الأثنين: 10 أغسطس، 2020 - 20 ذو الحجة 1441 - 08:10 صباحاً
بانوراما
الأثنين: 29 مايو، 2017

عواجل برس _ بغداد

 
عندما حانت ساعة الصفر، كانت نهاية أسامة بن لادن سريعة؛ حاصرته القوات الخاصة الأمريكية وأطلقت عليه النار. رأت زوجاته وأطفاله كل شيء، فقدموا لكاثي سكوت كلارك وأدريان ليفي أول تقريرٍ لهم عن تلك الليلة الدموية.
بعد تناول العشاء وإزالة الأطباق، أدّت عائلة بن لادن الصلاة. بعد ذلك ذهب بن لادن مع أمل – زوجته الرابعة والأصغر سنًا – وصعدا للنوم في غرفتهما في الطابق العلوي.
عند الساعة الـ11 مساءً في مطلع مايو (أيار) عام 2011، غط أمير القاعدة في نومٍ عميق. خارج مخبئه السري في ضواحي أبوتا باد، كانت الشوارع قد اختفت في ظلامٍ دامسٍ بسبب انقطاع الكهرباء. كان انقطاع الكهرباء أمرًا شائعًا وعاديًّا في هذه المدينة الباكستانية، بحيث لم يكن أحد يلاحظ وجود شيءٍ ما في «قصر وزيرستان» الاسم الذي كان يطلقه الناس على منزل بن لادن.
انضمت خيرية قوية الإرادة وابنها حمزة أخيرًا بعد أن احتجزا في إيران لمدة 8 سنوات. كان بن لادن مسرورًا لذلك، ولكن كان يساوره الشك متسائلًا عن السبب الذي جعل الإيرانيين يطلقون سراحهما. كان القلق يراوده حول ما إذا كان جهاز المخابرات الإيراني يراقبهما ويتبعهما.
بعد منتصف الليل بلحظات فقط، استيقظت أمل، وفي رأسها صوتُ طنين ممزوج بالمخاوف تجاه مستقبلهم. فجأة، سمعت صوتًا. كان هناك صوت ضجيج في الأعلى. دجججج، دجججج، دجججج. كان الصوت يشبه صوت الرعد، ثم ظنت أنها لمحت خيالًا يمر من خلال نافذة الشرفة. كان الصوت أقرب إلى صوت آلة من صوت الرعد. لقد بدأ الصوت يصبح أقوى، وبدأ الهواء وستارة النافذة الصفراء المطرزة بالورود بالدوران.
جلس بن لادن على سريره بنظرة خوف تعتلي وجهه. تشبثت به أمل. ثمة شيء يحوم فوقهما ويتأرجح بعنف من ناحية اليمين. قفز كلاهما وقد اخترق صراخهما الهدار المجمع السكني. لقد اهتزت جدران المنزل. زحف الاثنان من خلال الظلام إلى باب النافذة. «كانت ليلة غير مقمرة وكان من الصعب أن نرى». قالت أمل وهي تستعيد الصورة في ذاكرتها.

بعيدًا عن الأنظار، وعلى بعد 150 قدمًا، هبطت طائرة هليكوبتر «بلاك هوك» تابعةٌ للجيش الأمريكي في الفناء. كانت زعنفة ذيلها تنزلق على الجدار المحيط. حركت مروحة الطائرة التربة والحجارة في الأرض المغطاة بالأعشاب. هبطت طائرة أخرى من الطراز ذاته في حقل قريب. اندفعت فرق القوات الخاصة خارج الطائرتين. كان المنتقمون الأمريكيون يقتربون.
في غرفة النوم في الطابق الثاني، أصبحت أمل متيقنة أن الأسرة تعرّضت للخيانة من قبل أحد أفرادها. كان هذا أول تقريرٍ عن الدقائق الأخيرة لبن لادن يقدمه أعضاء العائلة المتبقون الذين كانوا هناك في تلك الليلة. لكن القصة قد بدأت قبل ذلك بشهور، وربما سنين. ما لا يعرفه المهاجمون أن ثمة توترات كانت تسود في المجمع، بين زوجات بن لادن وبين «الشيخ» وحراسه الذين كانوا يحاولون طرده.

