الثلاثاء: 17 يوليو، 2018 - 04 ذو القعدة 1439 - 02:00 صباحاً
بانوراما
السبت: 30 يونيو، 2018

مروة عبدالله

نشر موقع «ميدل إيست آي» تقريرًا كتبه كل من «مارجو دزويلك» و«سيباستيان كاستيلير» بعد مقابلتهم مع صاحب مطعم متخصص في وجبة المسكوف في عمان – الأردن، والذي ذكر في قصته كيف سافر الطبق عبر الحدود، حتى يقول عنه البعض إنهم «بمجرد أن جربوه لم يستطيعوا العيش بدونه». وفيما يلي الترجمة الكاملة للتقرير:

قدم أبو هيثم ميخا، صاحب أحد المطاعم، وجبة سمك المسكوف، الطبق الوطني العراقي، للزبائن خارج موطن الوجبة الأصلي في بلاد الرافدين. في منتصف شارع وصفي التل الصاخب، يقع مطعم المحار للأسماك، وهو اسم مألوف في الجانب الشمالي الغربي من العاصمة عمان. فخلف أعمدة خضراء، تكشف نوافذ المطعم المقوسة الكبيرة عما لا يقل عن 30 طاولة خشبية داكنة، ومقاعدها المزخرفة بنسيج ملون.

دائمًا ما تجد المكان مكتظًا بالزبائن من الداخل. الساعة الآن الواحدة ظهرًا، وهناك مجموعة من الزبائن ينتقون أسماك وجبتهم؛ إذ غالبًا ما يكون الاختيار مبنيًا على وزن السمكة.

يقول أبو هيثم ميخا، صاحب المطعم: «غالبًا ما يطلب العراقيون الأسماك الأكبر حجمًا»، ويضيف: «هناك امرأة دائمة التردد على المطعم، لا تختار أبدًا أي سمكة يقل وزنها عن ثلاثة كيلوجرامات. إنها تأكل كل السمكة حتى جلدها، لكنها محقة في ذلك؛ فهو يحتوي على أغنى العناصر الغذائية».

ميخا فخورًا في مطعمه مرتديًا زيه

يقف ميخا في وسط مطبخه بكل فخر مرتديًا زيه الرمادي، بجانب حوض أسماك امتلأ بما لا يقل عن 50 سمكة من أسماك الشبوط – يُطلق عليه في عدد من البلدان العربية سمك المبروك. يقول ميخا مُنبهًا «يجب ألا تنخفض درجة حرارة المياه عن 10 درجات مئوية، وألا تزيد عن 35 درجة. فإذا انخفضت درجة الحرارة عن ذلك يُصاب السمك بغيبوبة، وإذا ارتفعت يموت السمك».

بعد أن أنشأ مطعمه في عمان عام 2005 يُعتبر ميخا ملك وجبة المسكوف بالنسبة لكثير من زبائنه، والذي يُعد الوجبة الأساسية والوحيدة في قائمة مطعم المحار للأسماك، والذي يُعتبر في كثير من الأحيان الطبق الوطني للعراق.

تُعد وجبة المسكوف أسلوب طبخ مُميز لمنطقة ما بين النهرين، حيث تُشوى أسماك الناصري الطازجة – المُصطادة حديثًا – في أفران الحطب. يدير ميخا عمله بإحكام ونظام في مطعم المحار؛ إذ يعمل لديه طاقم عمل يتكون من 30 شخصًا، تتنوع جنسياتهم بين أردنيين، ومصريين، وعراقيين.

يقول مالك المطعم: «علم العاملون العراقيون زملاءهم الآخرون الوصفة السرية للمسكوف». فقد شرح الطهاة العراقيون لزملائهم من الجنسيات الأخرى أهمية هذه السمكة في عادات الطبخ العراقية، قبل أن يبينوا لهم كيفية شوائها على اللهب.

الخلطة السرية

في المطبخ الرئيس، يأخذ أحد العاملين سمكة شبوط تزن كيلوجرامًا من حوض السمك. وبحكم التقاليد يجب أن يسدد الزبون نفسه ضربة سريعة إلى رأس السمكة المختارة باستخدام مطرقة خشبية لقتلها، ثم تُنظف السمكة من أحشائها، ويرش الملح على جلدها، ومن ثم تُثبت على شبكة حديدية لتوضع في اللهب للشواء. إذا كانت أسماك الشبوط تحمل في أحشائها بيضًا، يتم إخراجه، ثم يُقلى مع خليط من الطماطم والبصل، ويُقدم كطبق جانبي.

