الثلاثاء: 21 مايو، 2019 - 16 رمضان 1440 - 08:33 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 23 أبريل، 2019

عواجل برس/متابعة

منذ ساعات، انهار برج كاتدرائية «نوتردام» الشهير بفعل حريق مدمر؛ وقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو التي جرى نشرها من العاصمة الفرنسية باريس اليوم، ألسنة اللهب والدخان الكثيف يتصاعد ويلتهم قمة البرج، وقد امتد الحريق إلى سطح الكاتدرائية الأيقونية، الذي انهار على إثر ذلك. لم يعرف أحد حتى الآن سببًا لاندلاع الحريق؛ إذ كانت الكاتدرائية تخضع لأعمال «البناء والترميم»، كما لم تسجل حتى الآن أية إصابات. يقول عن ذلك تيبود بينتروي، من سكان مدينة باريس، إنه رأى الدخان يزحف نحو منزله، ويضيف: «من المؤلم رؤية رمز أيقوني يختفي أمام ناظريك في بضعة دقائق»، مُشيرًا إلى أنه قد شاهد انهيار قمة البرج وسقف الكاتدرائية وسط الحشود.

في الوقت ذاته، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية توجه أكثر من 400 فرد من رجال الإطفاء إلى الكاتدرائية، في محاولة للسيطرة على الحريق، وقد واجه رجال الإطفاء صعوبة بالغة في الوصول إلى مكان الحادث، وسط ساعات الذروة اليومية؛ إذ تقع الكاتدرائية على الجانب الشرقي من مدينة باريس بجزيرة المدينة أو «إيل دو لا سيت» كما يطلق عليها، وسط  نهر السين. وقد قامت وكالة «رويترز» الإخبارية بتوثيق لحظة الانهيار بالصور على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

 

كان الناس يقفون في محيط الكاتدرائية يراقبون في ذهول أكبر رمز لمدينة باريس يحترق، فما الذي جعل هذه الكاتدرائية رمزًا وأيقونة تاريخية؟ السطور التالية تحاول سرد أهم اللحظات التاريخية التي شهدتها كاتدرائية «نوتردام»، وماذا نعرف عن المعلم السياحي الأكثر زيارة في باريس؟ 

عمرها أكثر من 850 عامًا

منذ أكثر من 850 عامًا، وفي قلب العاصمة الفرنسية القديمة، باريس، جرى وضع حجر أساس هذا الصرح الشاهق على ارتفاع 69 مترًا، وقد سمي «نوتردام باريس» أو سيدة باريس، نظرًا لكونه واحدًا من أهم معالم العاصمة الفرنسية.

يعود تاريخ بناء الكاتدرائية إلى العصور الوسطى التاريخية، ويعتبر مبنى الكاتدرائية الأيقوني شاهدًا على تطور الهندسة المعمارية، وتداخل الطراز القوطي فيها. أما تاريخ مدينة باريس قبل بناء الكاتدرائية، فقد كان مثيرًا أيضًا؛ إذ عرفت المدينة الفرنسية باسم «لوتشيا»، وفي القرن الثالث الميلادي، أرسل إليها البابا أول أسقف، والذي أصبح فيما بعد «سانت دينيس» أو القديس دينيس، وفي ذلك الوقت كانت المسيحية تمارَس سرًا، خوفًا من نفوذ الإمبراطورية الرومانية، حتى قام الإمبراطور قسطنطين باعتماد المسيحية دينًا رسميًا في أوائل القرن الرابع الميلادي. حينها أصبح فقط مسموحًا للمسيحيين ببناء أماكن للعبادة.

بنيت في مكانٍ مقدس

عندما أجرى علماء الحفريات أبحاثهم على الجزيرة التي تضم مبنى الكاتدرائية، وجدوا آثارًا لمعبد وثني جرى استبداله بكاتدرائية مسيحية كبيرة، كما وجدوا أن الكنيسة القديمة كانت مخصصة في الأصل من أجل القديس ستيفن، لكن لم يستطع العلماء تحديد السنة التي بنيت فيها، وإن كان يُعتقد أنها في القرن الرابع أو السابع الميلادي، وقد كانت الواجهة الغربية للكنيسة القديمة تبعد حوالي 40 مترًا عن الواجهة الحالية لـ«كاتدرائية نوتردام»، وزُينت أعمدة وجدران الكنيسة القديمة بالرخام والفسيفساء.

