الأثنين: 21 يونيو، 2021 - 11 ذو القعدة 1442 - 01:28 صباحاً
ملفات
الأثنين: 13 فبراير، 2017

عواجل برس _ خاص

 

 

هناك أقاويل متعددة بشأن انتهاء معركة تحرير الجانب الأيسر من الموصل ، وتوقف المعارك ، والتحضير للمعركة المفصلية مع داعش في الجانب الأيمن من الموصل . هذه الاقاويل قد تثير الإرباك في صورة التوقعات العامة الا أنها لا تثير الخلل بالأهداف الاساسية ، الا وهي تحرير الموصل بالكامل . من قائل إن القوات العراقية تستعد للمعركة من خلال رصد مكثف لما يجري على الضفة الأخرى من استعدادات وردود فعل من التظيم الارهابي . ومن قائل إن داعش نجح في تثبيت القوات العراقية في مكانها بعد أن أطلق خلاياه النائمة التي قامت بتفجير سيارات مفخخة قادها انتحاريون . ومن قائل إن التنسيق مع قوات التحالف الاميركان والفرنسيين وقوات مساندة اخرى من دول عديدة ، ولاسيما القوات الجوية ، تحتاج الى تقييم وتحدييد الاهداف ومن ثم البدء بمعركة ستكون ساخنة ومعقدة .

 
والحال أن داعش المحاصر في الضفة اليمنى من المدينة ، المقطوعة عنه الامدادات ، لا يمتلك اليوم ما يراهن عليه غير الأدعية وتصنع روح التحدي ، وانتظار معجزة من السماء . لقد كشفت اعمال تحرير الجانب الأيسر أنه خسر السكان تماما ، وأن كراهية السكان له وصلت الى مستوى جديد من الحراك والتململ مع الإحساس بقرب الخلاص . هذا هو حال السكان في الجانب الأيمن ، المحاصرين ، والذين تشير آخر المعلوات أنهم بدأوا يحرقون أبواب الغرف الداخلية والاثاث الخشبي لطهي طعامهم.

 

إذا كانت الحرب متوقفة الآن فذلك لأن القوات العراقية تأخذ استراحة محارب بعد أربعة شهور من المعارك العنيفة التي أسفرت عن تحرير نحو (60) في المئة من الموصل. ما يجري الآن هو إعادة تنظيم القوات وتوزيع الأدوار للمعركة الحاسمة والشديدة التعقيد بسبب الكثافة السكانية العالية والأحياء الشعبية القديمة والمساحات الضيقة والعدد الكبير من مقاتلي داعش في المنطقة المستهدفة.

 
على الضفة اليسرى لنهر دجلة يرابط جندي عراقي لرصد أية محاولة تسلل من مقاتلي “داعش” ، في حين يرى على الجهة المقابلة يخفي قناص شيشاني نفسه استعدادا وتحسبا لعبور القوات العراقية إلى الجانب الأيمن لمدينة الموصل . حسب مراسل “نقاش” لقد انقسم السكان بين محررين ومحاصرين لا يفصل بينها سوى النهر، لذا الجميع يحبس أنفاسه بانتظار ساعة الصفر لعمليات تحرير الجانب الأيمن.

 
والحال أن داعش يدرك أنه في موقف لا يحسد عليه، فقد ضاق الخناق عليه بعدما كسرت القوات العراقية – خاصة جهاز مكافحة الإرهاب – شوكته وألحقت الهزيمة به، كما فقد عددا كبيرا من مقاتلي الخط الأول والقيادات الميدانية، لكنه ما زال يكابر ويطلق الدعايات. لقد قتل من قتل وهرب من هرب في الأحياء الشرقية والشمالية، إلا أن قيادة التنظيم لم تتوقف عن ممارسة لعبة الخداع مع أتباعها والسكان المحليين على السواء في المناطق غير المحررة، في محاولة عبثية لإخفاء الحقيقة.

 
سأل داعشي مسؤول عن تنظيم مستشفى اين سينا غربي الموصل ، في حوار جرى رصده ، موظفا صحيا : لماذا يتغيب الكثير من الأطباء والممرضين عن الدوام؟ أجابه موظف: من يسكنون في الجانب الآخر لم يعد بإمكانهم المجيء!
“ولماذا؟ ما الذي يجري هناك، نحن نسيطر على الوضع تماما، لقد طردنا الكفار والمرتدين من القوات العراقية”.

 
هذا ما ختم به الداعشي كلامه دون أن يجرؤ أحد على قول الحقيقة برغم أن الجميع يرى الأعلام العراقية بوضوح على الأبنية العالية ما وراء النهر.
إن انكار الحقيقة مقترب نفسي للهزيمة الكلية . وهناك أمثلة أخرى :
حتى بعد مرور عشرة أيام على إعلان الحكومة العراقية تحرير الجانب الأيسر بالكامل في 24 كانون الثاني (يناير) والتغطية الواسعة للقنوات الفضائية التي تبث يوميا صوراً من مختلف الأحياء المحررة ، لا يبدو أن “داعش” يريد التسليم للأمر الواقع، في يوم جمعة طالب خطباء منابر داعش الرجال والنساء من سكان الجانب الأيمن بإرسال أبنائهم للقتال الى جانب جيش الخلافة “قالوها بنبرة توبيخ وإهانة”، بحسب ما نقل لـ”نقاش” شهود عيان.