يعرض أحد العاملين بالمطعم زجاجة تحتوي على خلطة صلصة يطلق عليها «خلطة أبو هيثم السحرية». وهي خلطة صلصة تحتوي مكوناتها على السماق، والخل، ومعجون الطماطم التي تضاف بوفرة على كامل السمكة، ثم توضع السمكة بعد ذلك بين شبكتين حديديتين، ومن ثم توضع في فرن الحطب. يقول ميخا، بينما كان يشرف على عمال مطعمه: «بمجرد أن يحترق الحطب، تتصاعد رائحة زيت الكافور مع الدخان، وتعطي مذاقًا لذيذًا للسمك».

بعد مرور 30 دقيقة داخل الفرن يُصبح المسكوف جاهزًا للتقديم مع المخللات، والليمون، والزيتون، وصلصة المانجو مع الأمبا (وهي توابل مانجو مشهورة الاستخدام في المطبخ الهندي والشرق أوسطي، مصنوعة من المانجو، والخل، والملح، والخردل، والكركم، والفلفل الحار، والحلبة)، وخبز التنور (عبارة عن عجين يُصنع يدويًا، ثم يوضع على جدران فرن طيني أسطواني الشكل من الداخل)، ويُخبز في المطبخ ويقدم طازجًا.

يقول صلاح بو حميزة، أحد زبائن المطعم، ويبلغ من العمر 35 عامًا: «إنه لذيذ جدًا. طعم السمك يمتزج بشكل رائع مع حموضة المخللات، وطعم الصلصة الحلو». بينما كان بجانبه زبون آخر يُدعى مبارك الله، كان يزيل أشواك السمك بعناية قبل أن يعصر الليمون على طبقه.

هذان الرجلان من دبي، وقد أوصاهما أحد أصدقائهما بضرورة تجربة «أفضل مطعم مسكوف» في عمان. يقول مبارك الله: «بما أننا لا نستطيع الذهاب إلى العراق، فقد انتهزنا الفرصة لتذوق أفضل أطباق المطبخ العراقي الخاصة هنا».

طعام رائع

يقول قاسم حداد، مواطن عراقي يزور الأردن: «لقد تعود ميخا طهي أفضل طبق سمك شبوط في العراق، والآن يقدم أفضل طبق في الأردن». فرَّ ميخا – العراقي الموطن، والمسيحي الديانة – من بغداد في أعقاب اجتياح التحالف الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003. ويقول عائدًا بالذاكرة إلى تلك الفترة: «لقد جلب الأمريكيون الشؤم إلى العراق. بصفتي مسيحي العقيدة، كنا مضطهدين. لقد كان الأمر قاسيًا على الأقليات».

صورة لسمك الشبوط أثناء طهيه بين الشباك الحديدية

لقد أتاح سقوط صدام حسين عام 2003 الفرصة لحدوث تمرد مسلح على يد تنظيم «القاعدة» في بادئ الأمر، ثم على يد «تنظيم الدولة الإسلامية» بعد ذلك. أدى العنف الطائفي المتزايد إلى نزوح مئات الآلاف من المسيحيين، تاركين خلفهم ما يتراوح بين 250 ألف إلى 350 ألف مسيحي لايزالون يعيشون في البلاد، بعد أن كان تعدادهم يناهز 1.4 مليون مواطن مسيحي.

قدم ميخا إلى الأردن عام 2004، واضعًا في ذهنه هدفًا واحدًا، افتتاح مطعم مسكوف في عمان. يقول ميخا: «في ظل لجوء كثير من العراقيين إلى الأردن، فكرت في أنهم سوف يتطلعون لتناول المسكوف. وكان الشيء الوحيد الذي أستطيع القيام به هنا».

يشكل العراقيون ثاني أكبر فئة لاجئين بعد السوريين في الأردن، بعدد لا يقل عن 63 ألف لاجئ عراقي. يقول زكاري شيلدون، طالب درجة الدكتوراه في الإنثروبولوجيا بجامعة شيكاغو، والذي يجري أبحاثًا حول العراقيين الذين يعيشون في عمان: «للحصول على تصريح إقامة في المملكة الهاشمية، كان أمام العراقيين المغتربين ثلاثة خيارات: إيداع مبلغ من المال في البنك (20 ألف دولار للأسرة الواحدة)، أو تملك شقة سكنية في البلاد، أو البدء في نشاط تجاري».

تربية الأسماك

لم يكن لأحد أن يتوقع أن يصبح ميخا صاحب مطعم مسكوف. فقد ولد في الموصل عام 1945، وبدأ حياته المهنية عام 1968 مدرسًا لمادة الفيزياء في مدرسة ثانوية ببغداد، عاصمة العراق. ومن أجل تحسين مستواه المادي عمل مديرًا لأحد الفنادق.