بنيت الكاتدرائية في مكانٍ مقدس، بجزيرة المدينة وسط نهر السين، وقد كان للجزيرة تاريخ طويل يعود إلى هزيمة الإغريق على يد الرومانيين عام 52 ق.م؛ إذ استقرت مدينة باريس (لوتشيا حينذاك) ومعها الجزيرة في يدِ الرومانيين، وقد جرى تقسيم الجزيرة إلى جزئين، كان الجزء الغربي منها مخصصًا كان لإدارة شؤون المدينة، ويحوي قصرًا يستخدمه الحكام للإقامة خلال زيارتهم مدينة لوتشيا. أما النصف الشرقي، فقد كان مخصصًا لدور العبادة، ويحوي المعابد ومذابح إقامة الشعائر الدينية للقدماء. وعلى الرغم من تعاقب العصور على جزيرة المدينة، إلا أن تقسيمها إلى نصفين، واحد مخصص للعبادة والدين، والآخر مخصص للحكم والعدالة، قد ظلَّ على حاله؛ إذ جرى استبدال القصر الروماني بقصر ملكي في العصور الوسطى، أما المعابد والمذابح الرومانية، فقد جرى استبدالها بكنائسٍ عقب إعلان المسيحية دينًا رسميًا، وقد بنيت نوتردام على أنقاض هذه الكنائس. وقد عُرفت كاتدرائية نوتردام في السنوات الأخيرة بأنها أكثر المعالم السياحية زيارة، داخل حدود باريس، على عكس الاعتقاد الشائع بأن «برج إيفل» يمثل المعلم السياحي الأكثر زيارة.

استغرق بناؤها حوالي 200 سنة

استغرق بناء الكاتدرائية حوالي 200 سنة؛ إذ بدأ بناؤها عام 1163، في عهد لويس السابع، واكتمل بناؤها عام 1345. وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وبحلول العصور الوسطى وتولي الملك لويس السابع السلطة، كانت الهندسة المعمارية قد شهدت تطورًا كبيرًا عن العصور التي سبقتها، ولذا اتخذ لويس السابع وأسقف مدينة باريس؛ موريس دي سولي، قرارًا ببناء كاتدرائية جديدة يستبدلونها بكنيسة القديس ستيفن، وقد اجتمعا على بناء صرح كبير على الطراز المعماري القوطي.

كانت باريس حينذاك مركزًا اقتصاديًا وفكريًا وتعليميًا، تجد فيه التجار ومنازل الحرفيين قابعة على الضفة اليمنى لنهر السين، وقد كان موريس دي سولي، أسقف باريس، ذا تأثير كبير في البلاد؛ إذ قاد حركة إعمار لجزيرة المدينة في ذلك الوقت، وأراد إنشاء ميدان يكون بمثابة الوسيط ما بين الشؤون الدنيوية والعالم المقدس، وهو ما تم إنشاؤه جنبًا إلى جنب مع شارع عريض يمتد إلى ستة أمتار، ويمكن المواطنين من الوصول بسهولة للكاتدرائية، وقد وُضِع الحجر الأول لـ«كاتدرائية نوتردام» عام 1163، وذلك بحضور البابا ألكسندر الثالث، أما عن الخطط الأولية الأصلية لبناء الكاتدرائية الجديدة، فقد خضع لتعديلات وتحسينات على مدار سنوات طويلة قبل اكتمال بنائها.

