الأثنين: 22 يوليو، 2019 - 18 ذو القعدة 1440 - 09:07 مساءً
سلة الاخبار
الأحد: 7 أبريل، 2019

عواجل برس/متابعة

تدخل إيران في صراع جديد في شمال العراق، لكن هذه المرة ليس مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل مع تركيا، الجارة الشمالية للعراق. الدولتان تحاولان بسط نفوذيهما على المحافظة ومركزها مدينة الموصل التي خرجت قبل أقل من عامين من حرب دمّرت نصفها.

لكل من إيران وتركيا أدوات خاصة سياسية وعسكرية، وأيضاً شعبية إنْ احتاجا إليها. قبل يونيو 2014، عندما سيطر تنظيم داعش على الموصل، كان النفوذ التركي في المحافظة هو الأوسع والأقوى، وربما الوحيد. لكن بعد تحرير المدينة تغيّر كل شيء.

في ديسمبر 2015، وقبل انطلاق عمليات تحرير نينوى بعشرة أشهر، وسّعت القوات التركية معسكراً لها في بعشيقة في محافظة نينوى، وبعشيقة هي ناحية تابعة لقضاء الموصل ويسكنها خليط من العراقيين المسيحيين والإيزيديين والشبك وبعض المسلمين.

وتتواجد القوات التركية بشكل متقطّع في معسكر بعشيقة منذ عام 1996، بموجب اتفاق بين تركيا ونظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، حسبما يوضح لرصيف22 الباحث في الشؤون الأمنية هشام الهاشمي. لكن هذا التواجد ثبت عام 2015 مع سيطرة داعش على الموصل.

وبعدما ثار سجال حول التواجد التركي في بعشيقة، قال رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو في أكتوبر 2016 إن “الحكومة العراقية هي مَن قام بدعوتنا إلى بعشيقة. لا تؤاخذونا. لن ننسحب. هنالك أبناء من جلدتنا يطلبون منّا المساعدة”.

أما إيران، صاحبة السطوة الأكبر حالياً، فلم يكن لديها نفوذ يذكر قبل عام 2014، ولكنها الآن صارت تلعب دوراً كبيراً في تغيير مسارات سياسية وأمنية وتحريك الرأي العام في بعض الأحيان.

وتبقى الموصل واحداً من أحلام إعادة الإمبراطورية العثمانية، إذ كانت إحدى ولاياتها قبل عقود طويلة. وعام 2016، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن الموصل: “هذه الجغرافيا التي نتحدث عنها الآن جزء من روحنا. حتى إذا كانت ثقيلة على قلوبنا نحن نحترم الحدود الجغرافية لكل دولة”.

لكن في ذات العام، طالب أردوغان بضرورة تعديل اتفاقية لوزان لعام 1923 والتي حدّدت الحدود التركية الحالية. وتزامن حديثه مع ما نشرته وسائل إعلام تركية من معلومات تشير إلى احتفاظ تركيا بـ77 ألفاً و63 وثيقة تسجيل أملاك أصلية تعود إلى فترة الحكم العثماني في كركوك والموصل.

تلعفر بين طهران وأنقرة

تعمل إيران منذ سنوات ليست بالطويلة على إنشاء طريق بري بينها وبين سوريا، يُعرف بالطريق الواصل بين إيران والبحر المتوسط. هذا الطريق يجب أن يمر بمحافظة نينوى المتاخمة للشرق السوري، تحديداً عبر تلعفر ذات الغالية التركمانية الشيعية.

هل تحوّل العراق إلى “غوانتانامو” لعناصر داعش الأجانب؟

الجيش الأمريكي يُقِرُّ: إيران الرابح الوحيد من غزو العراق

توترات بين واشنطن وطهران والحشد الشعبي… هل ينفجر الوضع في العراق؟

واحد من العوامل التي تدفع باتجاه نجاح إيران أو تركيا هو الانتماء القومي والمذهبي لسكان تلعفر. التركمان الشيعة جذورهم القومية مرتبطة بتركيا، أما مذهبياً فهم أقرب إلى إيران، لذا صار سكان هذا القضاء بين نارين.

أثناء عمليات تحرير قضاء تعلفر من داعش، اعترضت تركيا على دخول الحشد الشعبي إلى القضاء، وحذّرت في نوفمبر 2016، على لسان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين، من أن “دخول المليشيات الشيعية وحدها إلى تلعفر يدفع بسكان المدينة إلى الاحتماء بداعش، لأنّ دخولها سيؤدي إلى صراع مذهبي، وهذا ما يريده تنظيم داعش”.

يقول الباحث هشام الهاشمي لرصيف22 إن “تركيا وإيران تعوّلان على كسب المنافسة في الموصل، خاصة وإنهما تعتبرانها منطقة استراتيجية في ما يخص الطرق، وكذلك منطقة غنية، لذا هما أكثر تنافساً على السلطة وعلى الثروات في مناطق شمال غرب نينوى”.

ويضيف أن “تركيا تنظر إلى المساحة الجغرافية هذه على أنها منطقة بعد اقتصادي وأمني، وإيران تنظر إليها على أنها واحدة من طرق تصدير الثورة باتجاه ما يُعرف بطريق طهران بيروت”.

شكل الصراع على الأرض

لمدّ نفوذها إلى نينوى، تعتمد تركيا منذ ما قبل عام 2014 وبعده على عائلة آل النجيفي، هذه العائلة التي ينتمي إليها المحافظ السابق أثيل النجيفي، وشقيقه نائب رئيس الجمهورية السابق أسامة النجيفي. أما إيران، فيُقال إنها أوصلت المحافظ المقال نوفل العاكوب إلى المنصب.