مع مرور السنين، كبرت عائلة بن لادن التي جُمعت في المجمع. كان بن لادن متزوجًا من أربع نساء. الأولى، نجوى، ابنة عمه، وقد تزوجته وهي في الـ16 من عمرها وأنجبت منه 11 طفلًا. لقد تركته قبل 11 سبتمبر (أيلول)، لكنه اعتبر أن زواجهما لا يزال ساريًا.
الزوجة الثانية، خيرية، وهي طبيبة نفسانية مختصة بالأطفال، والتي كانت تعالج أطفال نجوى المصابين بمشاكل في النمو قبل أن تتزوج من بن لادن وتصبح فردًا من العائلة. عاشت خيرية في المنفى في إيران قبل 11 سبتمبر (أيلول).
الزوجة الثالثة، سهام، معلمة، وقد هربت أيضًا بعد 11 سبتمبر (أيلول)، لكنها عادت للم الشمل مع بن لادن عام 2004. أما الرابعة، أمل، التي تزوجته وهي مراهقة – بهدف إغاظة الزوجات السابقات – وهي التي ظلت معه في باكستان الفترة الأطول، منذ عام 2002. ثم أصبحت أُمًا لخمسة أولاد.
انضمت خيرية قوية الإرادة وابنها حمزة أخيرًا بعد أن احتجزا في إيران لمدة 8 سنوات. كان بن لادن مسرورًا لذلك، ولكن كان يساوره الشك متسائلًا عن السبب الذي جعل الإيرانيين يطلقون سراحهما. كان القلق يراوده حول ما إذا كان جهاز المخابرات الإيراني يراقبهما ويتبعهما.
«نحتاج أن نعرف فيما إذا كانوا ينوون إرسالكِ في هذا الاتجاه بغية أن يتبعوا تحركاتك»، كتب بن لادن لخيرية. «هل تم مسح أسنانها بالأشعة السينية؟ هل أظهرت الفحوص الطبية أي شيء مثل رقاقة تتبع مزروعة تحت الجلد أو في أسنانها؟».
«هل تستطيع أن تتذكر آخر تاريخ علاج لأسنانها، أو آخر مرة فحصها طبيب إيراني؟». لقد سأل عن «كل التفاصيل التي من الممكن أن تساعدني من باب الأمان»، قام بن لادن بإرفاق النقود وصندوق من التمور السعودية لمساعدتها على تحمل مشاقّ السفر إليه. أخيرًا، في 12 فبراير (شباط) عام 2011، وبعد أن حل الظلام فتحت البوابة المعدنية للمجمع لتدخل سيارة جيب سوزوكي بيضاء تحمل خيرية. كان الجميع داخل المنزل على أحر من الجمر.

«كانت بداية مرحلةٍ جديدة»، قالت خيرية لأفراد العائلة الذين اصطفوا مرحبين بها. حاولت خيرية أن تعانق سهام التي أظهرت تصلبًا في جسمها. كانت أمل تراقب صامتة بينما كانت خيرية تتصرف على أنها السيدة الحاكمة في العائلة كما لو أنها لم تكن بعيدة عنهم أبدًا. يمكن أن تكون زوجة بن لادن الأولى طعمًا، أو ربما تم تتبعها. هل كان الأمر خداعًا أم أنها خائنة؟
في الطابق العلوي، غرقت خيرية في الفوضى. لقد كانت غرف النساء مليئةً بالوسائد القذرة، أدوات المطبخ المكسورة والملابس القديمة، كل شيء كان قذرًا مقارنةً مع السكن الأصلي لزوجها. إلى أي مدى تراجعت المعايير منذ الأيام القديمة في جدة عندما كانوا مُحاطين بالخدم. في 29 أبريل (نيسان)، وصل ابنها حمزة – لكن دون زوجته أو أولاده- وأقام عندهم لليلة واحدة فقط. غادر عند الفجر يوم 30 أبريل (نيسان).
على بعد 90 دقيقة من الطيران في أفغانستان، كان هناك 24 جنديًا عسكريًا بكامل جاهزيتهم. في ذلك الصباح في واشنطن، أعطى الرئيس باراك أوباما الأمر للبدء في شن الهجوم. في الساعة 11 مساءً حسب التوقيت المحلي، انطلقوا باتجاه أبوتا باد.
من نافذة الطابق الثاني، رأت سهام وابنها خالد (22 عامًا) الجنود يركضون عبر الحقل باتجاههم. ثم سمعا صوت بن لادن وهو ينادي ابنه بصوتٍ أجشّ، «تعال!». اندفع خالد إلى الطابق العلوي مرتديًا البيجاما وهو يحمل بندقية كلاشينكوف. «الأمريكان قادمون» قالها وهو يلهث.
تذكرت أمل كلام زوجها وهو يقول لها إن آخر مرة حمل فيها خالد السلاح كان في سن الـ13. الآن سيكون خالد خط الدفاع الأخير عن أبيه. ذهبت أمل ومعها سهام لمواساة الأطفال الذين كانوا يبكون والرعب يعلو وجوههم، وهم في أسرتهم الطابقية. حدق الأولاد بخوفٍ باتجاه غرفة خيرية. فقد كانت محكمة الإغلاق. هز انفجارٌ المنزل فُتحت على أثره البوابة. واندفع الجنود داخل المنزل.
في الطابق العلوي من المنزل، اجتمعت عائلة بن لادن للصلاة، كانت كل العيون على الشيخ. «هم يريدونني أنا، ولا يريدونكم»، قال بن لادن أخيرًا وهو يعطي التعليمات لزوجاته كي ينزلوا للطابق الأرضي مع الأولاد.

