبدالجبار خليل شنشل” ومعاونه “الفريق الركن عبدالجبار عبدالرحيم الأسدي”، وبحضور مدير الحركات العسكرية “اللواء الركن سعدالله يونس الطائي” ومدير شعبة إعداد الدولة للحرب “العقيد الركن طارق صادق عبدالحسين”.
الرئيس “صدام حسين” مع “الشيخ جابر السالم الصباح” أمير دولة الكويت إبلاغ مفاجئ مع منتصف نهار (الثلاثاء- 14/3/1978) فتح “العقيد الركن طارق صادق” باب مكتبي طالِباً مني الصعود سراعاً إلى مكتب “اللواء الركن سعدالله” لأجده واقفاً ومرتبكاً في الـمَمَر وهو يأمرني بسرعة إصطحاب خرائط الحدود مع “الكويت” والتوجّه فوراً إلى مكتب “الفريق شنشل”…
وعلى الرغم من كون خرائطي مؤشرة وجاهزة من جميع الوجوه وفي متناول يدي وإضطراري إلى الركض وسط ممرات الدوائر، فقد وجدتُ “الفريق شنشل” على أعصابه متجهّماً -كعادته- واقفاً خارج مبنى ديوان الوزارة مشيراً عليّ بالجلوس إلى جنبه في سيارته العسكرية التي أسرَعَتْ بنا في شوارع “بغداد” ومن دون أنْ يوضّح لي سيادته وجهتنا، حتى إنتبهتُ لإجتيازنا بوّابة “مبنى المجلس الوطني”، والذي كان معظم العراقيين يعلمون أنّ “صدّام حسين” -نائب رئيس مجلس قيادة الثورة- قد إتّخذه مكتباً لدوائره منذ (1968).
وكانت المفاجأة أكبر حين دخلتُ برفقة السيد رئيس الأركان قاعة إجتماع متوسطة المساحة وقد جلس في جانب منضدة طويلة وعريضة وفدٌ يرتدي -بمعظم شخوصه- زيّاً خليجيّاً والبعض منهم عسكريّون، والذين لولا قيافتهم الرسمية الموحّدة لما إنتبهتُ أنهم كويتيّون، يقابلهم وفد عراقيّ رفيع المستوى يماثلهم بالعدد ويمثّلون وزارات “الخارجيّة، الداخليّة، الماليّة”، وأوانَئِذٍ فقط أيقنتُ سبب حضوري هذا الإجتماع، ومن دون أنْ أستطيع -بطبيعة الحال- مُعاتبة السيّد رئيس أركان الجيش لعدم بَوْحِهِ لي بهذا السرّ، على الأقلّ لأتَهَيّأ نفسيّاً.
لم ننتظر طويلاً حتى أطلّ علينا “الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح” وليّ العهد -والذي يتولّى مناصب رئيس الوزراء ووزير الداخلية والخارجية في وقت واحد- إلى جانب النائب “صدّام حسين” يصاحبهما وزير خارجيتنا “الدكتور سعدون حمّادي” حيث نهضنا جميعاً إحتراماً لهم.
