الثلاثاء: 22 سبتمبر، 2020 - 04 صفر 1442 - 05:01 صباحاً
سلة الاخبار
الخميس: 13 أغسطس، 2020

عواجل برس/ بغداد

الانفجار الهائل الذي دمر وسط بيروت هو مثال بسيط على المخاطر التي تهدد الدول غير المستقرة في الشرق الأوسط، فالمنطقة أصبحت الأكثر اضطرابًا في العالم بعد ما يقرب من عشر سنوات من الربيع العربي وسحق آماله في الإصلاح بسبب الثورات المضادة، ثم وصلت الأمور إلى نقطة حرجة بعد كارثة الرابع من أغسطس لتلفت الانتباه إلى كوارث أخرى محتملة يمكن أن تحل ضيفة على تلك البلدان الهشة والضعيفة قبل أن تنهار نهائياً.
بعد كارثة انفجار بيروت، التفت العالم بأكمله إلى لبنان، حتى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سافر إلى لبنان بعد الحادث مباشرة ليتفقد الأحوال، فهل سيوفر هذا الاهتمام المفاجئ من الزخم اللازم للتحولات العميقة التي يطالب بها الكثيرون في لبنان وفي البلدان المجاورة؟
من نواح عديدة، فإن الأزمة الوجودية للجمهورية اللبنانية – التي تأسست عام 1943 في نهاية الانتداب الفرنسي- ليست جديدة، فالدولة تعاني من تدهور كبير منذ فترة حيث لا تستطيع حماية حدودها ولا توفير التغذية لشعبها، كما تنتشر البطالة مع عجز الدولة عن خلق فرص عمل للشباب، فضلاً عن تراكم الديون.
إن إهمال الدولة الذي يُعتقد أنه مصدر كارثة 4 أغسطس هو نتيجة طبيعة للمؤسسات التي تعاملت معها الفصائل المسيطرة على البلاد كدمى، فضلاً عن انتشار الفساد والطائفية وانعدام الشفافية الديمقراطية، وعلى الرغم من كل هذه الآفات التي تنهش في الدولة، تظل ويلات التدخل الأجنبي الأكثر ضررا ولبنان ضحيتها بامتياز.
لطالما اعتمدت صحة لبنان الاقتصادية على مصالح الغرباء، مع استجابة القادة اللبنانيين لتقاسم السلطة بناء على ضرورات دينية وليست مهنية، ليصبح لبنان بلد يسيطر عليه فصائل ذات ولاءات مختلفة، فهناك فصائل تتعهد بالولاء للولايات المتحدة والسعودية، وفصائل أخرى لإيران وحليفها المحلي، حزب الله.
بالإضافة إلى ذلك يعاني الاقتصاد اللبناني من تداعيات العقوبات الأمريكية التي تستهدف سوريا وتأخير خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي 20حوالي مليار دولار بدوافع خارجية.

وما لا يجب الإغفال عنه أن لبنان يشهد بانتظام مناوشات بين القوات الإسرائيلية والميليشيات الإسلامية، لذلك ليس من المستغرب أنه بعد انفجار بيروت، اعتقد الكثيرون في بيروت في البداية أن ما حدث كان نتيجة ضربة جوية إسرائيلية.
من ناحية أخرى، تركت الولايات المتحدة فراغًا يحاول الكثيرون من الدول الغربية ملؤه الآن، وإذا استسلم لبنان لهذه الضغوط قد يجد نفسه في حرب أهلية جديدة، أشد خطورة من سابقتها ومن أي أزمات يعاني منها الآن.
يقدم العراق نموذج مماثل بصورة لا تُصدق، مع رئيس وزراء جديد، مصطفى الكاظمي، يكافح من أجل التحرر من الإرث المشترك للتدخل العسكري الأمريكي وصراعات القوى الإقليمية داخل المنطقة بين إيران، ودول الخليج.
من المؤكد أن عدم الاستقرار في العراق هو نتيجة طبيعية للمنافسات الدينية بين الأحزاب السنية والشيعية والفصائل التابعة لهما، وكذلك للفساد والكارثة الاقتصادية التي تفاقمت بسبب انخفاض عائدات النفط ونقص الاستثمار في التوظيف، وتدمير البنية التحتية، إلا أن السبب الأكبر والأبرز في هذا الاضطراب الذي يعاني منه العراق يرجع بالتأكيد إلى تدخل القوى الأجنبية.
إيران على وجه الخصوص مصممة على الاحتفاظ بالنفوذ الحاسم الذي اكتسبته في الفوضى التي أعقبت الغزو الأمريكي، مثل أسلافه قبل عام 2003، سيواجه مصطفى الكاظمي المهمة الصعبة المتمثلة في منع انهيار الديمقراطية العراقية المختلة ومعها الدولة العراقية.
وما ينطبق على لبنان والعراق ينطبق على معظم بلدان الشرق الأوسط، سوريا الآن خاضعة للقبضة الوحشية لنظام الأسد، بدعم من هذا المفترس الإمبريالي الجديد، روسيا بقيادة فلاديمير بوتين، ومع ذلك، تستمر محافظة إدلب في المقاومة، ومع استمرار ظهور معارضة متجددة في مناطق أخرى من البلاد، لا أحد يستطيع أن يضمن حتى يومنا هذا أن يعود الاستقرار للدولة السورية.
إن حقيقة بقاء المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا خارج هذا الشره الإقليمي الذي تفاقم بسبب النفط، يدل على حدوث تغيير عميق، والقوى الاستعمارية القديمة التي فرضت قواعدها قبل قرن وأعادت ترسيم الحدود أفسحت المجال لجيل جديد من الظالمين والمستغلين، دوافعهم ليست جيدة وأساليبهم وحشية، كأن كل شيء عاد كما كان باستثناء تغير الأسماء.
الاضطراب الذي تعاني منه دول المنطقة يشمل اليمن أيضاً، تحولت إلى دولة فاشلة، وأصبحت مسرحًا دمويًا للخصومات الإقليمية.
وكذلك إيران، هل تنضم إلى القائمة خاصة كونها تتكون من عدد لا يحصى من الجماعات الدينية والعرقية، ولديها خصوم لا يتوانون عن توجيه الضربات القاسية إليها؟.