الأربعاء: 22 نوفمبر، 2017 - 03 ربيع الأول 1439 - 06:21 مساءً
على الجرح
الخميس: 26 أكتوبر، 2017

د.حميد عبدالله

 

ما من سياسي عربي أومسلم الا وقرأ الحكمة الشهيرة للامام علي بن ابي طالب عليه السلام التي تقول(ليت لي رقبة كرقبة البعير لأزن بها الكلام قبل اطلاقه ) .
اكاد اجزم ان لا أحد من اولئك استلهم تلك الحكمة ، أو جسدها في سلوكه ، على العكس منهم استعار ساسة الغرب حكمة علي فكانوا اليه اقرب، وعن الحماقة والخطيئة ابعد!
ظل الرئيس صدام حسين طيلة سنوات حكمه يستحضر التراث الاسلامي في احاديثه وخطبه حتى تلبسنا ضرب من الوهم بان الرجل جاء ليكمل رسالة محمد ، ويكرس تقوى ابي بكر، ويجسد عدالة عمر، ويستظل بزهد علي، الى أن تيقنا انه في لحظة غضب يسترخص دماء الملايين من البشر ، وفي لحظة نشوة يهب بيت المال بما فيه لمن لايستحق ، فكان غزو الكويت كارثة انتجتها واحدة من تلك اللحظات ، وفي لحظة انتشاء وغرور راهن الرئيس على ان الملائكة ستتصدى لطائرات الشبح الامريكية، وان رعاة الاغنام سيسقطونها في الصحارى لان المعركة ،حسب تصوره ، معركة الايمان كله ضد الشرك كله !
قبل صدام كان جمال عبد الناصر يبشر بوحدة العرب من مراكش الى مسقط ، وكان الناصريون يسبحون بحمد ( طوطمهم ) حتى ان القومي الراحل المحامي عاد تكليف الفرعون ،الذي عاش متيما بعبد الناصر، قال لي في حوار متلفز انه كان يكتب التقارير للسفارة المصرية في العراق عن تحركات الجيش العراقي ، ويزود مخابرات عبد الناصر بادق المعلومات واخطرها عن اوضاع العراق الامنية والسياسية والاقتصادية ، معتقدا انه بذلك يقدم خدمة كبيرة للامة العربية، و( متيقنا) ان القاهرة هي ( كعبته ) الوطنية وليس بغداد ، والمرحوم عاد واحد من آلاف الناصريين الذين مازالوا حتى اللحظة يعتقدون ان الامة ستتوحد وتنهض بوصايا وافكار ناصر!
اكتشفنا بعد فوات الاوان انه لاعبد الناصر ولا صدام ، وهما رمزان قوميان ان قاما وان قعدا، استلهما مقولة علي بن ابي طالب وأمنيته بان يرزقه الله رقبة كرقبة البعير ، فرحل كل منهما مثقلا باخطاء وخطايا ماكانت لتحدث لو اطفأت الحكمة نيران الغضب، وحلت الروية محل التسرع والانفعال !
في الطرف الآخر، في اوربا الملحدة، بزغ ساسة امتلكوا رقبة اطول من رقبة الزرافة وليس البعير، وظلت شعوبهم تحتفظ لهم بمآثر ومنجزات تخلدها الاجيال !
حقق رئيس الوزراء البريطاني الاسبق ونستن تشرشل نصرا غير مسبوق في تاريخ الحروب على جيوش المانيا النازية ، و كان رفضه القاطع لأى استسلام أو هزيمة ، أو أى حل سلمى قد الهم المقاومة البريطانية، وخصوصًا فى الأيام الشرسة الأولى من الحرب العالمية الثانية، عندما وجدت بريطانيا نفسها وحيدة فى مواجهة هتلر.
غير ان تشرشل لم يبهره النصر ، ولم يصبه الغرور، فاستقال عام 1945 من رئاسة الحكومة ايمانا منه بان النصر في جبهات القتال لايحقق بالضرورة نصرا موازيا في صناديق الاقتراع ، فصار وهو خارج السلطة، اطول قامة منه وهو فيها ،حتى وصفه الانكليز بعد وفاته بانه (اعظم بريطاني على مر العصور) ، و منحته الملكة إليزابيث الثانية شرف أن يحظى بجنازة رسمية، وشهدت تلك الجِنَازَة واحدة من أكبر التجمعات لرجال الدولة حول العالم.
ومثل تشرشل فضل شارل ديغول الاستقالة عام 1969 استجابة لرغبة شعبه بعد تصويت أغلبية الفرنسيين ضد مشروع حكومي لإصلاح نظام الجمهوية في البلاد، ولم يقل لمن رفضوه انه مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة وله الحق ان يتمسك بكرسيه حتى آخر يوم من حياته كما يفعل حكامنا المهزومون في كل معركة وصولة وجولة!
مابين ناصر وصدام، وديغول وتشرشل ،ثمة ساسة ظلوا على هامش التاريخ ،ولم يلجوا ابوابه ولا حتى نوافذه ، اولئك خلقهم الله من غير رقاب تفلتر مايصدر عنهم من اقوال !
