الأربعاء: 17 أكتوبر، 2018 - 05 صفر 1440 - 11:47 مساءً
ثقافة وفن
الخميس: 15 مارس، 2018

قصي شرارة

أجمع معظم مؤرخي العصر الجاهلي وآدابه على تمتع الشعراء الجاهليين بمكانة سياسية مهمة، ناقلين ما ورد في كتابات القدماء الذين استفاضوا في نقل أخبارهم. وإنْ خالفهم عميد الأدب العربي طه حسين حول فكرة وجود هؤلاء الشعراء من الأساس، في كتابه الشهير “في الأدب الجاهلي”، إلا أنه عزا انتحال شخصياتهم في العصور اللاحقة إلى أسباب تغلب عليها السياسة.

ذوو الرأي والنجدة

تمتع الشعراء في بداية عصر الإسلام بمكانة كبيرة، يؤكدها ما أورده الطبري في تاريخه عن يوم “أرماث”. فقد روى أن سعداً بن أبي وقاص استدعى الشعراء لمّا وقعت الوقائع بين العرب والفرس في معركة القادسية الشهيرة، وخاطبهم قائلاً: “قوموا في الناس بما يحقّ عليكم ويحق عليهم، عند مواطن البأس، فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم، وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتهم، فسيروا في الناس، فذكّروهم وحرّضوهم على القتال”.

هذه المكانة لم تأت من فراغ بل هي امتداد للمكانة الكبيرة التي تبوأها شعراء الجاهلية. فالشاعر الجاهلي كان الناطق الرسمي باسم القبيلة، وهي أصغر وحدة سياسية في ذلك العصر، ولسان حالها، إن لم يكن زعيمها رسمياً كما في حالة امرئ القيس، وراسم سياساتها وعلاقاتها بالغير كما هي الحال مع النابغة الذبياني، أو ثائراً على أوضاعها ونظمها الاقتصادية والاجتماعية كما الشعراء الصعاليك.

والشعراء في الجاهلية صنّاعٌ للرأي العام لأنّهم “أهل المعرفة والفهم، وشعرهم من الفنون التي كان يمارسها السحرة للتأثير في نفوس الناس، لهذا كان لهم رأي في السياسة، في السلم وفي الحرب”، كما يذكر الدكتور جواد علي في كتابه “المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام”.

وكانت حروب العرب التي قد يكون الشعر سبباً في اندلاعها تدور رحاها في الصحاري الواسعة كما بين الأبيات، وكان الصلح يعمّد بالدم والقصائد. والعربي يوقع بعدوّه الخسائر فعلاً وقولاً: يطاعنه بالسيف كما يطعنه ببيت من الشعر. بالأول يريق دمّه وبالثاني يريق سمعته.

فالهجاء مشروع حرب، والغزل أيضاً إن كان تشبيباً (التغزّل بمحاسن امرأة). والمدح مقدمة لحلف طويل الأمد، أو نتاج له. أما الرثاء فقصيدة ذات حدّين.

وكانت العصبية القبليّة عماد السياسة قبل الإسلام وبعده. وعن مناطق نفوذ الشعراء، يورد ابن سلام الجمحي في طبقاته أن أهل البصرة كانوا يقدّمون امرئ القيس وأهل الكوفة الأعشى، وأهل الحجاز والبادية النابغة وزهيراً.

ويعلّل طه حسين الأمر باتصال الأخيرين بأهل الحجاز والبادية “اتصال موطن ونسب وسياسة ولغة، وأما أهل العراق في البصرة والكوفة فقد كانت كثرتهم يمنية ربعية، فآثروا امرئ القيس اليمني الخالص، والأعشى الربعي كثير الشعر في اليمانية”.

ملك اليمنيين على مرّ العصور

و”سادة الناس وذوو رأيهم ونجدتهم” إن لم ينطق واحدهم باسم قبيلته حيّاً، أنطقته ميتاً. وعليه يصعب تحديد الفترة الزمنية التي مارس خلالها الشاعر الجاهلي العمل السياسي: أهي في حياته قبل الإسلام، أم أنه جرى بعثه على يد قومه من جديد في عصور لاحقة؟

أقدم الشعراء الجاهليين الذين وصلنا الكثير من شعرهم، امرؤ القيس حندج بن حجر ملك كندة، وهي قبيلة يمانية تتحدر من قحطان، وأسلمت في عصر النبي وارتدّت في زمن أبي بكر ثم وقفت في صفّ علي بن أبي طالب في صفين فناهضت معاوية والأمويين بعده.

