الأثنين: 6 يوليو، 2020 - 15 ذو القعدة 1441 - 07:24 مساءً
دفاتر
الأثنين: 4 مايو، 2020

قاسم مرواني

تأسست هاييتي بعد نجاح ثورة اندلعت فيها عام 1791، وقام بها الأفارقة الذين استقدمهم الفرنسيون للعمل كـ”عبيد”. حاول نابليون بونابرت عام 1802 إعادة احتلال هاييتي التي كانت في ما مضى مستعمرة فرنسية. أرسل جيشاً من خمسين ألف جندي ولكن كثيرين منه ماتوا بسبب انتشار الحمّى الصفراء في صفوفهم، ما دفعه إلى التخلي عن الحملة بعد عام واحد.

 

انتشار الحمّى الصفراء والهزيمة في هاييتي كانت من الأسباب التي اضطرت نابليون إلى بيع مقاطعة لويزيانا إلى الأمريكيين بسعر زهيد. هذا مثال صغير عن كيف يمكن لانتشار وباء أن يغيّر مجرى التاريخ، وهو ما تستعرضه إليزابيث كولبرت في دراسة نشرتها في مجلة “ذا نيويوركر” بعنوان “الأوبئة وشكل التاريخ البشري”.

 

في وقائع كثيرة، أسفر انتشار الأوبئة عن تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة الأثر في تاريخنا.

طاعون جستنيان والإمبراطورية البيزنطية

تتحدث كولبرت عن تأثير الأوبئة على الإمبراطورية البيزنطية (الإمبراطورية الرومانية الشرقية). تقول إنها بلغت أقصى اتساعها في عهد الإمبراطور جستنيان الأول، المعروف بلقب “القديس جستنيان العظيم” وحكم بين عامي 527 و565.

 

في عهد جوستنيان الذي دوّن القانون الروماني وأصلح الإدارة المالية للإمبراطورية الشرقية، وبنى كنيسة آيا صوفيا، وغزا أجزاء واسعة من أراضي الإمبراطورية الرومانية الغربية، سعياً إلى إعادة توحيد الإمبراطورية الرومانية، انتشر ما عُرف لاحقاً بـ”طاعون جستنيان”.

 

بدأ عام 541 بالقرب من مدينة بورسعيد في مصر ثم انتقل غرباً نحو الإسكندرية وشرقاً نحو فلسطين، ووصل في أوائل عام 542 إلى القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، واستمر انتشاره حوالي مئتي عام تقريباً حتى عام 750.

الأعراض الأولى، بحسب وصف المؤرخ بروكوبيوس القيسراني، بدأت بظهور الحمّى على المصابين ثم طوّر المصابون أعراضاً لـ”الطاعون الدبلي”، على شكل دمامل في الفخذ وتحت الإبط. غاب البعض عن الوعي. آخرون أصيبوا بالهذيان. كثيرون كانوا يتقيأون دماً.

 

يقدّر عدد الوفيات بطاعون جستنيان الذي انتشر في آسيا وشمال إفريقيا والمنطقة العربية وأوروبا، بحسب ناشيونال جيوغرافيك، بما بين 30 و50 مليون نسمة تقريباً، أي نصف عدد سكان العالم في ذلك الوقت.

 

أضعف هذا الطاعون الإمبراطورية البيزنطية المترامية الأطراف. أصبحت قدرتها على الدفاع عن نفسها بوجه أعدائها ضعيفة بسبب عدد الوفيات المرتفع والعجز عن تجنيد وتدريب المزيد من الجنود. قلة عدد السكان لم تؤثر فقط على الجيش بل أضعفت الاقتصاد والبنية الإدارية للإمبراطورية التي بدأت بالتقلص.

 

عام 568، غزا اللومبارديون شمال إيطاليا بنجاح وهزموا الحامية البيزنطية الصغيرة المتمركزة فيها، ما أدى إلى تمزّق شبه الجزيرة الإيطالية التي ظلّت مقسّمة حتى إعادة توحيدها في القرن التاسع عشر.