 
الخطبة الأخيرة كانت حماسية جدا بناء على توجيهات ديوان الدعوة والمساجد التي تعمم تعليمات مكتوبة على جوامع المدينة تتضمن الرسائل التي يريد التنظيم إيصالها الى المدنيين والمقاتلين المتشددين.

 
أحد المصلين الذين حضروا الخطبة يقول “اعتلى شاب متحمس المنبر وأخذ يوبخنا لتقاعسنا عن القتال إلى جانب جيش الخلافة، ثم صرخ بوجوهنا: إذا كنتم تعتقدون أن الكفار سيصلون الجانب الأيمن فأنتم واهمون، قسما ان الله سينصرنا بمعجزة كما نصر الرسول وأصحابه عندما أرسل ريحا قوية فرقت شمل الكفار الذين حاصروه في معركة الأحزاب قبل أكثر من 1400 عام”.

 
وبعيدا عن الجعجعة الدعائية، يعدُّ التنظيم عدته للنزال الأخير ، فقد كشفت مصادر طبية أن العشرات من المقاتلين الأجانب والعرب والمحليين انتشروا في المجمع الطبي الواقع على الضفة اليمنى لنهر دجلة، بعضهم قناصون اعتلوا الطوابق العليا من المستشفيات.

 
ومثل هذه الإجراءات بدت واضحة في الأحياء السكنية المطلة على النهر والواقعة جنوبي المدينة. مقاتلو داعش استولوا على المنازل العالية وفتحوا بعضها على بعض ونشروا مقاتلين ملثمين في الأجزاء الجنوبية فيما يبدو أنهم انتحاريون هتفوا بطريقة استعراضية خلف قائدهم: “إما النصر أو الشهادة”، يقول ابو سعد من سكان حي الغزلاني.

 
وبعد أربعة أشهر من بدء معركة تحرير الموصل بات بإمكان السكان المحليين في الجانب الأيمن مشاهدة الإعلام العراقية ترفرف عاليا بينما رايات “داعش” السوداء ما زالت تخيم على رؤوسهم، كما أن آذانهم مشدودة إلى أصوات المناوشات التي تحدث الآن بين الجنود العراقيين المتمركزين خلف النهر ومقاتلي التنظيم.

 
في هذه الأثناء الوضع الإنساني بات حرجا جدا، ثمة ما يقارب 750 الف مدنيا مازالوا محاصرين، نسبة كبيرة منهم يعيشون مجاعة حقيقة منذ أشهر، ليست هناك فواكه ولا خضار ولا مواد غذائية تدخل الى مناطقهم منذ شهور، المتوفر حاليا يتم عرضه من المخزون ويباع في الأسواق بأسعار انفجارية وإذا ما طال أمد الحصار فإن الأسواق ستغلق تماما.

 

كما أن انعدام الوقود أصاب الحياة في الجانب الأيمن بالشلل التام، الشوارع خالية من الحركة المرورية، هناك فقط وسائط النقل الصغيرة والمتوسطة التي تتنقل بين الأحياء والأسواق في مركز المدينة.

 
القصص التي تصل من بعض العائلات المحاصرة تدعو للدهشة، ثمة عمود دخان يخرج من كل منزل نتيجة حرق الحطب داخلها بسبب عدم توفر غاز للطبخ او التدفئة. أغلب ربات البيوت صرن عاجزات في مطابخهن، “بدأنا بحرق أثاث المنزل، الكراسي والدواليب والأسرة وأخيرا حان دور الأبواب الخشبية لقد خلعنا بعضها وحولناها إلى حطب، ولا ندري هل سنضطر الى حرق الملابس أيضا قبل ان يتم تحريرنا”ّ تتحدث أم احمد عبر الهاتف.

 
تضيف بعد نوبة سعال إصابتها بسبب الدخان الذي يملأ منزلها، “نعيش في مرحلة مظلمة ما قبل الثورة الصناعية، لقد صبغ الدخان الأسود وجوهنا والجدران وكل شيء، والفضل للخليفة”.

 
لا ندري كم باب ستضطر أم أحمد لخلعه وكم ستطول استراحة المحارب، القادة العراقيون يلتزمون الصمت بشأن موعد النزال الأخير في الموصل والخطط العسكرية والسقف الزمني المتوقع وخطط النزوح وغيرها، لكن الواضح أن هناك حذراً كبيراً وخوفاً من معركة الجانب الأيمن.