رفضت أمل التحرك، بينما اختبأت أكبر بناته مريم وسمية على الشرفة الخارجية مع أشقائهم الأصغر سنًا. بدأت سهام وابنها خالد بالنزول، وذهبا إلى خيرية التي كانت تراقب من خلال النافذة بينما كانت الأشباح الصامتة تدنو من المنزل. صاح خالد: «سيرونك ويطلقون النار عليكِ».
في الطابق العلوي، كان بن لادن وزوجته أمل وابنه حسين وحدهم، يستمعون إلى أصوات البنادق. كان الأمريكان يحتشدون في منزلهم.
بدأ الشيخ يتلو الأدعية. بعد 6 أعوامٍ من العزلة، أدركت أمل مع الرعب البارد أنه لم تكن هناك إجراءات أمان، باستثناء بعض قطع اليورو المخيطة في ملابس زوجها الداخلية مع أرقام الطوارئ العائدة لنوابه في وزيرستان. بما أنهما كلاهما لا يملكان هاتفًا نقالًا، فما الفائدة من كل ذلك؟

كان الأمر واضحًا. فقد كان منزلهم مصيدةً للموت، شخص ما قد خانهم. وجدت الوحدات في مدخل الطابق السفلي أن الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي مسدودٌ بباب معدني. لقد احتاجوا قنبلتين لتفجيره.
وبينما كان الأمريكيون يتقدمون للأعلى، ظهر وجه على الشرفة ثم تراجع. همس القناص، باللغة العربية، ثم بلغة الباشتو، «خالد.. تعال هنا» كانت هذه حيلة قديمة يستخدمها رجل الأدغال. وانحنى خالد للخارج مسافةً تكفي لإطلاق النار عليه. فسقط ميتًا.
تابع الجنود تقدمهم للأعلى فوق جثة خالد. أزاح القناص ستارة الباب فرأى وجهًا شاحبًا يختلس النظر من مدخل طوله 10 أمتار. أطلق القناص النار عليه، فتهشم رأسه. بعد أن أردى القناص اثنين من القتلى، صرخت سيدتان في وجوه الجنود في قلب الظلام. كانتا سمية ومريم، بنات بن لادن.

أمسك القناص بواحدةٍ منهما من أسفل ذراعها وسحبها باتجاه الخلف إلى أحد الجدران، في محاولة منه ليحمي بقية الجنود من السترات الانتحارية التي كانوا يخشون من أن تكون الاثنتان ترتديانها. كانت المرة الأولى التي لُمست فيها البنات من قبل رجل لا ينتمي للعائلة، فبدأت البنات بالتصرف بشكل هيستيري.
سيدّعي فيما بعد أحد الجنود واسمه روبرت أونيل أنه اندفع داخل إحدى غرف النوم حيث واجه امرأة عربيةَ الملامحِ ترتدي ثياب الصلاة وتنظر إليه كما لو أنها كانت عمياء من خلال الظلام. لاحظ أونيل أن ثمة شخصًا كان يقف أمام ابن لادن ، كانت امرأة. لوهلة، ارتعش الجندي. من منهما يشكل الخطر الأكبر؟
قبل زواجها، قالت أمل إنها كانت تريد أن تعود في التاريخ، لكنها لم تكن تتوقع أبدًا أن تنتهِ الأمور بهذه الطريقة. رأت الأمريكي يرفع سلاحه، لكنها دفعته بدون أن تشعر. لقد صاح: “لا! لا!”. ثم شعرت أمل بألمٍ حارقٍ في ساقها وسقطت على السرير وهي تنزف. كان آخر شيء تتذكره قبل أن تفقد وعيها «شعاع أحمر من الضوء، لكنني لم أسمع شيئًا».
تذكر أونيل كيف رفع سلاحه – ذا الشعاع الليزري الأحمر – وقد كان عاليًا ما يكفي ليوازي رأس المستهدف. «إنه يقع أرضًا» قال لنفسه وهو يرخي يده عن الزناد. «تمدد الرجل الطويل على الأرض أمام سريره. ثم ضربته مرة أخرى. بففففف! نفس المكان».