 

في شمال إفريقيا والمقاطعات الشرقية، صارت الإمبراطورية عاجزة عن صدّ الزحف العربي. وحتى عام 717، كانت قد خسرت الساحل الإسباني وشمال إفريقيا وبلاد الشام وأجزاء من آسيا الصغرى.

الجدري والاستعمار

عندما يدخل الفيروس إلى جسم الإنسان، يبدأ جهاز المناعة بمحاربته. في أحيان كثيرة، يتعايش الفيروس مع الجسم من دون ظهور أية أعراض، لكن صاحبه يصبح ناقلاً للمرض من دون أن يصاب به. في مجتمع يحتوي على نسبة عالية من الناقلين، يُقال إن المرض أصبح مستوطناً.

 

انتشار الجدري بدأ منذ ما قبل الميلاد، كما كتبت إليزابيث كولبرت في دراستها التي رصدت تأثيراته على مجرى التاريخ. ولا يُعرف بالضبط أين بدأ وكيف. التقطه الرومان مثلاً بالقرب من بغداد خلال حربهم مع البارثيين. بحلول القرن الخامس عشر، يقول أستاذ البيولوجيا في جامعة “إيست سترودزبرغ” الأمريكية جوشوا لوميس، في كتابه “الأوبئة: تأثير الميكروبات وقوتها على البشرية”، كان الجدري قد أصبح مستوطناً في أوروبا وآسيا.

 

انتشار الحمّى الصفراء والهزيمة في هاييتي كانت من الأسباب التي اضطرت نابليون بونابرت إلى بيع مقاطعة لويزيانا إلى الأمريكيين بسعر زهيد. هذا مثال صغير عن كيف يمكن لانتشار وباء أن يغيّر مجرى التاريخ

يستعمل عالم التاريخ ألفرد كروسبي مصطلح “وباء التربة البكر” لوصف البلاد التي لم تتعرض من قبل لوباء معيّن، وبالتالي تكون مناعة سكّانها ضعيفة أمامه. مع اكتشاف العالم الجديد، كانت شعوب الأمريكيتين مكاناً مثالياً لأوبئة التربة البكر مثل الجدري الذي انتقل إلى جزيرة هيسبانيولا، إحدى جزر البحر الكاريبي، عام 1518 عبر الإسبان.

ومع بدايات 1519، كان ثلث سكان الجزيرة قد أصيبوا كما كتب راهبان في برقية إلى ملك إسبانيا شارل الأول.

 

من هيسبانيولا، انتقل الجدري إلى بورتوريكو ثم عاصمة الأزتيك (مدينة المكسيك اليوم)، ما سهل على الإسبان احتلالها. كتب كاهن إسباني: “في العديد من الأماكن، مات كل مَن في المنزل، كان من المستحيل دفنهم فهدموا المنزل فوقهم”.

مات في المكسيك حوالي نصف عدد السكان، وكان الجدري يسافر أسرع من الغزاة الإسبان حتى وصل إلى إمبراطورية الإنكا قبلهم (حيث تقع اليوم البيرو وبوليفيا والإكوادور). وبعد وفاة إمبراطور الإنكا بسبب الجدري، اشتعلت حرب أهلية أضعفت وريثه ما سهل على الإسبان مهمة احتلال بلادهم.

 

من المستحيل معرفة عدد الذين ماتوا بسبب الجدري، لأن السجلات عن تلك المرحلة سطحية، كما أن الأوروبيين أحضروا معهم العديد من “أوبئة التربة البكر” الأخرى كالحصبة والتيفوئيد والدفتيريا (الخناق)، ولكن يقدّرون بعشرات الملايين. “اكتشاف أمريكا تبعته أكبر كارثة ديموغرافية في تاريخ العالم”، يقول أستاذ الجغرافيا الفخري في جامعة ويسكنسن-ماديسون الأمريكية ويليام دنيفان.