الشيخ “سعد العبدالله السالم الصباح” ولي العهد الذي تبوّأ رئاسة وزراء دولة الكويت منذ (16/2/1978) نائب رئيس مجلس قيادة الثورة “صدام حسين” مع “الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح” وليّ عهد دولة الكويت ورئيس وزرائها عام (1978) وبعد الإطراء والترحاب والمجاملات -المُعتادة- بشأن صداقة الدولتين العربيّـتَين الجارتَين الشقيقتين واللّتان تربطهما علاقات حسن الجوار والتأريخ المشترك، فقد عَرَضَ “د.سعدون حمّادي” -بلباقته المعهودة ورصانته- عدداً من المشكلات القائمة -من وجهة النظر العراقيّة- وأسباب عدم التوصّل إلى إتّفاق نهائيّ لتخطيط حدودهما وفقاً للمواثيق الدوليّة المُتَعارَف عليها، وقبل أنْ يأتي دور “الشيخ سعد” ليتطرّق إلى المعضلات -حسب الرؤية الكويتيّة- بالشأن نفسه، مُبْدِياً رجاءَه بأنّ هذا الوفد الكبير لم يأتِ لزيارة العراق الشقيق لأنْ يُرَدّ على يد كُرَماء معروفين بمواقفهم والفروسيّة، بل أتى لينهي أو يضع حدّاً لهذه المُتعلّقات ويمهّد لإبرام إتّفاق يُرضي الطرفَين ويريح بالهم. وبعد أنْ طُلِبَ منّي سرد تفاصيل مواقع المراكز الحدوديّة المُحَدّدة المُخْتَلَف عليها،
فقد أوضحتُ على خريطة ذات مقياس كبير (1/25,000) أنّ القوات الحدودية التابعة لدولة الكويت قد تجاوزت على الأراضي العراقيّة -حسب رؤيتنا المُسْـتَنِدة على مستمسكات رسميّة للحدود الإداريّة لـ”قضاء الكويت” الذي كان تابعاً لـ”ولاية البصرة” في عهد الدولة العثمانيّة، قبل أنْ تتحوّل إلى “محميّة بريطانيّة” وفقاً لمعاهدة ثنائية -لم تُبرَم بين دولتين- وبعمق يتراوح بين (13-20) كلم في أقصى البقاع الجنوبيّة لـ”محافظة البصرة” حيث أنشَأت “الكويت” في ربوعها (8) مخافر حدوديّة تحيطها أعداد من المدرعات الخفيفة والرشاشات الثقيلة، بعضها وقتيّة وغالبيّتها مخافر كونكريتيّة محصّنة…
وذلك قبل أنْ ينهض “عقيد ركن كويتي” ليُدافِع بوجهة نظر مُغايِرة عن صحّة المواقع الكويتيّة تلك وعدم تجاوزها أرض العراق. مداخلة “صدام حسين” فاجأ “صدام حسين” الجميع عند مقاطعته ضابط الركن الكويتيّ، على الرغم من لباقته المعهودة بالإعتذار -في حينه- فساد الوجوم وجوه الشيوخ والآخرين ونحن معهم، قبل أنْ ينتبهوا بعدئذٍ لعباراته باللهجة العامية العراقية مع مفردات بدوية:- ((يا إخوان…
لقد أطِلنا الحديث بشأن موضوع تافه أثّر سَلباً حتى على أعصابنا التي نتمنّاها “رائقة” ونحن نستقبل إخوةً أعزّاء على قلوبنا ونفوسنا، هم ليسوا ببلدهم الثاني بل في بلدهم الأوّل.
يا إخوان إسمعوني جيداً، نحن عرب أشقّاء أوّلاً وأخيراً، لا حدود بيننا من حيث الأساس كي نختلف عليها، فأرض العرب واحدة يجمعهم وطن عربي واحد نحن أوّل الداعين لوحدته، وما هذه الحدود الشكلية سوى صنيعة المستعمرين وتقسيمهم، بينما نتصرّف -في الواقع- وكأننا مُتَنازعون على إرث؟؟
لذلك إنْ كنتم قد إنتهيتم من شروحاتكم وخطاباتكم، فإني أُخَوّل نفسي بالقول لكم أنْ تعودوا إلى بلدكم وقتما تشاؤون براحة بال وطمأنينة، وسنزوّدكم نحن بخريطة فارغة أُوَقِّعُ شخصيّاً على بياضها، لتُخطّطوا عليها حدود “دولة الكويت” الشقيقة مثلما يروق لكم من دون تحفّظ ولو بلغتم حدود “بغداد” العزيزة، وأعِدكم بموافقتنا على كلّ تأشيراتكم مُسبَقاً من دون أن نتدارس تفاصيلها.