امرؤ القيس

أمضى امرؤ القيس حياته ساعياً للثأر لأبيه المقتول على يد بني أسد وكانوا خاضعين لحكمه. جاب القبائل ووصل في سعيه إلى قيصر الروم الذي أهداه قلادة مسمومة، فمات وهو في طريق العودة من القسطنطينية ولقب بذي القروح. هذا باختصار ما يجمع عليه غالبية القدماء.

أما طه حسين فيجد في سيرة امرئ القيس تمثيلاً قصصيّاً لمسيرة عبد الرحمن بن الأشعث، حامل لواء اليمانية إبان حكم بني أمية. ثار ابن الأشعث على الحجّاج بن يوسف الثقفي وخاصم عبد الملك بن مروان مطالباً بالملك لنفسه. تنقّل بين العرب ساعياً للحكم، وحين انهزم لجأ الى ملك الترك الذي غدر به وأرسله الى الحجّاج، فما كان منه إلا أن قتل نفسه في طريقه إلى العراق.

أما الثأر الذي كان يسعى إليه ابن الأشعث، فثأر حجر بن عدي شهيد اليمنيين الذي أعدمه معاوية بن أبي سفيان. وهكذا يتنقّل الدور السياسي لامرئ القيس عبر العصور الإسلامية المختلفة ومن كندة إلى الكوفة، ومن بلاد الترك إلى بلاد الروم، “مكرٍ مفرٍّ مقبل مدبرٍ معاً/ كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ”.

حكّام ربيعة الشعراء

في سير شعراء ربيعة كما نقلها أو دوّنها الأقدمون ما لا يجد له موضعاً خارج السياسة، إنْ في أخبار حياتهم أو في حكايات موتهم. فعمرو بن كلثوم صاحب المعلقة الشهيرة التي يغلب عليها الفخر بالحسب والنسب والاعتداد بالأنا وبـ”القومية” أي القبلية حينها، ساد قومه بني تغلب وهو في الـ15 من عمره. وفي سيرته أيضاً أنه قتل عمرو بن هند ملك الحيرة الذي وصل به الطغيان حدّ الطمع في أم عمرو، ليلى بنت المهلهل، فانتهى به الأمر قتيلاً.

عمرو بن كلثوم

ويسأل طه حسين: “هل من المعقول أن يقتل ملك الحيرة هذه القتلة، ويقف الأمر عند هذا الحد بين آل المنذر وبني تغلب من ناحية، وبين ملوك الفرس وأهل البادية من ناحية أخرى؟”، وهل لملك أن يُقتل لخلاف على امرأة أم خلف الحادثة دوافع وأسباب سياسية؟ هذا طبعاً إن صدق الرواة.

أما إن كان ما أوردوه منحولاً في العصور اللاحقة، فلا شكّ أنه مرتبط أشدّ الارتباط بالتنافس والتنازع السياسيين بين العرب والفرس في ما بعد، أو بالصراع القديم الدائم بين تغلب وبكر.

ومن شعراء ربيعة أيضاً طرفة بن العبد، وفي قصة موته ما يشير إلى دافع سياسي ما. إذ ينقل رواة سيرته أن ملك الحيرة أرسله وخاله المتلمّس، وهو شاعر أيضاً، إلى عامله في البحرين وحمّلهما إليه كتابين. فتح المتلمّس كتابه في الطريق وقرأ فيه أمر الملك بقتله، ففرّ إلى الشام حيث الغساسنة، أعداء المناذرة التاريخيين. أما طرفة فأبى فتح كتابه ومضى إلى حتفه.

