الأحد: 17 يناير، 2021 - 03 جمادى الثانية 1442 - 04:00 مساءً
اقلام
الأثنين: 13 فبراير، 2017

 

 
ببساطة شديدة ، بساطة تناول الطعام والشراب ، بساطة حكة ، وسعلة ، وأي فعل خاص بوظائف الاعضاء الحيوية لجسم الإنسان ، قال رئيس المفوضية المستقلة للانتخابات ، سربست مصطفى ، إنه لن يترك منصبه إلا بأمر القيادة السياسية الكردية!
لو أمعنا النظر بهذه التصريح ما وجدنا أن هذا الموظف في الدولة العراقية يعاند بعدم الامتثال لأمر صدر إليه بالاستقالة ، فما من أحد أقاله أو طرده أو فصله أعلى منه رتبة . لا أحد من القيادة العراقية مسّه بسوء ، وقد لا يستحق هو شخصيا أن يمسّ بسوء .

 

لكن هذا الموظف الذي يرأس مفوضية الانتخاب رد ردا محكما على شارع غاضب يطالب بتغيير المفوضية “المستقلة!” للإنتخابات لأنها غير مستقلة ، ومنحازة ، ومليئة حتى الفيضان بجماعة المالكي التنفيذية التي زورت الانتخابات الماضية باعتراف الكثير من الكتل النيابية . والحال أن الغضب الجماهيري لم يطاله هو شخصيا ، لكنه كأي عراقي من هذا الزمن الفاسد، تماهى هو شخصيا مع دوره الاداري والتمثيلي ، وباتا الاثنين شخصاً واحدا .

 
لكن ما قاله يذهب أبعد من التماهي ، أبعد في حماقات الموظفين الذين ينسون مفهوم الخدمة العامة ، أبعد بكثير . فهو يختزل بكلماته القليلة كامل النظام السياسي الذي يتحكم بادارة الدولة حاليا ، فهو ليس مجرد موظف في الدولة ، بل ممثل عن الأكراد في الدولة ، ممثل في نظام المحاصصة الذي بات مستقلا ، أكثر من استقلالية القضاء ، أكثر من استقلالية ما يدعى بالهيئات المستقلة التي كلنا نعرف أن المالكي ابتلع استقلالها وباتت تموء ، متمسحة ، مثل القطط المدللة ، بجماعة المالكي ، حارسة المحاصصة ، وتقاسم المغانم .

 
سربست مصطفى صريح ، واضح ، يعرف ما يجري ، ولا يماري . غير معني بنبض الشارع ، غير معني بالتعاطف ، غير معني بالدولة التي يأخذ راتبه منها ، غير معني إن كان المالكي يسيطر على المفاصل الأساسية لمفوضيته ، غير معني بالنتائج السياسية لفوز أكثريات برلمانية جُرّبت وظهر فسادها وانحطاطها وانعدام أخلاقها .

 
إنه معني بالكتلة التي يمثلها والتي جاءت به ، بعد أن تفحصت جفاف وجدانه العاطفي والأخلاقي . وهو سربست مصطفى ، غير المخادع لولي نعمته ، لا يكذب عندما يقول إنه موجود في المفوضية بأمر القيادة السياسية الكردية ، وليس بأمر أحد – إنه أمر بالمعنى السياسي للكلمة ، اي بمعنى الارتزاق والعمى الخاص بهذا الزمان المصاب بالعمى والتفاهة .

 
إنه إذن لي ليس بأمرة رئيس الوزراء ، ولا بأمرة جماهير عزلاء تهتف ، ولا بأمرة حتى المالكي . إنه ممثل كردي في مسرح عراقي الممثلون الرئيسيون فيه لا يسمح لهم بالوقوف على المسرح الا إذا امتلكوا بطاقة نادي الكتل الكبيرة .

 
مفوضية الانتخابات في خدمة الكتل الكبيرة ، في خدمة المحاصصة ، في خدمة كتل برلمانية صماء ، لا ينتمي اليها الأذكياء ولا أصحاب الكفاءات والمعارف والأخلاق ، بل هي اعتادت أن تضم رجالا بلا أفق ، بلا كفاءة ، بلا هوية وطنية ، يتصفون بضيق الأفق .
ضيق الأفق وحده يمشي بانضباط الكتل الكونكريتية في برلمان بات بلا فضائل . لكن لرئيس مفوضية الانتخابات ، سربست مصطفى ، فضيلة الكشف عن حقيقة نظامنا السياسي بكلمات قليلة تبدو غير موجهة لأحد ، من هنا اتصفت بالحقيقية .