الجمعة: 30 أكتوبر، 2020 - 13 ربيع الأول 1442 - 12:37 مساءً
دفاتر
الأثنين: 23 يناير، 2017

في ربيع عام 1975 كان موفد الشاه ومستشاره للشؤون العربية الصحفي نذير فنصة الى الرياض في زيارة سرية طلب على أثرها مقابلة العاهل السعودي آنذاك، الملك فيصل بن عبد العزيز …

 
فحوى الرسالة التي كانت مرسلة من الشاه مباشرة الى أسماع الملك بواسطة فنصة مفادها أن جهاز السافاك (الاستخبارات الإيرانية) الذي أسسه الشاه عام 1957 وكان يرأسه في ذلك العام 1975 الجنرال نصيري أن إشارات و معلومات التقطها الجهاز الاستخباراتي تؤكد الكشف عن مخطط لاغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز، و الذي كانت تربطه بعمي أواصر صداقة خاصة و ثقة مع العاهل السعودي لذلك إختاره الشاه دونا عن سواه لإيصال الرسالة السرية وكانت تلك العلاقة أسبق مع والده عبد العزيز مؤسس العرش السعودي في المملكة مذ كان مستشارا لحسني الزعيم بعد توليه رئاسة الجمهورية السورية و نقله الرسائل بين الطرفين حفاظا على كرامة و حياة الرئيس شكري القوتلي .. عندما أطاح به الانقلاب السوري الأول عام 1949.

 
و شدد الشاه في توصيته لنذير فنصة على أن المطلوب هو إبلاغ الملك السعودي حصرا و بدون اثارة انتباه أحد من حاشية الملك و لا حتى المقربين منه .. و إبلاغه بإتباع اقصى درجات الحيطة و الحذر و بأن هناك مخطط لم تتضح فصوله و أبعاده يهدف للإيقاع به .. و تصفيته و ليس على الرسول الموفد و تحت أي ظرف من الظروف التحدث في هذا الأمر لغيرالملك فيصل شخصيا عند اللقاء به منفردا ..ولسبب ما فيما لو لم تتح له الفرصة بلقاءه .. ضمن هذه الشروط التي حددها له الشاه فليس مطلوبا منه إبلاغ هذا التحذير.

 

 

و يتابع عمي في سرده للقصة بعد سنوات طويلة على أحداث هذه الزيارة (توفي عام 2005) قائلا: بقيت في الرياض لمدة أربعة عشر يوما في بداية شهر آذار من العام 1975 و لم يسمحوا لي بمقابلة الملك .. إذ كنت في كل مرة أزور بها الرياض قاصدا الملك أو منتجعه الصيفي في الطائف ألتقيه بكل يسر و بساطة بعد الاتصال بمستشاره في الديوان الملكي الدكتور رشاد فرعون الذي كان يقودني اليه مباشرة إلا هذه المرة .. و عجبت أشد العجب .. اذ كانت هناك استحالة بلقائه، و عدت مباشرة الى طهران و التقيت الشاه فورا و أبلغته بأنني لم اجتمع به .. أو بالأصح لم يسمح لي هذه المرة بلقائه و إبلاغه الرسالة .. ، و يصف نذير الشاه لحظتها بأنه اصطفق بيديه قائلا بالفرنسية التي كانوا يتخاطبون بواسطتها : (C’est dommage).. و يقصد بهذه الحركة العفوية التعبير أن نهاية الملك اقتربت و إنه لأمر محزن .. و في الخامس و العشرون من ذات الشهر أوردت وكالات الأنباء نبأ اغتيال العاهل السعودي بطلقات مسدس وجهها اليه الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود أثناء استقباله وزير النفط الكويتي في مكتبه بالديوان الملكي و أرداه قتيلا بعد أن اخترقت إحدى تلك الرصاصات الوريد فكانت السبب الرئيس في وفاته فورا، و لن اتوقف هنا بالبحث و التحري عن الأسباب و الدوافع الخفية لهذا الاغتيال السياسي التي استنفذتها الصحافة الدولية و التحقيقات بالتكهن لما خلف هذا الإغتيال و تبعات هذا الاعتداء الإجرامي لرأس الهرم السعودي ،الملك ، المشهود بمواقفه الإنسانية و الوطنية و العروبية الصادقة ..بقدر ما يهمني في هذا المقال إلقاء الضوء على الأحداث التي سبقت هذا الاغتيال الذي قيل عنه آنذاك انه تم جزاء للملك على قطع سبل النفط السعودي المتدفق عن معظم دول الغرب خلال حرب 1973 و عانت بسببه نقصا شديدا في الاحتياطي العالمي .. و علق الديوان الملكي آنذاك واصفا الجاني بأنه مختل عقليا .. ولم يكن ذلك السبب الوحيد، بالتأكيد ، وإن كان المعلن، ولكن يبقى التساؤل الذي فرضته تلك الأحداث لماذا حاول الشاه إنقاذ حياة الملك السعودي في اللحظات الأخيرة؟