والأكثر غرابة في الأمر أن طرفة هذا عاش ستة وعشرين عاماً بحسب الرواة الأكثر كرماً، بينما لم يتجاوز عمره العشرين عند غيرهم. فهل يقتل على يد حاكمَين مَن لا شأن له بالسياسة وفي تلك السن المبكرة؟

الزعيم المرشد

أما النابغة الذبياني، فيقسم طه حسين شعره إلى ثلاثة أقسام: الأول قاله في ملوك الحيرة مادحاً ومعتذراً، والثاني قاله في ملوك غسان مادحاً ومستعطفاً، وأما الثالث ففي شؤون بدوية جاهلية تمسّ قبائل نجد وما كان بينها من صلات الحرب والسلم.

والقارئ لمجمل شعر النابغة يلتمس أنه كان وسيلة قومه في بلاط الملوك، كما كان وسيلة الملوك في نشر سياساتهم بين أهل البادية، ما جعله موضع نزاع وتنافس بين المناذرة والغساسنة.

ويكتب طه حسين: “كان النابغة يقوم من القبائل البدوية النجدية لا مقام السفير الشفيع ليس غير، بل مقام الزعيم المرشد، فتراه ينهاهم مرة عن الحرب ويأمرهم بها مرة أخرى، ويحثهم على الاعتراف بتحالفاتهم وعهودهم، ويخوفهم بطش الغسانيين. وكان له معارضون ينكرون سياسته، فيردّ عليهم ويناضل عنها ليّناً حيناً، وعنيفاً حيناً آخر”.

ولعل مكانة النابغة الذبياني في العصر الجاهلي تتأتى من مكانة مضر السياسية في العصور اللاحقة بعد نزول الوحي في مضر واستتباب الملك فيها.

ثوّار راديكاليون

إلى شعراء القبائل وألسنة أحوالها هؤلاء، برزت في العصر الجاهلي فئة من الشعراء عرفت بالصعاليك. والصعلوك اصطلاحاً هو الخارج على قبيلته، الثائر على نظمها الاجتماعية والاقتصادية.

والصعاليك شعراء تمرّدوا على واقعهم وسعوا إلى تغييره، فلم يعترفوا بمعاهدات ومواثيق عشائرهم، واستهدفوا أثرياءها بالإغارة على قوافلهم وممتلكاتهم كما هجروا ديارهم لعدم قدرتهم على التجانس مع أهلها وطرائق عيشهم.

ورأى الكثير من الباحثين في سلوكهم سعياً لتحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي. وذهب بعضهم إلى اعتبار ثورتهم ثورة اشتراكية. وهل هذا إلا عمل سياسي؟

وقد ذكر العديد من المؤرخين أن أوائل الذين انضموا إلى الدعوة الإسلامية، كانوا على أخلاق الصعاليك. واتصل بهم النبي العربي وقال عنهم: “إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصدقوا، فعبدهم حر، ومولاهم محمد، ومن كان منهم من قبيلة لا يُرد إليها لمعاقبته، ومن كان فيهم من دمٍ أصابوه أو مالٍ أخذوه فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس ردّ لهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان”، كما ورد في طبقات ابن سعد.

ومن المفارقات أن خلف الأحمر، الراوية الشهير الذي عاش في القرن الثاني للهجرة، اعترف للأصمعي كما ورد في كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، أنه وضع لامية العرب على الشنفرى، ولامية أخرى على تأبط شرّاً، وهما من أبرز الشعراء الصعاليك.

ويبقى أن العلاقة بين السياسة والشعر فيها الكثير من الالتباس. عين السياسي على الشعر دائماً، ففيه المُلك الذي لا يزول. أمّا الشعراء فيسعون في غالبيتهم إلى كرسيّ أرضيّ بعد أن حجزوا بقصائدهم مقاعد لهم في دنيا الخلود.

وقلّما يجد الباحث ملكاً أو حاكماً عربياً لم يقرّب إليه الشعراء أو واحداً منهم على أقلّ تقدير. تماماً كما بالكاد نعثر على شاعر عربي لم يقترن اسمه بملكٍ أو أميرٍ أو حاكم. وفي سيرة المتنبي أعظم شعراء العرب ما يختصر علاقة الشعر بالسياسة أو العكس.