وفي 24 مارس الماضي، وبناء على طلب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، أقال مجلس النواب العراقي، في تصويت بالإجماع، نوفل العاكوب ونائبيه، على خلفية حادثة غرق عبارة في الموصل أودت بحياة أكثر من 100 شخص، وذلك “للإهمال والتقصير الواضحين في أداء الواجب والمسؤولية، ووجود ما يدل من تحقيقات تثبت التسبب بالهدر في المال العام واستغلال المنصب الوظيفي”، حسبما جاء في حيثيات طلب عبد المهدي.

وبعد إقالة المحافظ، دخلت إيران بقوة على الخط للدفع باتجاه تعيين أحد المقرّبين منها مكانه. والمرشح الأبرز حالياً للمنصب هو النائب منصور المرعيد، وهو عضو كتلة (عطاء) التي يرأسها رئيس هيئة الحشد الشعبي، مستشار الأمن الوطني فالح الفياض المقرب من إيران.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة البيان وأحد النشطاء الموصليين علي أغوان لرصيف22: “رغم الصراع والمنافسة على المنصب إلا أن المرعيد هو المرشح الأبرز حالياً، وهذا قد يؤشر على أن إيران تدفع باتجاه تبنّيه”.

لكل من إيران وتركيا أدوات خاصة سياسية وعسكرية، وأيضاً شعبية إنْ احتاجا إليها، في مدينة الموصل العراقية ومحافظة نينوى. قبل تمدد داعش، كان النفوذ التركي في المحافظة هو الأوسع والأقوى، وربما الوحيد، لكن الآن تغيّر كل شيء

ترتبط مدينة الموصل العراقية بأحلام إعادة الإمبراطورية العثمانية، إذ كانت إحدى ولاياتها قبل عقود طويلة. ولكن الآن، صارت إيران صاحبة السطوة الأكبر هناك، وصارت تلعب دوراً كبيراً في تغيير مسارات سياسية وأمنية وتحريك الرأي العام

لكن إيران لا تعتمد على شخصية واحدة فقط وإنْ كانت في المنصب الأعلى في المحافظة، بل تعتمد على وجود نفوذ كبير للحشد الشعبي المقرّب منها، والذي حقّقه بعد عمليات التحرير التي انتهت أواخر عام 2017.

ويتمركز الحشد الشعبي في مناطق عدة من نينوى، رغم مطالبات كثيرة بإخراجه منها. وأحدث الحشد تغييرات واسعة في واقع النفوذ في المحافظة، إذ لم يعد للنفوذ السنّي مكانة كبيرة مثلما كان الحال من قبل، برغم أن المنطقة ذات غالبية سنّية.

يمتلك أثيل النجيفي، وهو أحد المتهمين بالمسؤولية عن سقوط مدينة الموصل، قوة تُسمّى “الحشد الوطني”، مشكلة من أبناء محافظة نينوى، ويُقدّر عدد عناصرها بـ60 ألف مقاتل، بحسب ما نشره الحشد من معلومات عن نفسه.

تلقّت هذه القوة التدريب على يد قوات تركية، وتستلم رواتبها، بحسب ملعومات، من أنقرة. ودخل هذا الحشد أكثر من مرة في صراع إعلامي مع الحشد الشعبي حول الإمساك بالأرض في المحافظة.

يقول عضو مجلس محافظة نينوى حسام العبار لرصيف22 إن “ما تمتلكه نينوى من ميزات جغرافية وموارد طبيعية تشعل صراعاً دولياً عليها وكذلك محلياً، وواحد من هذه الصراعات هو الصراع التركي-الإيراني، وتحاول أطراف سياسية عراقية أن تستحوذ على النفوذ في المحافظة”.

ويضيف: “من مؤشرات هذه الصراعات المطالبات المستمرة بتحويل سهل نينوى وسنجار وتلعفر من أقضية إلى محافظات، والغاية من ذلك ليست تقديم الخدمات للسكان أو دعمهم، بل إحداث نفوذ كبير في مناطق جغرافية معيّنة من قبل الأطراف التي تدّعي دعمها لتلك المناطق”.

ويقول رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية واثق الهاشمي لرصيف22 إن “الصراع التركي الإيراني موجود قبل عام 2014 لكنه توسع مع بدء سيطرة داعش على الموصل وازداد مع عمليات التحرير والتغيير الديموغرافي الذي حدث، حتى صار الحديث في الصراع بين البلدين علنياً”.

ويضيف أن “إيران بدأت تفرض قوتها في الموصل من خلال دعم الجماعات المسلحة، ودعم سياسيين، وتركيا أيضاً لها نفوذ سابق، لذا صار الصدام والصراع بينهما يتضح ويتوسع بمرور الوقت”.

ويتحدث الهاشمي عن عامل صراع جديد، وهو المعارضة الكردية، التركية والإيرانية، ويقول: “تتواجد معارضة البلدين الكردية في هذه المساحة الجغرافية العراقية، لذا يريدان أن يستحوذا على المنطقة أمنياً وعسكرياً للقضاء عليها”.

وتجمع القضية الكردية بين تركيا وإيران في مناطق شمال العراق، إذ تسعيان إلى السيطرة على تلك المنطقة للحد من نفوذ الأكراد الأتراك والإيرانيين الناشطين هناك، ولوأد أي مشروع استقلال كردي، وظهر تقاطع المصالح بينهما عام 2017 عندما أجرى إقليم كردستان العراق استفتاءً على الاستقلال. ولكن كثيراً ما تدعم إيران عناصر حزب العمال الكردستاني المنتشرين هناك لتفادي وقوع مناطق معيّنة بيد حلفاء لتركيا.