 

 

في العودة الى ما سبق من أحداث .. و في تصريح لافت أطلقه الشاه خلال زيارته مكة و المدينة المنورة لأداء فريضة الحج (حرص خلالها بالرغم من علمانيته إظهار صورته و هو يبكي عند قبور آل البيت) .. قال خلالها أن الأمير فيصل القائد العربي الوحيد الذي بإمكانه توحيد الجهود الإيرانية السعودية ضد عبد الناصر و إيقاف تصدير الثورة الى ممالك المنطقة و تابع الشاه .. أنه مستعد للتعاون معه للوقوف في وجه طموحات عبد الناصر المجنونة (كما وصفها) و كان حينها ملك المملكة شقيقه الأكبر سعود بن عبد العزيز و الذي خلعه فيصل من قيادة المملكة عام 1964، و لكن بعد وقوف الملك الى جانب عبد الناصر غداة هزيمة حزيران 1967 توترت العلاقات السعودية الإيرانية، خصوصا بعد انسحاب البريطانيين من البحرين و استقباله أميرها الشيخ عيسى آل خليفة عام 1968، و اعتبر الشاه أن استقبال الملك فيصل لأمير البحرين اعترافا ضمنيا بالمملكة البحرينية و التي كان يفاوض بريطانيا على اعتبارها جزءا من الأراض الإيرانية .. و يقول عمي : لقد كانت حساسية الشاه شديدة لكل ما يخص مسائل الخليج والذي تنازع عليه حتى بالتسمية (الخليج الفارسي).

 
و بعد أن تهيأت للشاه أسباب الزيارة المرتقبة للملك السعودي طار نذير فنصة بطائرة عسكرية إيرانية محملا فيها بالهدايا الرسمية الإيرانية المعدة للملك فيصل و الأمراء و أفراد الحاشية و من بين الهدايا مجموعة نفيسة من السجاد و الكافيار الإيراني النادر .. تلك الزيارة التي هيأ فيها الملك كل أسباب التبجيل لنظيره الإيراني و لم تتم في حينها إذ أبلغه السفير الإيراني في الرياض الدكتور مشايخ فريدني يرفقه مستشار الخارجية الإيرانية الدكتور زنفر بور في مقر إقامة الموفد فنصة بفندق الصحراء في العاصمة السعودية قائلين: لدينا نبأ مزعج .. لقد ألغى الشاه الزيارة و قد أعلمنا الملك فيصل رسميا بهذا القرار، و يتابع نذير أما أنا فقد كاد يغمى علي .. لقد ضاعت أشهرا من الجهد و العمل التي حاولت فيها أن أتلمس حدا أدنى من تفاهم سعودي إيراني ..، و ها هي جهودي تمحى بلحظة ..

 
و لم أتمالك نفسي حينها و قلت للسفير و المستشار الإيراني و هل نصب الشاه نفسه وصيا على العاهل السعودي لكي يحظر عليه من يتوجب استقباله و متى يسمح له استقبال الملوك و الرؤساء العرب ، لقد أخطأ الشاه خطأ بليغا .. فانتفض السفير و أجابني كيف تجيز لنفسك أن تقول ما تقوله و أنت من رعايا الشاه .. فذكرته بأنني لست إيرانيا و لا أحمل جواز سفر إيراني .. وأنا بين السأم والامتعاض.

 

 

وفي تفاصيل الرواية و تبعاتها أنه حين عودته الى طهران كتب تقريرا من ثمان صفحات وجهه الى الشاه بيّن فيه فشل الدبلوماسية الإيرانية في تقريب وجهات النظر بين البلدين كما وثق بعضه في كتابه الذي صدر في باريس مترجما الى عدة لغات بعنوان (طهران مصير الغرب )- ترجم الى عدة لغات – ومن ثم توجت سفارته بين البلدين الى قبول الشاه زيارة الرياض بعد شهر واحد من هذا الخلاف الحاد على مستقبل البحرين، ذلك التقرير الذي سلمه الى الشاه السيناتور عباس مسعودي نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني ،و الذي إعترف الشاه فيه بخطأه البالغ بشهادة مسعودي و أنه وجب عليه تصحيح هذا الخطأ .. و من الرياض و خلال الزيارة التي بدا فيها الشاه مرتاحا جدا .. وقف لأول مرة يخطب فيها اثناء حفل العشاء الذي أقامه الملك على شرفه حيث تم استقباله بحفاوة بالغة خاطب فيها الشاه الملك السعودي و نعته بوصف لاقى استحسانا ساحرا في نفوس المستمعين السعوديين إذ وصفه الشاه “بأمير المؤمنين” و قد ضجت القاعة آنذاك بالتصفيق و التكبير، و غاب عنهم حينها أن الشاه ذاته و من أتى بعده حاولوا أن يجعلوا من إيران دولة عظمى.. و لكن على الورق ليس أكثر!!.