الأربعاء: 12 أغسطس، 2020 - 22 ذو الحجة 1441 - 05:38 مساءً
بانوراما
الخميس: 21 يونيو، 2018

 

مشروبات من كافة الأنواع، وشاشات عرض تعرض أحداث نتفلكس، إنها رحلة سياحية رائعة بالفعل، ولكن تقدم لك شيئاً إضافياً، أن تشاهد كوكب الأرض من نافذتك.

في عصرٍ يبحث فيه الأثرياء باستمرار عن تجربةٍ جديدة ليصيبهم الهوس بها، وتدور حولها منشوراتهم على الشبكات الاجتماعية، يظل الفضاء حقاً هو الوجهة الأبعد والأوسع، والرفاهية التي يستطيع قلة من الناس تحمل نفقاتها، حسب تقرير لصحيفة New York Times الأميركية.

وكان الفنانان براد بيت وكاتي بيري من بين الأثرياء الذين ذكرت التقارير أنَّهم أنفقوا 250 ألف دولار أميركي لركوب واحدةٍ من سفن فضاء شركة Virgin Galactic، لصاحبها رجل الأعمال ريتشارد برانسون، ولم يثنهما عن ذلك تحطم الرحلة التجريبية التي تمت عام 2014 ومقتل أحد طياريها.

ليست المرة الأولى التي نسمع فيها هذا الكلام.. ولكن قد يكون الأمر مختلفاً

منذ أن حظيت فكرة السياحة الفضائية بالشعبية، فقد ثبت أن مهمة التحرر من الأرض صعبة للغاية، حسب وصف تقرير لصحيفة The Sun البريطانية.

فقد تنبأت شركة Virgin Galactic في البداية، أن أول رحلة فضاء ستحدث بحلول عام 2009، لكن التاريخ تم تأجيله مراراً وتكراراً بعد مشكلات فنية.

وفي أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2017، ألمح مؤسس الشركة ريتشارد برانسون إلى أن المشروع لا يزال على المسار الصحيح، وكشف أنه يأمل أن يكون في الفضاء في نصف عام، وبعد ذلك قال إن الأمر سيكون جاهزاً للعمل قبل نهاية عام 2018.
ولكن هل يكون حظ شركة Axiom Space مختلفاً، إذ تعرض الشركة على من يملكون أكواماً من المال وروحاً مغامِرة شيئاً جديداً للتطلع إليه: إمكانية الذهاب في رحلة مدتها ثمانية أيام إلى الفضاء، علماً أنَّ هذه الرحلة تتسم بالفخامة، إن لم تكن مزودةً بكافة وسائل الراحة، مع وجود بعضٍ من بريق وكالة NASA أيضاً في الرحلة.

لقد قرروا نقل عالم الفنادق إلى الفضاء

في أثناء تجوّله في مكتبه ذي السجادة الرمادية في أحد أيام الأربعاء مؤخراً، وقف مايك سوفريديني، الرئيس التنفيذي لشركة Axiom Space، أمام مقصورةٍ من الورق المقوَّى يقترب حجمها من حجم كابينة هاتف.

وسبق أن عمل سوفريديني في وكالة ناسا، وتعود أصوله إلى مدينة هيوستن.

وقال عن المقصورة وهو يهز كتفيه بلا مبالاة وكأنَّه يعتذر: “هذه ليست غرفة في فندق بنيويورك”.

فردَّت عليه غابرايل رين، مديرة التسويق بالشركة: “في الواقع، هي أقرب ما تكون لذلك”.

هذه المقصورة هي نموذج تجريبي لمقصورة ستُوضع داخل محطة الفضاء التجارية التي تبنيها الشركة. هذه المحطة هي الأولى من نوعها، فهي مزيجٌ يجمع بين معسكر فضاء للبالغين، وفندق صغير فخم، بالإضافة لمنشأة بحثية مبنية وفقاً لمعايير وكالة ناسا، ومصممة لتحوم على ارتفاع يبلغ حوالي 250 ميلاً فوق سطح الأرض.

