الجمعة: 3 أبريل، 2020 - 09 شعبان 1441 - 03:48 صباحاً
بانوراما
الأربعاء: 12 فبراير، 2020

أحمد محسن

تُذكّرنا مفردة “خواتم” بالعديد من الأشياء. الكلمة طيّعة مثل الخاتم نفسه في اليد، وتعمل في الذاكرة بذات الطريقة. قد تنزلق وقد يكون معناها ثابتاً. قد تكون إشارة إلى الموضة، وقد تحيل إلى تديّن صاحبها. قد تكون ضيّقة في الأصابع، وقد يحمّلها أصحابها رمزية أوسع من حجمها الحقيقي بكثير.
قد نتذكر “بيّاع الخواتم” لفيروز، وقد نتذكّر مجموعة “خواتم” الأدبية للشاعر أنسي الحاج، وقد نتذكّر الخواتم نفسها، وهي من فصيلة المجوهرات، وباللغة العربية الأصح أن يُقال: جواهر. ثمة صعوبة في العودة إلى الصواب، وفي تحديد الأصول، عندما يتعلق الأمر بالكلمات والأشياء

هذا هو حال الخواتم نفسها كأداة “أنتروبولوجية”، مثلما هي الحال في البيئة الشيعية. الوصول إلى تاريخ دقيق لهذه الخواتم ليس سهلاً. وهنا، لا نتحدث عن الخواتم بمعناها المتعارف عليه، كصنف من أصناف الزينة العادية. هنا نتحدث عن تلك الدارجة للرجال، لا للنساء، والتي تتجاوز وظيفتها التزيّن.
ليست هناك قاعدة اجتماعية-ذكورية أو فقهية تحصر لبس هذا النوع من الخواتم بالرجال، مثلما حُصر الذهب بالنساء، لكن الشائع في المجتمعات المتديّنة هو أن يضع الرجال العقيق في أصابعهم، وأحياناً الياقوت. وقد نجد خواتم برّاقة بالفيروز بألوان زاهية تدل على ورع قد يبلغ من الكآبة مبلغاً عكس اللون. وهناك زمرد أيضاً، وحديد من الصين، ودرّ من صحراء النجف.
وتسمّى هذه الأحجار بالكريمة. ومثلما تكتسب شكل الأصابع، يكتسب واضعها في المجتمع صفتها، فيعتبر نفسه كريماً.

وننبّه المفرطين في النظرة “الوضعية” إلى الأمر، إلى أن الخواتم ليست بلا تاريخ. وليس غريباً أن تكون فارس موطن الفيروز الأصلي، بلونه المعروف في الجبال النيسابورية، أو أن يكتسب العقيق اسم موطنه ومنشئه، فيصير يمانياً. والعقيق اليمني مثير للاهتمام أكثر من غيره الآن.
ومؤخراً، لفتت ظاهرة ارتداء بعض الشيعة للخواتم كثيرين، بسبب خاتم قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني والذي ظهر في صورة يده المقطوعة التي التقطتها عدسات الكاميرا بعد اغتياله. وحسبما قيل، هذا خاتم مصنوع من العقيق اليماني. والجنرال كان يضعه في يده اليسرى.