صورة لأحد أحواض السمك في المطعم 

وفي عام 1984، اقترح عليه أحد أصدقائه العمل في مجال الأسماك. في تلك الفترة أُنشئت العديد من المزارع السمكية لتعويض الجفاف في مستنقعات منطقة ما بين النهرين خلال فترة حكم صدام حسين. وافق ميخا على العمل في الاستزراع السمكي مع صديقه، وترك وظيفتيه الأخريين.

في مستهل الأمر قُوبل الاستزراع السمكي ببعض الرفض؛ إذ ادعى المواطنون العراقيون أن الأسماك المُستخدمة في وجبة المسكوف لابد أن تأتي مباشرةً من نهري دجلة والفرات، اللذين يتدفقان عبر الأراضي العراقية، ولكن مع نهاية حكم صدام حسين، أدى جفاف المستنقعات الجنوبية في العراق، وحجز مياه الأنهار في البلاد إلى حدوث انخفاض مأساوي في كميات الأسماك التي يتم اصطيادها في العراق، وذلك حسب تقارير «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو FAO)».

بلغ الإنتاج السنوي للمزارع السمكية من أسماك الشبوط في العراق عام 1984 4476 طن، بينما بلغ ما يناهز 29 ألف طن بحلول عام 2016، وفقًا لأحدث إحصائيات منظمة (الفاو).

بعد استقراره في الأردن، اعتمد ميخا أيضًا على المزارع السمكية الموجودة في غور الأردن لإمداد مطعمه بالأسماك، ووفقًا للإدارة العامة للإحصاء بالأردن، بلغ إنتاج المزارع السمكية في الأردن إلى 1225.4 طن عام 2017، بعد أن كان 1118.9 طن عام 2016، أي بنسبة زيادة 9.5%.

مذاق فريد

خلال فترة عمله بالمزارع السمكية، ازداد اهتمام ميخا بأكلات الأسماك العراقية. ففي هذه الفترة كان من الشائع إعداد أطباق سمك الشبوط في أكشاك الطعام أمام الكازينوهات والحانات لجذب الزبائن. كتبت الطاهية العراقية، رغد الصافي، في كتابها: «المائدة العراقية» بالنسبة «لهؤلاء الذين سيحالفهم الحظ بالاستمتاع بنزهة بعد غروب الشمس بين المطاعم المطلة على ضفاف نهر دجلة، ستغريهم المطاعم العديدة التي تقدم وجبة السمك تلك».

صورة لفرن طهي المسكوف

إلا أن ميخا كان له رأي آخر؛ إذ يرى أن طريقة طهيه ليست صائبة تمامًا، ويقول: «يستغرق طهي سمك الشبوط وقتًا طويلًا، ويتعرض للتلوث المنتشر في الشوارع، ولا يُشوى بالتساوي بروية».

للتغلب على هذه المشكلة، افتتح ميخا أول مطعم له في بغداد عام 1985، والذي كان اسمه أيضًا «مطعم المحار للأسماك». وبصفته مدرس فيزياء قرر الاستعانة بالفيزياء الحرارية في إنشاء فرن مثالي لشي المسكوف: عبارة عن هوة مائلة بعض الشيء، مُصممة لكي تتسع للشباك الحديدية التي تحتوي على أسماك الشبوط، ومكان للحطب المشتعل، ومدخل هواء لإمداد النار بالأكسجين بشكل مستمر. وقد صمم صهريج كبير يوضع فوق الحطب المشتعل ليستوعب الشباك المعدنية التي تحمل الأسماك خلال الطهي، ولإكساب الأسماك مذاقًا فريدًا، يُفرغ بعض الدخان داخل هذا الصهريج عبر فتحة صغيرة.

يقول ميخا: إن فرنه ينتهي من طهي الأسماك بشكل متساوٍ في 30 دقيقة فقط، ويقول مبتسمًا: «لقد اعتاد أصدقائي القول: إن زوار بغداد إن لم يتذوقوا أسماكي، فإنهم لم يزوروها حقًا».

بحلول عام 2004 باع ميخا مطعمه في بغداد لموظف سابق، وفر إلى الأردن. أما اليوم فهو يبيع مطعمه في عمان ما بين 500 إلى ألف كيلوجرام من الأسماك بشكل يومي، بسعر تسعة دينارات أردنية للكيلوجرام (أي ما يعادل 12.69 دولارًا).

في بادئ الأمر جذب المطعم الزبائن العراقيين بشكل أساسي، لكنه في الوقت الراهن يستقبل كثيرًا من الأردنيين، والكويتيين، والسعوديين، والإماراتيين. يقول ميخا متفاخرًا: «بمجرد تجربتهم للمسكوف لا يمكنهم العيش بدونه؛ فقد غرست تقليد المسكوف في عاداتهم الغذائية بشكل ما».