الأثنين: 20 أغسطس، 2018 - 08 ذو الحجة 1439 - 04:59 صباحاً
ثقافة وفن
الأثنين: 8 يناير، 2018

 قصتي مع امل دنقل

كنت في السادسة عشرة من عمري أدرس في بريطانيا وأعمل في إجازاتي الصيفية بمصر خلف مكتب استقبال في فندق شهير في ورديات تمتد لثماني ساعات يقتلني فيها الملل والابتسامات المصطنعة، وكان في الفندق مكتبة صغيرة تحمل بعض الكتب العربية التي كنت أنتقي منها كتاباً كل فترة كي أقرأه بعد ذهابي إلى البيت، وحيث إنني كنت متيمة بالأدب والشعر العربي.

وقع في يدي الديوان الكامل لأشعار أمل دنقل، ورغم أنني استغربت الاسم وقتها فإنني فور النظر بين طيات الكتاب، استوقفتني الكلمات التي تخللت كياني فجأة وبقوة حتى إنني بعد شرائه مباشرة لم أنتظر حتى أنتهي من ورديتي لقراءته، بل شرعت فوراً في القراءة بنهم وتركيز بالغين حتى إنه لم يكن يشتتني عن القراءة إلا نزلاء الفندق الذين يترددون على مكتب الاستقبال كل فينة وأخرى.. كانت هذه الأعمال الكاملة في الكتاب الذي لا يفارقني ولم يفارقني منذ اشتريته.. وأتذكر جيداً بكائي أثناء قراءة “أوراق الغرفة رقم ٨”.. آخر ما كتبه دنقل!

ولأنني كنت أعيش تجربة نفسية رائعة مع دواوين دنقل، كان من الطبيعي أن أبحث عما كُتب عنه فكان ثاني كتاب أحصل عليه من نفس المكتبة هو كتاب “الجنوبي” لعبلة الرويني، أرملة دنقل الحاضر الغائب.

وبينما تخجل الكاتبة من وصف نفسها بمحاسن عزت وجودها في كل الأزمنة، فهي الزوجة الصديقة التي قضت أغلب سنوات زيجتها تنتقل من شقة مفروشة لأخرى إلى أن انتهت بإقامة جبرية بالمستشفى ترافق زوجاً يحتضر، لم يكن من الصعب التكهن بما يدور بخلد دنقل عبر الأحداث التي تسرد بالكتاب وكأنها مرئية.. فهو الجنوبي الذي لا يطمئن إلى اثنين: البحر والمرأة الكاذبة!

دنقل الذي كان عازفاً عن الزواج عندما قابلها ككاتبة صغيرة في كافيه “ريش” تريد الكتابة عنه، دار بينهما حوار أشبه بالـ (غلاسة) انتهى بقول دنقل: “لا تخشيني..فأنا لن أتزوجك”، ورغم أن الرويني كانت غضة صغيرة فإن الأنثى في داخلها ذهبت إلى بيتها تتظلل بتساؤل حائر لم ينتهِ إلا بدنقل وهو يبيع قطعة أرض عزيزة عليه حتى يستطيع أن يتزوج الرويني.. فكيف لنا ألا ندرك أن الجنوبي اطمأن لها؟

الرويني، هذه الشخصية الهادئة الخجولة الأنثوية في كل خلجاتها.. التي لم تكن تحب التردد على المقاهي إلا وهي بصحبة دنقل إرضاء له لم تتردد أن تواري نفسها في كتاب كتبته هي عن زوج راحل.. لا يُظهر للقارئ منها إلا ظلالاً من وفاء ونبل صاحب قرينها إلى المستشفى دون كلل أو ملل ثلاث سنوات كاملة.. هي تقريباً عمر الزيجة نفسها التي لم تدم سوى أربع سنوات.

فبعد مقدمة تتسم بمعالم الفلاش باك، تأخذنا الرويني إلى دهاليز شخصية دنقل، وشخصيتها أيضاً، من خلال كتابات تبادلاها حتى ندرك أن شخصية دنقل التي حاول أن يغلفها بعدم الاكتراث في بداية لقائهما سرعان ما تكشفت عن إنسان بالغ الحساسية لم يستطِع التعبير عن مشاعره الفياضة إليها وهو الشاعر المتمكن من مفردات الحب، فراح يكتب إليها نثراً لم يكن مغرماً به!

أما الرويني نفسها فتتكشف إلينا عبر كلمات دنقل فيها وهو يصفها قائلاً: “أيتها الفتاة البرية التي تكسو وجهها بمسحة الهدوء المنزلي الأليف”.

وفي محاولة ناجحة لتلمس أغوار القارئ المحتمل لهذا الكتاب، تربط الرويني بين دنقل ومفهومه عن الصداقة الذي أكسبته له مرارة الأيام وبين النفس البشرية التي إذا ما ضعفت فر منها الناس، ونعرف حينها ماذا كان يقصد دنقل ببيتين طالما دارا بخلدي:

رفسة من فرس
تركت في جبيني شجا
وعلمت القلب أن يحترس

وتدفعنا الرويني دفعاً إلى حب دنقل..فلا نستطيع إلا أن نراه بعينيها فيبدو لنا جميلاً.. نقياً.. صادقاً.. وتتضاءل أمام نظرتها كل الدعاوى التي كان تقام ضد دنقل من كونه مريضاً بالكبرياء.. قاسياً.. حاداً.. لكننا لا نصدق تلك الدعاوى عندما نعلم ما عاناه من ظلم الأقربين الذي ترك في قلبه نزفاً لا يطيب.