واستعانت الشركة بفيليب ستارك، المصمم الفرنسي الذي أضفى لمسةً من الأناقة على كل التصاميم التي شارك فيها، بدءاً من غرف الفنادق الفخمة، ووصولاً إلى غرف مراقبة الأطفال في المتاجر الكبيرة، لإعداد ديكور الجزء الداخلي من الكبائن.

بطَّن السيد ستارك الجدران بقماش محشو، لونه كريمي يشبه الجلد المدبوغ، بالإضافة إلى مئات المصابيح من طراز LED، التي تتلألأ بألوانٍ مختلفة، حسب الوقت والموقع الذي تطفو فيه المحطة الفضائية بالنسبة للأرض.

وقال ستارك: “رؤيتي هي إنشاء بيضة مريحة وجيدة، تكون فيها الجدران بالغة النعومة، ومتناغمة مع حركات جسم الإنسان في غياب الجاذبية”. وكتب ستارك في رسالة بريد إلكتروني يصف الأثر الذي ينوي إضفاءه بأنَّه “أول طريقة لمقاربة اللانهائية. ينبغي أن يشعر المسافر من الناحيتين النفسية والبدنية بحركته أثناء طفوه في الكون”.

ولهذه الأسباب فإن هذه التجربة قد تتفوق على الآخرين

وقضى سوفريديني في وكالة ناسا عقداً من الزمن، حيث كان يدير محطة الفضاء الدولية، المنشأة الضخمة الموجودة منذ 20 عاماً في المدار المنخفض للأرض. ومنحه هذا شيئاً من التفوق على ريتشارد برانسون، مؤسس شركة Virgin Galactic، وجيف بيزوس، مؤسس شركة Amazon، الذي يشرف على شركة Blue Origin.

 

 كما أن أغلبية موظفي Axiom البالغ عددهم 60 شخصاً سبق أن عملوا في ناسا (أو هذا على الأقل ما يعتقده سوفريديني).

الغريب أنهم سيكتفون بالطواف حول الأرض.. ولكن يقول إن هذا أفضل من الذهاب إلى حافة الفضاء

يقول سوفريديني: “القائمون على Blue Origin وVirgin Galactic ذاهبون إلى حافة الفضاء؛ إنَّهم لن يطوفوا في مدار الأرض. ما يفعلونه سيمثل تجربةً رائعة، تمنحك حوالي 15 دقيقة من الجاذبية الصغرى، وترى انحناء الأرض، ولكنَّك لا تحصل على نفس التجربة التي تشهدها حين تنظر إلى الأرض من أعلى، وتقضي الوقت في التفكير والتأمل”.

وبطبيعة الحال، ستنشر صورك على حساب إنستغرام.

إذ يقول سوفريديني: “سيكون هناك اتصال بالإنترنت من خلال شبكة واي-فاي. وسيكون الجميع متصلاً بالإنترنت، بحيث يتمكنون من إجراء المكالمات الهاتفية والنوم والنظر من النافذة”.

بل إنَّ التجربة يمكن أن تكون مذهلة، لدرجة لا يرغب معها المشاركون في العودة.

ويعتبرون أن التكلفة زهيدة!

يُحتمل أن تُفتَتح المحطة التي صمَّمها ستارك عام 2022، غير أنَّ Axiom تقول إنَّ بوسعها أن تبدأ في إرسال المسافرين الشغوفين بالفضاء إلى المدار قبل هذا التاريخ، وتحديداً عام 2020. (ملحوظة: كل الأمور ذات الصلة بالفضاء تقريباً عادةً ما تؤجَّل لسنوات، وربما لعقود).

ستضطر الشركة إلى تدبر أمرها بالتجهيزات غير المريحة نسبياً، المتاحة في محطة الفضاء الدولي، التي تعمل مع Axiom، بالإضافة إلى محطات الفضاء التجارية الأخرى.