 

هذه الكارثة الديموغرافية لم تؤثر على أمريكا وأوروبا فقط، بل شمل تأثيرها إفريقيا، إذ بسبب النقص في العمال، اتجه الإسبان لاستعباد المزيد من الأفارقة.

 

وفي القرن الثامن عشر، انتشر وباء الجدري مجدداً، ووصل إلى جنوب إفريقيا على متن سفينة هولندية، ما أدى إلى القضاء على شعب خوي سان، السكان الأصليين لجنوب إفريقيا، إذ كانت قدرتهم على مقاومة المرض أقل بكثير من قدرة مستعمريهم، بحسب نص منشور على موقع “تاريخ جنوب إفريقيا أونلاين”.

الطاعون الأسود وتغيير وجه أوروبا

بلغ الطاعون الأسود ذروته بين أعوام 1347 و1351. أتى من الشرق عبر الطريق التجاري المعروف بـ”طريق الحرير”. كان عدد سكان العالم حينها يبلغ أقل من 500 مليون نسمة. في أوروبا، بلغ عدد الوفيات 75 مليون نسمة.

 

مع انتشار الطاعون، والتفاصيل عرضها الباحث جوشوا مارك في دراسة بعنوان “آثار الموت الأسود على أوروبا”، منشورة على موقع “موسوعة التاريخ القديم”، بدأ الأوروبيون يفقدون الثقة بالمؤسسات التي اعتمدوا عليها سابقاً، وبدأ يتزعزع نظام الإقطاع بسبب موت العديد من الفلاحين. انتشر الطاعون بين أبناء الطبقة الدنيا الذين لجأوا إلى الرهبان والكنائس والأديرة طلباً للمساعدة، فنقلوا الطاعون إلى الرهبان ونقله الأخيرون بدورهم إلى طبقة النبلاء وبحلول عام 1352، كان ملايين قد ماتوا وتغيّرت التركيبة الاجتماعية الأوروبية بشكل كبير وخلت العديد من المدن من سكانها كلياً.

 

“اكتشاف أمريكا تبعته أكبر كارثة ديموغرافية في تاريخ العالم”، بسبب الأوبئة، يقول ويليام دنيفان. هذه الكارثة الديموغرافية لم تؤثر على أمريكا وأوروبا فقط، بل شمل تأثيرها إفريقيا، إذ بسبب النقص في العمال، اتجه الإسبان إلى استعباد المزيد من الأفارقة

كانت أوروبا قبل الطاعون مكتظة بالسكان، لذلك لم تعانِ من نقص في اليد العاملة. كان الفلاحون يعملون بالسخرة لدى اللوردات الذين يدفعون ضريبة إلى الملك، وكانوا لا يتقاضون سوى مأكلهم ومشربهم من الأراضي التي يزرعونها، دون وجود مجال للانتقال ضمن طبقات النظام الإقطاعي.

 

أدى الطاعون إلى نقص كارثي في عدد السكان والقوة العاملة خصوصاً في أوساط الفلاحين الذين باتت لهم أهمية كبيرة، فبدونهم لن يستطيع اللورد إطعام نفسه أو دفع الضرائب للملك والكنيسة.

 

مَن نجا من الفلاحين بدأ يُفاوض من أجل الحصول على الأجر ومعاملة أفضل. مع إلغاء السخرة، بدأت أحوال الطبقة الدنيا بالتحسن، ما أدى إلى صراع مع الطبقات الأخرى. بالنتيجة راحت أوروبا تشهد ثورات عدة: ثورة الفلاحين في فرنسا عام 1358، ثورة النقابات عام 1387، ثورة الفلاحين في لندن عام 1381. استمر الصراع وشيئاً فشيئاً بدأ الفلاحون بتحقيق المزيد من المكاسب وكسر نظام الإقطاع.