صعد المزيد من الجنود الدرج ليلقوا نظرة على المشهد. فانطلقت زخات من الرصاص احتفالًا. وأطلقت المزيد من الطلقات الانتقامية على جثة بن لادن.
استردت أمل وعيها وأدركت أن عليها التظاهر بأنها كانت ميتة على السرير. أغلقت عينيها وجعلت تنفسها بطيئًا. رأى أونيل طفلًا يراقب من الطرف الآخر للسرير. لقد كان هذا حسين الذي شهد كل شيء. حمله الجندي، ورش الماء على وجهه ووضعه على السرير بجانب أمه.
برعبٍ شديد، استمعت أمل -وكانت لا تزال مستلقية بدون أن تتحرك- إلى الجنود وهم يقودون سمية ومريم فوق جثة أبيهما الميت، مطالبين إياهما بالتعرف على الرجل وتأكيد هويته. كانت الغرفة مليئة بأصوات نساء يصرخن. كانت الأختان تريدان أن توجها جثة أبيهما تجاه القبلة، وهذا أمر تقليدي عند المسلمين، لكن الأمريكان مارسوا الضغط عليهما:
– «ما اسمه؟» سأل الجندي باللغة العربية.
– «إنه الشيخ».
– «من الشيخ؟».
– همست مريم: «إنه عبد الله بن محمد».
– قالت سمية لأختها باللغة العربية، «قولي لهم الحقيقة، فهم ليسوا باكستانيين».
لم تكن مريم قادرة على الكلام. ثم نظرت سمية إلى الأعلى. «إنه أبي» قالت أخيرًا: «إنه أسامة بن لادن». لا زال الجندي الذي يتكلم اللغة العربية غير متأكد، فأمسك بابنة أمل البالغة من العمر 11 عامًا واسمها صفية، وكانت مختبئةً في الشرفة.

– «من هذا؟» قال الجندي للفتاة، وهو يشير إلى الجثة.
– كانت صفية تتصرف بشكل هيستيري عندما قالت، «أسامة بن لادن».
– أمسك جندي آخر بخيرية، التي كانت تقف في الممر، قال الجندي وهو يهزها: «من هذا؟»
– بدأت خيرية ترتجف: «أسامة» قالت وهي تتلعثم.
– «أسامة ماذا؟» سألها وهو لا يزال يمسك بذراعها.
– «أسامة بن لادن».
– «ها هنا تأكيد آخر»، أعلن الجندي الذي يتحدث العربية. «تم التأكيد من خلال الطفلة ومن خلال السيدة الأكبر».
استمعت سمية إلى صوت ارتطام رأس أبيها بالدرج بينما كانوا يجرون جثته إلى الطابق السفلي. بعد دقيقة، أخذ الجنود كلًا من سمية ومريم للأسفل، أيضًا، متبعين آثار الدم، يدوسون فوق جثة أخيها الميت خالد.
ثم جاءت سهام، وكانت تحاول أن تسير بتوازن على درجات السلم الذي أصبح زلقًا بسبب الدم النازف من أسامة. رأت ابنها خالدًا، فهمست ببعض الأدعية له وركعت لتقبل جبهته لكن الجندي أبعدها عنه. بعد 5 دقائق، وُضِعت جثة بن لادن في طائرة الهيلوكوبتر التي كانت لا تزال تعمل بانتظارهم وأصبح الجنود مستعدين للذهاب.
قبل المغادرة، حاولوا أن يجمعوا النساء والأولاد الناجين في الحديقة. وفي غرفة النوم في الطابق العلوي، كانت أمل مستلقيةً تحدق بالسقف الملطخ بالدم، وهي تفكر بزوجها الذي مات للتو.
بعد 6 سنوات من الإقامة في هذا المكان محكم الإغلاق، جاءت النهاية التي لم يجرؤ أحد منهم على مناقشتها يومًا وذهبت خلال دقائق. شعرت بحسين يرتجف إلى جانبها، لكن ساقها كانت ترتجف ولم يكن بإمكانها أن تجد القوة للجلوس. أين ذهب الجميع؟ ملأ لمعان برتقالي اللون الغرفة مضيئًا الستارة الصفراء المطرزة بالورود، عندما هز انفجار ضخم الغرفة محطمًا النوافذ ومبعثرًا الزجاج فوقهم.
طارت الهيلوكوبتر المنكوبة. بعد دقائق، سمعت أمل صوت ثرثرة خارج المنزل، حيث بدأ الجيران الخائفون بالخروج من منازلهم. بدأوا يصيحون: «من يحتاج المساعدة؟ هل مات الجميع؟». أمسكت أمل بحسين، تشده إليها أكثر.