راهن الملا مصطفى البارزاني رحمه الله على الزعيم عبد الكريم قاسم وهام به حبا بعد ان استقبله الاخير استقبال الفاتحين اثر عودته من منفاه السوفيتي، وخصص بيت نوري السعيد الكائن في الصالحية مقرا للملا ،ومنحه راتبا قدره 500 دينار شهريا ،يوم كان الدينار سيد العملات وأميرها ، لكن الرهان خاب بعد زمن ليس بالقصير ، والعشق تحول الى مواجهات بالرصاص بين الجيش العراقي والبيشركة !
لم يمتلك الملا مصطفى لا بصر زرقاء اليمامة ليرى القادم بجلاء ووضوح، ولا بصيرة محمود الحفيد الذي ادرك ان وجود دولة كردية قرب آبار النفط المكتشفة توا في كركوك في مطلع القرن العشرين أمرا اقرب الى المستحيل ،فرضي بمنفاه الهندي ، وكتم حنينه الى مملكة كردستان الوليدة التي وأدها الانكليز من غير رحمة !!
لم يتعظ الرجل من تجربته المرة مع قاسم ، ولا من خساراته المتلاحقة في حروبه مع بغداد في جميع عهودها ، فيمم وجهه صوب ايران هذه المرة ليراهن على الشاه في مطلع السبعينات ، وليقايض مشروع الحكم الذاتي الذي منحه صدام حسين لاكراد العراق بدافع نقي لاتشوبه شائبة ،والذي عده البارزاني نفسه حلما لم يتحقق مثيل له في تاريخ الكرد… قايضه بوعود امريكية واسرائيلية وايرانية تبددت مع اول صفقة بين العراق وايران في آذار 1975 في الجزائر
جاء الدور الى السيد مسعود بارزاني الذي لم يتعظ من تجربة والده المريرة فراح يكررها بنحو اسوأ مايكون عليه التكرار والاجترار!!
بدلا من ان يحافظ الرجل على المكاسب التي تحققت للكرد في لحظة استثنائية يصعب تكرارها اثر تفكك الدولة العراقية وضياع هيبتها ، راح يبدد تلك المكاسب بتطلعات يعرف الكرد قبل غيرهم انها عصية بل مستحيلة التحقيق!
وهنا كان البارزاني الابن احوج مايكون الى رقبة البعير، تفلتر له اقواله وتكبح افعاله !
انزلق الابن الى خطيئة الاستفتاء مثلما انزلق الاب الى خطيئة الاتكاء على حلفاء لايفون بوعد ، ولا يحفظون عهدا !
اوصلتنا دورة الزمن المتدحرجة الى سنوات مابعد الاحتلال ، والى عهد المالكي بحقبتيه الاولى والثانية.
كان الرجل في حقبته الاولى غير مصدق بما هو فيه ، كافح ليثبت انه جدير بها فصدقناه ، وكان اكرم له لو زهد بالسلطة بعد الولاية الاولى ليبقى في عيون مريديه كبيرا لكنه على العكس عبر عن تهافت غير مسبوق ، واستعداد غير مالوف ولا معروف للتضحية بكل شيئ من اجل ان يحافظ على كرسيه المرتج بهزات الامن المضطرب ،ومتغيرت السياسة الرجراجة ، وتيهان الدولة المهانة الضائعة ، وضغوط الاقربين والابعدين ،والاعيب الاصدقاء والخصوم!
ظفر بها ثانية فكان مالكيا آخر غير الذي عرفناه في عهده الاول ، كأن الله خلقه بلا رقبة ، يطلق الكلام من غير تمحيص ولا تدقيق ولا فلترة ،ويتبعه بافعال اكثر ارتباكا وارتجالا واختلالا !
ظاهره غير باطنه ، وشكله غير جوهره ، واقواله تنسف افعاله ، وسلوكه لايشي الا بأفق محدود ، ونظر لايتعدى ارنبة الانف !
راهن على كتلة بشرية تحشدها الشعارات وتفرقها العواطف ، عزف على وتر الفرقة فكان عزفه اشبه بقنابل مسيلة للدموع ، ليس المهم عنده كيف تذرف الدموع ولماذا ..المهم انه سحر جمهورا رأى فيه المبشر والمنقذ والمنتظر لكنه لم يكن بالنتيجة سوى صانع للنكبات ،ومهندس للانتكاسات ، وخبير في انتاج الازمات!
نسيت آخر العنقود واعني به رجلا خلقه الله بلا رقبة فرط سمنته وقصر قامته، لكنني اراه يخفي رقبة اخرى بطول رقبة البعير او اقصر منها قليلا ، علها تساعده وتساعدنا ، في ان يأتي كلامه متزنا يصيب الهدف او يقترب منه ، وجل مانتمناه ان تكون الافعال منسجمة مع الاقوال ، أو ترجمانا لها على الارض !
لا أدعي واطمح بانه سيكون الأمل المرتجى ، فالآمال الكبار ضاعت وسحقت في زمن النكبات ، لكنني اراهن على انه لن يكون خيبة تضاف الى سلسلة الخيبات.