تتسع محطة Axiom لثمانية مسافرين، بينهم رائد فضاء مختص. ويدفع كل مسافر من المسافرين مبلغاً قدره 55 مليون دولار نظير خوض هذه المغامرة، التي تشتمل على 15 أسبوعاً تدريبياً، معظمها في مركز جونسون للفضاء، على بُعد 10 دقائق من مقر Axiom، وربما يسافرون على أحد صواريخ SpaceX، التابعة لشركة إيلون ماسك. وحتى اللحظة سجلت ثلاث هيئات لتلقي تدريبٍ ميداني، يبدأ من سعر مليون دولار أميركي، حسب قول سوفريديني، ولكنَّه رفض أن يُسمِّي هذه الهيئات. ولن تكلف الرحلة الافتتاحية سوى 50 مليون دولار، وهو أمرٌ يقول عنه سوفريديني: “خوض التجربة بهذا السعر الزهيد فرصةٌ لا تعوَّض”.

وأضاف: “يأتي الجزء الأكبر من التكلفة من الطيران صعوداً وهبوطاً. ركوب الصواريخ أمرٌ مكلف”. وقال في إشارةٍ إلى الشركات المنافسة: “علينا أن ندرك أنَّ من يتحدث عن سعرٍ أقل بكثير من السعر الذي بدأنا به لا يدري طبيعة ما يتحدث عنه”.

وفي الوقت ذاته هناك آخرون يستعدون لتأسيس فنادق ومواقع فضائية

وفي ظل حالة هرولة سكان الأرض نحو الفضاء، إذا جاز التعبير، أعلن عن مشروع آخر، مؤسسة أخرى تدعى Aurora Station، التي تعد فندقاً فضائياً تبنيه شركة Orion Span للفضاء الجوي في هيوستن بولاية تكساس، في شهر أبريل/نيسان الماضي، أنَّ تكلفة الرحلة التي تقيمها وتستمر لمدة 12 يوماً ستبلغ 9.5 مليون دولار للفرد، ولكنَّها لم تذكر تكلفة ركوب الصاروخ ذهاباً وعودة.

كما ذكرت شركة NanoRacks أنَّها ستبني مواقع في الفضاء من مراحل الصواريخ المستهلكة، من بينها موائل للسياحة، بحيث يتم إعادة استخدام أجزاء الصواريخ بعد إطلاقها لتصنع منها هذه المواقع.

وتقول شركة Bigelow Aerospace إنَّها تعمل على وضع وحدات فضائية قابلة للنفخ، وإن كانت مسألة السياحة في الفضاء ليست في بؤرة تركيزها.

وبصرف النظر عن كل الخطط هناك مشكلة رئيسية سوف تظل تواجههم

لا يتوقع فيل لارسون، مستشار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لشؤون الفضاء، الذي عمل أيضاً في شركة SpaceX، أن تنخفض أسعار السفر انخفاضاً كبيراً خلال السنوات القليلة المقبلة.

ويقول لارسون: “تلك الشركات تُقيم الموائل والمواقع العظيمة، ولكن ثمة حاجة في الوقت الراهن إلى حل مشكلة تكاليف الانطلاق والانتقال؛ فهي المشكلة التي تبدو وكأنَّها أبرز التحديات التي تواجهنا، ومع ذلك يغض الجميع الطرف عنها”.

كما أن اختبار الصعود شاق للغاية، فمجرد مشاهدته عبر الإنترنت أمر صعب جداً

ولكن، هل ثمة عوائق أخرى للانضمام إلى الرحلة إلى الفضاء بخلاف تكاليفها؟ الحد الأدنى للعمر المسموح به هو 21 عاماً، ولا يوجد حد أقصى؛ ويُشترط أن يخضع المسافر لفحصٍ طبي يتم قبل استكمال سائر عملية التدريب، وغير ذلك من الفحوصات اللازمة للعقل وصلابة الهمة، كأن يُوضَع المتقدم في آلة طرد مركزي بشرية دوارة (مجرد مشاهدة الطفو في فيلم Charlie and Chocolate Factory).

