السبت: 23 يونيو، 2018 - 09 شوال 1439 - 07:38 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 2 يونيو، 2018

 شوقي بن حسن

تقدّم أعمال الكاتب المصري عباس محمود العقاد (1889-1964) مجموعة كبيرة من السِير، وهي بذلك من أكثر المدوّنات العربية اهتماماً بالكتابة البيوغرافية إذ تناول شخصيات من عصور وميادين مختلفة، مثل سعد زغلول وشكسبير وابن الرومي. ومع بعد المسافة الزمنية، قد يجد القارئ، خصوصاً ذلك الذي تعرّف على الكتابة البيوغرافيةفي ثقافات أخرى، أن ما قدّمه العقّاد، والثقافة العربية بشكل أعمّ، لا يخلو من نقائص في المنهجيات وفي البنية وفي التوغّل في التحقيق والتوثيق.

داخل فئة الكتب البيوغرافية للعقاد نجد فئة فرعية تتمثل في سير الشخصيات الدينية، أبرزها المجموعة التي عُرفت بـ”العبقريات” وخصّصها للخلفاء الراشدين، كما أنه تناول شخصيات أخرى منها عمرو بن العاص الذي خصّص له كتاباً صدر سنة 1954. وفي هذا العمل بالذات يمكننا التقاط رؤية العقاد في الكتابة البيوغرافية، ومنها نتحسّس كيف تنبني المسافة بينها وبين قارئ حديث شيئاً فشيئاً.

يبدأ الكتاب بهذه الجملة: “نشأ عمرو بن العاص في بطن من البطون القرشية المعروفة، وهم بنو سهم”؛ وهو مدخل لعله الأكثر بساطة على الإطلاق. إنه بعبارات اليوم قريب من التعريفات التي تقدّمها الويكيبيديا، والتي ينتظر القارئ أبعد منها حين يفتح دفّتي كتاب. ولكن هذه البداية (الخفيفة) ليست سوى عتبة أولى، فكتابة العقّاد تظل ذات مستوى معرفي لا ينكر.

الصفة المفتاح في شخصية عمرو بن العاص هي الدهاء، وفي ذلك لا يخرج العقاد عن الصورة التي وضعها له مختلف المؤرخين قبله، حتى أنه يذكر -وهي رواية مشهورة- أن العرب حين أحصوا دهاتهم بعد الإسلام قالوا “معاوية للرويّة، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة للمعضلات، وزياد لكل صغيرة وكبيرة”، دون أن يلتفت لما في هذه الأحكام من أبعاد عنصرية كانت جزءاً من دعاية سياسية وقتها، حيث تُغلِّب البيت الأموي على غيره من قريش، والقرشي على غيره من العرب، والعربي على غيره من الأمم.منهجية العقاد في وضع بيوغرافيا عمرو بن العاص تقوم على تخصيص مجموعة من الفصول الأولى لبناء صورة ذهنية للشخصية الرئيسية، حيث يذكر الصفات الجسدية، ثم يتبعها بالصفات النفسية، وهو جزء من العمل أشبه بتهيئة يمكن بعدها المرور باطمئنان إلى مختلف المرويّات التي يسمّى مجموعُها بـ سيرة شخصية تاريخية.

يتقصّى العمل في فكرة الدهاء هذه، والتي غالباً ما تبدو ذات حمولات سلبية، غير أنها من منظور آخر يمكن النظر إليها كقيمة، حيث يعرّف العقاد الداهية بـ”رجل يأنسون إلى لباقته وحيلته وحسن بصره بمواقع الأهواء وذرائع الإرضاء”، هكذا يجري تطويع الصفة إلى الشخصية وموقعها التاريخي، بل يعمل العقاد على بنائها منطقياً، فيظهر عوامل الوراثة والاكتساب التي تهيّأت لعمرو بن العاص، من خبرة التجارة والحضور بين سادة قريش والرحلات، إلى الحبشة خصوصاً، ومكانته لدى ملكها النجاشي.