والآن فلنترحّم على روح فقيدنا الغالي “الشيخ صباح السالم” الطاهرة مع تمياتنا بالموفقية لخلفه “الشيخ جابر” الشقيق، ولنتوكّل على الله ونتناول طعام الغداء قبل أن نزور السيد الرئيس “أحمد البكر” للسلام عليه، فهو بإنتظارنا)).
الفرح يعمّ الكويتيين وفي حين صَفَّقَ الوفد الكويتيّ فرِحاً، وتَحاضَنَ الشيوخ مع “صدام حسين” مُغتَبِطين بالنتيجة التي آلت إليها زيارتهم غير المعلنة وهذه الجلسة التأريخيّة، فقد أمرَني “الفريق شنشل” أنْ أُسلّم للعقيد الركن الكويتيّ خريطتي الخاصة على أن تكون فارغة من أية تأشيرات، فأودعتُها بين يديه بعد أن وقّعتُ في زاويتها العليا وجعلتُه يوقّع كذلك كي تعتبر الخريطة ذِمّةً تُعاد إلينا لاحقاً.
بعده توجّهنا لنتناول طعاماً لم أشهد له مثيلاً في صنوفه وأسلوب عرضه وفواكهه ولذائذ مرطّباته وحلويّاته حتى ذلك اليوم منذ إنطلقتُ من رَحِم أمّي إلى هذه الحياة قبل (33) سنة.
ما بعد الخريطة بعد إنقضاء (3) أشهر إستلمتُ الخريطة ذاتها من وزارة خارجيّتنا وقد خطّطَ عليها الكويتيّون الحدود الشمالية لدولتهم مع العراق -حسب رؤيتهم وطموحاتهم- فصَوَّرتُ منها نُسَخاً لنحفظها بمثابة وثيقة شبه رسميّة في شعبتنا، وبعد مناقشات تكاملت بشأنها ملحوظاتنا الإيجابية وتحفّظاتنا السلبية التي رُفِعَت إلى وزارة الخارجية بتوقيع السيد وزير الدفاع “الفريق أول الركن عدنان خيرالله”.
مساء يوم (الأحد 25/6/1978) رأس الدكتور “سعدون حمادي” إجتماعاً إستغرقت (4) ساعات بديوان وزارته:-  مدير عام الدائرة العربية بوزارة الخارجية.
 مدير عام المساحة والأراضي- ممثلاً عن وزارة المالية.  العقيد الركن “ثامر حمد الحمود”- مدير شعبة الحركات في قيادة قوات الحدود- ممثلاً عن وزارة الداخلية.
 العقيد البحري الركن “عبد محمد الكعبي”- مدير شعبة العمليات لدى قيادة القوة البحرية- ممثلاً عن القيادة.  المقدم الركن صبحي ناظم توفيق- ضابط قسم القضايا الحدودية لدى مديرية الحركات العسكرية- ممثلاً عن وزارة الدفاع.
آخر المطاف وبعد تكامل مجاميع الآراء والملحوظات والتحفّظات فقد رفعها السيد وزير الخارجية -مرفقة بتلك الخريطة وخرائط أخرى أكثر تفصيلاً- إلى مكتب “السيّد النائب”، ولكن من دون أن يبتّ فيها أحد أو يُعَلّق عليها أو تُعاد إلينا لـِما يربو على (6) أشهر، ولربما كانت المنطقة في تلك الأشهر منشغلة بمجريات المظاهرات العارمة في الشارع الإيراني التي أدّت إلى إنهيار نظام الشاه “محمد رضا بهلوي” أوائل (شباط/1979)، وقتما أُقْحِمَ الشرق الأوسط برُمّـته في خضمّ مواقف أنست “العراق والكويت” خلافات حدودهما، وستورّط “العراق وإيران” في حرب ضروس لثماني سنوات متتالية وعلى مقربة من سواحل الكويت وأرضها، والتي سوف لَنْ تُثيرها الدولتان لغاية قرار النظام العراقيّ بغزوه الغادِر يوم (2/8/1990) والذي لم يخطر على بال أحد وقوعه، والذي نعاني من تبعاته وذيوله وإرهاصاته لحد يومنا الراهن.