“تزوير” الخواتم
حسب أحد تجار هذه الأدوات في لبنان، لم تعد التجارة بها رائجة كما في السابق، ليس لأن الناس في الأزمات الاقتصادية لا تميل إلى التزيّن، وتلتزم بالضرورات، بل لأن وظائف الخواتم فرضت تغيّراً في طبيعة السوق. لا نتحدث عن تغيّر في النوع، إنما في الدرجة.
كثرة الزيارات إلى العراق وإيران أرهقت سوق الخواتم في لبنان. وهذا قبل الأزمة الاقتصادية. صارت الخواتم الآتية من الأماكن المقدّسة أكثر جاذبية، حسب ما يقول العارفون بسوق الأحجار الكريمة.
يعترف التاجر الذي تحدث لرصيف22 بأن كثيرين من التجار يبالغون حين يقولون هذا من النجف، وذلك من قُم، وتلك التشكيلة من كربلاء. في الواقع، يمكن أن تكون هذه الأحجار من الصين أو من تايلند.
مؤخراً، لفتت ظاهرة ارتداء بعض الشيعة للخواتم كثيرين، بسبب خاتم قاسم سليماني والذي ظهر في صورة يده المقطوعة التي التقطتها عدسات الكاميرا بعد اغتياله. وحسبما قيل، هو مصنوع من العقيق اليماني
بالحسابات التجارية الصرفة، يمكن القول بل التأكيد أن هذه التجارة تراجعت. وبالحسابات الأنتروبولوجية، إذا غامرنا واستخدمنا التعبير، قد يصح الافتراض، وهو افتراض مدعّم بالشواهد، بأن التجارة هذه في رواج، رغم كل العوامل التي تدفع إلى تراجعها، من الاقتصاد وصولاً إلى الأعراف والتقاليد.
المحال التي تبيع مثل هذه الخواتم تقفل في الأماكن العادية، وتزدهر في الأماكن المقدّسة. شائع جداً أن يعود الحجيج وزائرو الأماكن المقدّسة بهدايا من هذا النوع، وتحديداً الخواتم، حتى أن التاجر يستغرب عدم معرفتنا بالسوق النجفي الشهير، الذي “يعود إلى أيام صدام حسين”، ويقع بمحاذاة مرقد الإمام علي بن أبي طالب، المسيّج ببوابة من الذهب.
قد تكون الأحجار صُنعت في الصين، ولكن يمكن “تزويرها”. والمفارقة أن لتزوير الخواتم هنا معنيين. المعنى الأول هو المعنى الذي يخطر على البال للوهلة الأولى، وهو تزييفها، فالفيروز قد لا يكون فيروزاً، إنما بلاستيك مصبوغ في الصين، وينسحب ذلك على الياقوت.
يمكن للخبراء تحديد درجة أصالة الأحجار، ومستوى النقاء فيها، لكن الناس العاديين، الطامحين إلى الشكل، قد لا ينتبهون إلى الفارق بين المادة الآتية من شرق آسيا، والأخرى الآتية من غربها. وقد ظهرت أخيراً إعلانات بالجملة، لشركات صينية، مع كاتالوغات مفصّلة، وليس على الراغب بالتجارة، سوى أن يطلب التصميم الذي يريده، وسيحصل عليه، ياقوتاً كان أم زمرداً.
أما المعنى الثاني للتزوير، فهو شائع في أوساط أكثر تديّناً، ويُقصد به أن تُرسَل الأشياء لزيارة المقامات والأماكن المقدّسة، فتصير بذلك “مزوّرة”، ويُشتق المصطلح من زيارة، وتالياً يصير الخاتم مباركاً.
بين التجارة والشريعة
ليس مهماً بالنسبة إلى كثيرين في أي يد يوضع الخاتم، لكن أحد الذين تعج أصابعهم بهذه الخواتم يعتقد أنه من “الاستحباب” أن توضع في اليمنى، فاليد اليمنى تُخصص لما هو رفيع بعكس اليسرى. ولكن كثيرين لا يوافقون على ذلك. يفترضون أنها دليل على الإيمان، وليس هاماً كيف يكون التصميم أو كيف تُلبَس.
ثمة مَن يعتقد أن الخواتم تجلب “العرسان” أيضاً، حسبما يقول تجار، يتاجرون بذكورية المجتمع. والتجار نوعان، حسب ما يشير تاجر “عتيق”، من “ملوك العقيق”، في الضاحية الجنوبية لبيروت: نوع “يدلّ الناس إلى الحق والشريعة”، ونوع “يهمّه أن يبيع”.
نطلب من البائع أن يحدثنا عن أحجاره، فيسهب في الشرح. يخبرنا أن الياقوت يدل على “كرم” صاحبه ويجلب الرزق، مفترضاً أن هذا سهل التصديق في أيامنا، أما العقيق الذي كان يضعه قاسم سليماني في يده، فيقال إنه أشبه بالدرع، ومن وظائفه الأساسية الحماية
إنْ صدقت نظرية صديقنا التاجر، فذلك يعني أننا بحاجة إلى معرفة النوع الأول، لأن التاجر الثاني لا يحتاج إلى تعريف. يخبرنا أنه، وحسب السيد علي السيستاني، المرجع الشيعي الكبير في العراق، فإن لبس الخواتم مستحب. إذاً، يتجاوز الأمر العادات، ويصير مشرعاً دينياً أن يكون لبس الخواتم ليس للتزيّن، وليس لاعتقاد بأنه يجلب الحظ السعيد والمال الوفير , بل لان ذلك الاعتقاد بحد ذاته مسوّغ من الناحية الدينية .