وتتمادى الرويني فتكشف لنا الكثير عن نفسها، ربما أكثر قليلاً مما تكشف لنا عن دنقل نفسه؛ ليتضح للقارئ أن “الجنوبي” ليس في واقع الأمر كتاباً عن دنقل وحده إنما عن كليهما معاً فيسيرة ذاتية تحتمل الكثير من الخصوصية بين شاعر وصحفية ثم بين صديق وصديقته ثم بين زوج وزوجته إلى أن نصل إلى دور الأرملة التي قامت به الرويني وحدها دون البطل! هي الزوجة التي لم نستطِع أن تكون الزوجة/الأم أو حتى الزوجة/الزوجة كما كانت ترغب واستحوذت من قلبه على لقب طفلته المستحيلة، على حد تعبيره، مما أوجد نوعاً من الاختلاف النفسي بينهما أظنها عانت منه.

تذكرنا الرويني غير ذات مرة بعبارة شهيرة لدنقل: الناس تفر دائماً من السفن الغارقة..فندرك معنى إنسانياً دفيناً يلمسنا جميعاً بشكل موجع.. يضغط على أوتار علاقتنا بمن حولنا فتتكشف حقائق الذين تركونا بمنتصف العاصفة ونلتمس لدنقل العذر فيما كان يبدو عليه من تجهم وحدة أمام الناس.

ويداهم السرطان دنقل فلا يكف عن الكتابة ولا يكف عن التدخين.. الذي يجد فيه متعته الوحيدة، كما تخبرنا الرويني..وسرعان ما يتسلل الخوف إلى قلب لا يعرفه فينطق دنقل بالشهادة قبل دخوله إلى غرفة العمليات.. ويبدأ سرد الرويني من هذه النقطة بخلق غصة ألم في الحلق لدى القارئ فيشعر بعذاب امرأة يموت عنها حبيبها من خلال مشاهد قاسية التصور لمرض يغتال الشاعر شيئاً فشيئاً.. وكانت الرويني على حق، فإن السموم المسماة دواء هي المسؤولة الوحيدة عن قتله، وليس السرطان.

تنقلنا الرويني من مشهد مؤلم مبكٍ لآخر أكثر إيلاماً وبكاءً ولا نملك إلا أن نستسلم لها ومعها.. ونمد أيدينا نحن أيضا فنساعد دنقل على نزع حقنة الجلوكوز حتى يذهب في غيبوبة الذي لا يعود!

بعد قراءة الجنوبي، ذهبت إلى أمي أحدثها عنه وكأنني اكتشفت شيئاً جديداً.. فكانت أمي تعرف الرويني جيداً وكانت تعرف دنقل.. قالت لي أمي: مات دنقل فكتبت الرويني عنه فكان “الجنوبي” السبب في بقائهما معاً.. كان لا بد لي أن أقابل هذه السيدة المتميزة التي قرأت لها وقرأت عنها في “سفر أمل دنقل” أيضاً.

اتصلت بجريدة أخبار الأدب وأنا في أوائل العشرينات وبرهبة كبيرة سألت عنها وعرفت طريق مكتبها فذهبت لزيارتها.. كنت وقتها أكتب في مجلة تصدر باللغة الإنكليزية وكنت قد قررت أن أكتب عن دنقل وكانت هذه فرصتي في أن أقابل الرويني وهناك هذا السبب.. استقبلتني في مكتبها بأخبار الأدب بحفاوة وكأنها تعرفني من قبل.. كانت هناك ابتسامة كبيرة على وجهها وكنت كمن رآها من قبل خلف سطورها في “الجنوبي.”..سألتها عن دنقل وسألتها عن “الجنوبي”.. ثم سألتها سؤالاً طالما دار بمخيلتي: ماذا كتب عنها دنقل في أشعاره..كانت تبتسم عندما قالت لي إنه أشار يوماً ما إلى آخر بيتين في قصيدة “مقابلة خاصة مع ابن نوح” وقال لها إنهما لها:

بعد أن قال “لا” للسفينة
وأحب الوطن

كم تمنيت أن يطول اللقاء، ولكن ما ذهبت إليه كان قد تحقق ولم أجد عذراً آخر كي أتقرب إليها بكل أسف، لكن القدر كان قد خبأ لي شيئاً معها.

في اليوم التالي.. وجدت أكثر من خمسين مكالمة من الرويني على تليفوني، كنت في الأوبرا وفقدت محفظتي هناك وكان ممن وجدها أن يبحث فيها فيجد بطاقة الرويني فيتصل بها وتعرف أنها لي فتتصل بي بنفسها كي تخبرني بمكان المحفظة، وكان هذا بداية صداقة وطيدة بيننا تشرفت فيها بمعرفة الرويني أكثر والكتابة في صفحة “شرق وغرب” بأخبار الأدب بسببها وزيارة منزلها الذي اعتقدت أنني سأجد صور دنقل تملؤه، إلا أنني تيقنت أن دنقل في قلب الرويني وليس بالضرورة على الحوائط الصماء.

تجاوزت الأربعين لكني لم أتوقف عن قراءة “الجنوبي”، فأدرك بالعمر ما لم أستطِع إدراكه سابقاً، وأفهم ماذا كان يقصد دنقل عندما كان يشتهي الحقيقة والأوجه الغائبة!