عموماً، يعتمد العقاد على خصال عقلية لدى عمرو بن العاص في سبيل تفسير محطات كثيرة من حياته؛ منها دخوله الإسلام والذي يظهره نتيجة للتدبّر الفكري والقراءة البراغماتية التاريخية، كما يُظهر أن فتح مصر انبنى على اطلاعه على البلد من الداخل ومن ثمّ تهيئة الخطط الملائمة للتمكّن منها.

 

هنا يجدر التوقف قليلاً، فالمسار التاريخي في الكتاب يكسره توسّع العقاد في عرض أحوال مصر في الفترة التي سبقت فتحها، حيث يذكر أحوالها الدينية والسياسية والإدارية. هذا التوقف داخل سيرة عمرو بن العاص يُظهر أن الأخير بالنسبة إلى المؤلف يمثّل جزءاً من مصر بالمعنى القومي الحديث، فهو باعتباره “فاتح” البلاد أحد رموزها وجزءاً من شخصيتها، بل إن محطة فتح مصر في الكتاب تكاد تغطّي على محطات أساسية أخرى منها موقعه في الفتنة الكبرى أو إسلامه، لتكون سيرة عمرو بن العاص في النهاية جزءاً من سردية تاريخية لمصر عن نفسها، بالإضافة إلى أنها جزء من فسيفساء أوسع تصنع صورة الإسلام في المخيلة الجمعية المعاصرة.

لكن العمل لا يعدم النظرة النقدية لبعض ما تناقله المؤرخون، ولا يخلو من انتباه مؤلفه لكل ما يرفضه العقل من مرويات فيها أثر للتلفيق بارز، والعقاد على ما عُرف عليه شديد في مثل هذه؛ ومنها تدقيقه في مسألة حرق مكتبة الإسكندرية حيث يراجع كتب التاريخ القديمة ويجد أنها لا تذكر شيئاً من ذلك إلا بعد ستة قرون من فتح مصر، وأن القول بأن ورقها استعمل وقوداً لحمّامات المدينة غير جائز لأن مصنوعة من الرق الذي لا يصلح للاحتراق الطويل، ويختم بالقول “وكفى لتكذيب هذه الأسطورة أنها لا تشبه عملاً من أعمال الفتح الإسلامي الذي اقترن بالتعمير ولم يقترن قط بالتنكيل والتدمير”.

لو افترضنا أننا نتقبّل الكتاب زمن صدوره، كيف يمكننا قراءة كتاب “عمرو بن العاص” أو غيره من السير التي قدّمها العقّاد؟ سنكون في الغالب مشروطين بـ”عقد قراءة” يفرضه عصرنا، حيث أن مكانة الكاتب الاعتبارية وسلطته كانت تعلو على كل قراءة نقدية ممكنة، والعقّاد هو من هو في هذه المكانة الاعتبارية في عصره حتى أن أسلوب كتابته يمكن تخيّله كدرس في حلقة.

هذه السلطوية الناتجة عن مكانة اعتبارية لمثقفين مثل العقاد وطه حسين وغيرهما نحسب اليوم أنها باتت حاجزاً دون تقبّل البيوغرافيا بالشكل الذي كُتبت به وقتها. المفارقة، أن الساحة العربية فقدت ذلك التدفّق البيوغرافي الذي شهده النصف الأول من القرن العشرين، كأن الرافد القديم قد توقّف ولم يظهر بعدُ رافد جديد، في ما عدا بعض الكتابات من حين إلى آخر، وقد تأتي بمثالب أشنع مما نلوم العقاد عليه.

بيد أن المسافة مع الكتابات البيوغرافية لم تنشأ فقط بسبب ما ذكرناه أو محتويات النصوص وطرق بنائها التقليدية، وإنما أيضاً لأن مصادرها تعدّدت بالنسبة إلى المتلقي، فلم يعد الكتاب هو المصدر الحصري للتعرّف على الشخصيات التاريخية، فالأفلام والمسلسلات وأشكال كتب أخرى مثل الأشرطة المصورة تتصدى لهذه المهمة، وشخصية عمرو بن العاص بالذات قد ظهرت أكثر من مرة في الشاشات، أشهرها مسلسل مصري خُصّص له بعنوان “رجل الأقدار” لم يحد عن تمثلات العقاّد له وتوظيفاته للسِير.