وحسب التاجر الذي يستند إلى الروايات الشيعية، وهي كثيرة بأي حال، يُستحب أن توضع الخواتم المرصعة بالعقيق، والحديد الصيني ليس مكروهاً، لكن إلى العقيق، فالفيروز يبقى أكثر بهجةً.
ووفقاً للفتاوى الشيعية الدينية، لا مانع من تختّم المرأة، ومن علامات إيمان الرجل أن يضع خواتمه باليد اليمنى. ينصح التاجر الذي تحدث لرصيف22 زبائنه دائماً باليمنى، لأن الذين يأتون للتبضع أحياناً، تكون الخواتم بالنسبة لهم مجرد خواتم، ولا يعرفون “القواعد” الشرعية.
وسيلاحظ المهتم دائماً أن الذين ينشدون هيئة التدين من الرجال يضعون خواتمهم في أصابع اليد اليمنى. بعضهم يضعها في كلتا اليدين، لكن أحد هؤلاء أشار لنا بأنه لا مانع من التختّم باليسرى، طالما أن اليد اليمنى فيها خواتم.
وبينما قد يبدو هذا عالماً غريباً بالنسبة للعاديين الذين يستيقظون كل صباح، وأحياناً يحلو لهما أن يضعوا خواتم في أيديهم، فإنه ليس كذلك للذين يضمّونه إلى حواشي المقدّس.
الياقوت للقلب والعقيق للحماية
أطلعنا التاجر على مرويات شعبية تقول بوظيفة للياقوت في تنظيم ضربات القلب، وفي استخدام النوع الأصفر منه لمعالجة بعض أمراض الأطفال. قال إن أشياء مثل هذه شائعة، وتوارث التجار مروياتها. لا ينفي أن التجار قد يضيفون البهارات إلى قصص الأحجار، لكنه يؤكد أنها لم تولد بسبب التجارة في الأحجار، بقدر ما هي سابقة على ذلك.
نفهم من حديثه أن الأمر تجارة في الأفكار وفي الخوف أيضاً. تقول بعض القصص إن هناك أرواحاً مسحورة، وإن هناك أشراراً، والخواتم دروع لأصحابها ضدّهم، تحميهم من الأخطار.
ليس فقط كذلك، بل هناك عادةً شائعة لدى بعض المصلين، تقضي بوضع الخاتم بالمقلوب أثناء الدعاء. فعندما يرفع المصلّي يديه تضرعاً، تصير راحتا يديه أمام عينيه، ويقلب الخاتم حتى يصير الحجر الكريم أمام ناظريه. ومن المصلّين مَن يعتقد بأن هذه العادة مستحبة، ومنهم مَن يجد الفتوى لذلك. غير أن رجال دين معتدلين، لا يعتقدون بذلك، ويقولون إنه لا دلائل على هذه القصص.
نطلب من البائع أن يحدثنا عن أحجاره، فيسهب في الشرح رغم أن تجارته صارت خاسرة، كما قال سابقاً. يخبرنا أن الياقوت حجر كريم، ويدل على “كرم” صاحبه وشهامته، ويجلب الرزق، مفترضاً أن هذا شائع، وسهل التصديق في أيامنا.
ويشير إلى أن واضع الياقوت في الخنصر، باليد اليمنى، هو شخص مرتفع المقام في المجتمع، أو يقدّم نفسه إلى المجتمع، على هذا الأساس. أما الحديد الصيني، فهو حجر للثغور، أي للقتال، ويدل إلى أن الذي يضعه من الأشداء، أو بطبيعة الحال، شخص يعتبر نفسه من هذه الفئة.
و”الفيروز للتجار عادةً”، يتمتم ضاحكاً، وهو يضع في يده اليمنى خاتماً من هذا النوع، أي للذي يغامر ويسافر. أما العقيق الذي كان يضعه سليماني في يده، فيقال إنه أشبه بالدرع، ومن وظائفه الأساسية الحماية.