أنقذها نابليون بونابرت

عرفت الكاتدرائية على مدار تاريخها لحظات تاريخية هامة لا تنسى، كان أهمها الثورة الفرنسية عام 1789، والتي بدأت تمردًا ضد السلطة الملكية والكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، وبحلول عام 1793، جرى إعدام الملك الفرنسي لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت، ومصادرة ممتلكات الكنيسة. أما كاتدرائية «نوتردام» الشهيرة، فقد جرى طرد رجال الدين منها، وتحطيم التماثيل التي اشتهرت بها، وسط أكبر تمرد على السلطة الدينية. وقد تمكن نابليون بونابرت بعدها من إنهاء الثورة عام 1799، وإعادة الخدمات الدينية للكاتدرائية، إذ كانت الكاتدرائية على وشك التلف التام والسقوط، وقد جرى إنقاذها بعد ذلك على يد نابليون بونابرت، والذي توج نفسه إمبراطورًا عام 1804 داخل الكاتدرائية. إلا أن إهمال المبنى الذي تجاوز عمره حينها 600 عام قد استمر، إذ نشأت الأحياء الفقيرة حول المبنى العتيق ونسي سكان باريس تاريخ «نوتردام»، واستمر الوضع هكذا حتى أصدر فيكتور هوجو عام 1831 روايته «أحدب نوتردام»، والتي كانت تجسد الكنيسة العتيقة وما وصل إليه حالها، وبعد 25 عامًا استعاد المبنى الباريسي رونقه، وانتهى ترميمه، وجرى نقل الأحياء الفقيرة وإخلاء محيط الكاتدرائية، لتستعيد مكانتها ككنيسة مرةً أخرى.

محاولات إخماد النيران التي التهمت الكاتدرائية العريقة أمس 15 أبريل (نيسان)

كاتدرائية «نوتردام» والحرب العالمية الثانية

إبان الحرب العالمية الثانية، كانت العواصم الأوروبية كلها تغرق وسط الأنقاض، إلا أن الكنوز المعمارية لمدينة باريس لم تمس، قال البعض أن هتلر قد رفض تدمير المعالم التاريخية والدينية للمدينة العتيقة، لكن الجنرال ديتريش فون شولتزيتز فقد كان له رأي غير ذلك؛ إذ كان الجنرال شولتزيتز هو المسؤول عن باريس بعدما سيطر الألمان عليها، فيقول عن ذلك: «هتلر كان على أتم استعداد لتدمير كل معالم مدينة باريس».

«كان هتلر يتساءل حتى عشية ليلة تحرير العاصمة الفرنسية: هل تحترق باريس؟». *فون شولتزيتز

يقول شولتزيتز إن هتلر قد كلفه بتحويل العاصمة الفرنسية إلى كومة من الأنقاض، إلا أنه وللمرة الأولى في تاريخه العسكري، قد قام بعصيان الأوامر، وفي 25 أغسطس (آب) من عام 1944 استسلم الجنرال للمقاومة التي اندلعت في باريس، بعد أن ظهر بمظهر منقذ «نوتردام» من التدمير، إلا أن الفرنسيين حتى يومنا هذا يعتبرونه كاذبًا، وأنه لم يستطع تدمير المدينة لأن المقاومة الفرنسية سبقته.

في ذلك الوقت من الحرب العالمية الثانية، وعندما ترددت أنباء عن زحف الجنود الألمان نحو كاتدرائية نوتردام لتدميرها، قام الباريسيون بإزالة الزجاج الملون عن نوافذ الكاتدرائية حتى انتهاء الحرب، وذلك خوفًا على نافذة زجاجية أثرية واحدة، تعرف بـ «نافذة الورود»، إذ كانت أكبر نافذة في العالم جرى تنفيذها في القرن الثالث عشر الميلادي.

جان دارك.. قديسة في نوتردام

كانت جان دارك فتاة مسكينة للغاية، تملك شجاعة وثراءً روحيًا؛ إذ ادعت أن لديها رؤى من الله، بتتويج شارل السابع ملكًا على فرنسا، والتخلص من حكمِ الإنجليز، وقد ساعدت التكتيكات العسكرية لجان دارك فرنسا في كسب العديد من المعارك ضد إنجلترا، إلا أنها قد وقعت أسيرة في النهاية بيدِ قوات الإنجليز، الذين اتهموها بالسحر وحاكموها أمام محكمة دينية أوجبت إعدامها كالساحراتِ حرقًا.

كانت جان دارك على مدار التاريخ الفرنسي رمزًا للحماية، ومن هنا اتخذت لقبها «حامية باريس»، وفي عام 1456، جرى إعادة محاكمة جان دارك وإعلان براءتها، وقد جرى تطويب -المرحلة الثالثة في تقديس شخص متوفي- جان دارك عام 1909 في كاتدرائية «نوتردام» الشهيرة، من قبل البابا بيوس العاشر. ومن هنا وُضع تمثال شهير لها يقبع في محيط الكاتدرائية.