ربما يرغب المسافرون في اصطحاب مزيل للعرق. ويقول سوفريديني: “هناك مقصورة للنظافة سيكون بوسع المشاركين فيها القيام بما يشبه الاستحمام بالإسفنج”.

ولكن مهلاً إنها مسألة مبدأ وليست فقط محاولة لاجتذاب أموال الأثرياء المولعين بالمغامرة

تقاعد سوفريديني، الخمسيني المغرم بالأمثال الشعبية والشروح المستفيضة من ناسا عام 2015، وهو عاقد العزم على تأسيس مشروع يتعلق بالفضاء. وبعد مغادرة ناسا بفترةٍ وجيزة، أصبح رئيس القسم التجاري للفضاء لشركة Stringer Ghaffarian Technologies الهندسية، وأطلق شركة Axiom عام 2016، وجنت حتى اللحظة تمويلاً قدره 10 ملايين دولار.

وتقول ليزا ريتش، مؤسسة شركة Hemisphere Ventures وإحدى أوائل من استثمروا في Axiom: “التقينا مهندسي Axiom، واطلعنا على خططهم، واستعنا بخبراء في المجال، أرهقوهم بالأسئلة، وتعمَّقوا معهم في الحديث المتخصص. وكل المؤشرات من حولنا تشجّعنا على المضي قدماً والانضمام لهذا المشروع”.

وأضافت: “في مركز جونسون للفضاء، يتبادل مايك التحية مع كل من يمر به تقريباً. وقد أصبح بجدارة أسطورةً في مجاله”.

تمحور المسار المهني لمايك حول مجال الفضاء. وفي هذا السياق يقول: “شاهدتُ كغيري نيل آرمسترونغ وهو يسير على القمر، وقررتُ أنَّ وكالة ناسا مكان جميل، وأنَّني أريد أن أعمل فيه”. وبالرغم من أنَّ مايك أشرف على العديد من المهام، لم يسبق له الصعود إلى مدار الأرض، ولا ينوي أن يلتحق برحلة Axiom. (حين سُئِلَ عن هذا الأمر تمتم قائلاً: “سيكون علينا أن نجد من يغطي تكلفة رحلتي”).

ومع ذلك، فإنَّ سوفريديني ينظر إلى Axiom باعتبارها خطوةً ضرورية لمواصلة البحث العلمي وتطوير علوم الفضاء، وهو أمرٌ يراه ضرورياً لاستمرار النوع البشري.

ربما تكون شركته مصدراً لتلبية رغبات الأغنياء المتشوقين للإثارة، ولكنَّه يصر على أنه صاحب مبادئ.

ويقول: “إذا اقتصر ما تقوم به في علوم الفضاء على الذهاب والعودة، فأنت بذلك لست من حملة لواء هذا المجال ولا الرواد فيه. ينبغي أن تحقق الريادة”.

ولكن الأمر لا يقتصر على المغرمين بالفضاء بل هناك علماء وباحثون في مجالات عدة حتى مصنعو أواني الطهي

ومن المهتمين بعمل الشركة دولٌ لم يسبق أن ذهب أيٌّ من مواطنيها إلى الفضاء (كما هو الحال مع منظمة ألمانية تسعى إلى إرسال أول رائدة فضاء ألمانية إلى المدار، وتعقد محادثات مع Axiom في هذا الصدد)، وباحثون في علوم المواد، وعلماء أحياء يحاولون فهم كيفية تأقلم جسم الإنسان مع الأجواء في العالم الخارجي، بل حتى شركة Tupperware للأواني المنزلية.

ويقول مايك: “إنَّهم مهتمون بالعمل معنا، لاختبار أنواع مختلفة من الأوعية والأواني، ومعرفة الكيفية التي يمكن الطهي بها بطريقةٍ نظيفة. ولكن مع أهمية الفكرة التي نتبناها، من سيهتم بجلي الصحون وغسل المايكروويف؟.. قريباً سنصحب معنا في كل رحلة خادماً”.