 

مع انتشار الطاعون، أخذ الأطباء في أوروبا يشككون في طرق العلاج والممارسات والمعارف اليونانية التي وصلتهم من غالينوس وأبقراط وأرسطو. راحت المستشفيات تقترب من شكلها المعاصر بعد أن كانت عبارة عن محاجر للمرضى.

 

فكرياً، عزت الكنيسة الطاعون إلى عقاب إلهي للمذنبين، لكن الكهنة الذين اتهموا المرضى بارتكاب المعاصي أصيبوا بالمرض. كل ذلك بالإضافة إلى نمط الحياة المترف لرجال الدين أدى إلى فقدان الناس ثقتهم بالكنيسة وبدأوا يشككون بقدرتها.

 

النساء بدورهن اكتسبن الكثير من الحقوق إذ مع موت العديد من الرجال، صار للمرأة الحق في امتلاك أرضها الخاصة وإدارة الأعمال.

الإنفلونزا الإسبانية

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، انتشر ما عرف بالإنفلونزا الإسبانية، وباء أصاب حوالي 500 مليون شخص، مات منهم بين 50 و100 مليون. أصاب المرض بشكل أساسي البالغين من العمر بين 20 و40 عاماً، معظمهم من الذكور أما طريقة انتشاره فكانت من شخص إلى آخر، عبر اللمس أو التعرض للرذاذ الناتج عن السعال أو عبر لمس أسطح موبوءة.

 

بحسب تقرير نشره موقع “بي بي سي عربي”، لم تكن للإنفلونزا الإسبانية تأثيرات اجتماعية عميقة كما الطاعون، لكن العديد من الدلائل تشير إلى تأثيرات مختلفة إذ تحسنت مواقع النساء في العمل بعد موت العديد من الذكور.

 

كذلك كان له تأثير مهم على محاربة الاستعمار، ففي الهند التي اجتاحتها الإنفلونزا مثلاً، اتهم القوميون الهنود مستعمريهم البريطانيين بالتقصير في مكافحة المرض، ما ساهم في تصاعد النقمة ضدهم.

 

التأثير الأهم للإنفلونزا الإسبانية كان على صعيد معايير الصحة العامة والتعاون الطبي الدولي. لم يعد من المنطقي اتهام أفراد بالتقاط العدوى أو معالجة كل فرد على حدة. بدأت الحكومات تتبع مبدأ الطب للجميع، وبدأت باستحداث وزارات للصحة العامة أو تطوير المؤسسات الصحية لتقديم عناية صحية شاملة للجميع. وفي العام 1923، أعلنت عصبة الأمم تأسيس منظمة الصحة التي تحوّلت عام 1948 إلى منظمة الصحة العالمية.

ماذا سيغّير كورونا؟

بدأ فيروس كورونا بالانتشار أواخر عام 2019، قادماً من الصين. ومع استمرار انتشاره اليوم، يتوقع كثيرون أن تأثيراته على حياتنا المستقبلية ستكون كبيرة، وتظهر تساؤلات: هل سيكون اللمس مستقبلاً من المحرمات؟ كيف سيصير شكل المطاعم والمقاهي؟ الطائرات؟…

 

تقدّم الأزمة فرصة لتغييرات إيجابية بحسب آراء بعض الخبراء: انتشار العمل عن بعد لتحاشي الاختلاط، تغيير نظرتنا إلى الوطنية إذ ستُستبدل صورة الجندي بصورة الطبيب أو الممرض، تغيّر سياسة القطب الواحد في السياسة العالمية، الطقوس الدينية سيكون لها شكل آخر، ستكون الإنترنت متاحة بشكل أكبر مع قدرة أكبر على الوصول إلى المعلومات، صعود الطب عن بعد، حيث سيبدأ الأطباء بتشخيص المرضى دون حضورهم إلى عياداتهم في حالات كثيرة، إيمان البشر بالعلم سيزداد على حساب التقاليد الاجتماعية والاعتقادات الخاطئة، انتشار التصويت الإلكتروني… علينا أن ننتظر لنرى.