السبت: 16 نوفمبر، 2019 - 17 ربيع الأول 1441 - 10:46 مساءً
دفاتر
الثلاثاء: 1 أكتوبر، 2019

سيد مصطفى

عشق الملايين الرئيس جمال عبد الناصر ورفعوا صوره في أرجاء العالم العربي، إلا أن الكثير من جوانب حياته لا يزال مجهولاً، وأبرزها دور الطعام في رسم علاقته مع أسرته والشعب المصري والعالم.

 

فهل كانت المائدة أداة روّج من خلالها عبد الناصر لسياساته؟ ما العوامل التي تحكمت في علاقة الزعيم بالطعام، وكيف وظّفه لخدمة مشروعه؟

 

الطعام والدعاية السياسية

“أنا لا أملك شيئاً في هذا البلد”… بتلك الكلمات لخّص عبد الناصر الصورة التي أراد أن يرسمها لنفسه في أذهان معاصريه، حسب ما يرى أستاذ التاريخ في كلية الآداب في عين شمس والمتخصص في الحقبة الناصرية محمد جابر.

 

يعود جابر ليشير إلى أن عبد الناصر نشأ في أسرة متوسطة الحال إذ كان والده موظف بريد بسيطاً. وعندما قامت ثورة يوليو، كان عبد الناصر برتبة بكباشي، وبما أن رواتب الضباط آنذاك كانت متدنية، تحكّم هذا العامل بنوعية طعامه ومعيشته بشكل أساسي.

 

نجح عبد الناصر في الظهور بالشكل الذي أراده عبر الموائد التي دعا إليها زعماء العالم في منزله المتواضع في منشية البكري، وما قدمه عليها من طعام بسيط.

 

ويشرح جابرف ي تصريح صحفي كيف أن قيام عبد الناصر بثورة ضد النظام الملكي وضد الإقطاعيين دفعه للظهور بشكل مختلف عن طبقة السياسيين التي انتمت قبل ثورة يوليو للطبقة البرجوازية، وقد نجح في الظهور بالشكل الذي أراده عبر الموائد التي دعا إليها زعماء العالم في منزله المتواضع في منشية البكري، وما قدمه عليها من طعام بسيط.

“لم يتجمّل عبد الناصر أو يصطنع قناعاً. ما فعله كان الحفاظ على أسلوب معيشته قبل توليه الرئاسة وتصدير تلك الصورة لمتابعيه كي ينجح في دخول قلوبهم”، حسب ما يقول جابر.

 

ويبيّن أستاذ التاريخ أن طبيعة حلفاء عبد الناصر في ذلك الوقت حتّمت عليه نمط الحياة ذاك، إذ كانوا إما زعماء ثاروا على أوضاع رأسمالية في بلادهم مثل نهرو في الهند وتيتو في يوغوسلافيا، أو زعماء دول أفريقية فقيرة مثل إثيوبيا وغينيا والسودان، وكلهم كانوا من دول اشتراكية أو من دول العالم الثالث.

 

“ابن الشعب”

“قدّم نفسه على أنه ابن الشعب”، كما يصف أستاذ التاريخ الحديث في جامعة الأزهر عبد المنعم الجميعي شارحاً كيف أن منزل عبد الناصر وطعامه المتواضع لم يكونا سوى أداة لاستكمال الصورة الذهنية عن تجربته أمام العالم، والتي تنحاز للطبقات الفقيرة وللعمال والفلاحين.

 

ويضيف  أن عبد الناصر استخدم العديد من الأدوات الأخرى فضلاً عن مأكله وملبسه، مثل خطبه السياسية إذ كان يجيد الكلام ولديه كاريزما مميزة، كما عرف كيف يستغل الظروف السياسية المحيطة.

 

“بلدياتي ويشبهنا”

“كان بلدياتي ويشبهنا”. ليس من يقول ذلك عن عبد الناصر مجرد شخص عادي بل شخص اعتاد أن يرى الرؤساء والملوك في أبهى صورهم، وهو عاطف علي المعروف بكونه نجل طباخ المراسم الرئاسية علي محمد. والأخير كان مكلفاً إعداد الطعام للقاءات الرئيس مع رؤساء العالم وملوكه.

 

يقول نجل الطباخ الشهير إن عبد الناصر عُرف بطريقته الفريدة في استقبال زواره، والتي تختلف عن طريقة الملك فاروق الذي اعتاد طلب كل ما لذّ وطاب على موائده الضخمة وتختلف كذلك عن طريقة السادات، لافتاً إلى أن والده عمل مع ثلاثتهم.

 

ويروي علي أن عبد الناصر لم يرغب في تناول الطعام مع الرؤساء في القصر أو على يخت المحروسة (اليخت الرئاسي)، بل في استراحة الرئاسة في غليم، وهي في حقيقة الأمر شقة عبد الناصر نفسه، وتتميز بأنها متواضعة ومفروشة بأثاث بسيط.

 

يعدد نجل طباخ عبد الناصر قائمة زوار الزعيم في غليم آنذاك، وهم الرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس السوداني جعفر النميري، وأمير الكويت صباح السالم الصباح، والملك حسين ملك الأردن، وإمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي، مشيراً إلى أن عبد الناصر كان حريصاً على أن تكون مائدة الطعام بسيطة وتخلو من أي بهرجة أو إسراف.

 

ولم يُستثنَ من تلك القاعدة سوى الرئيس اليوغوسلافي جوزيف تيتو الذي استقبله عبد الناصر على اليخت الرئاسي، لكن الاستثناء في مكان الاستقبال لم يُترجم على المائدة، إذ لم تختلف مائدة تيتو عن غيرها من موائد الزعماء، حسب ما قال علي.

 

مأكولات عبد الناصر

يتطرّق علي إلى قائمة المأكولات التي كان عبد الناصر يحبذها ويقدّم منها لضيوفه، ومنها الأكلات الشعبية العادية، خاصة الصعيدية منها، مثل “الويكه الصعيدي” (بامية كبيرة الحجم تقطع وتطهى مطبوخة)، والمحشي والبطاطس والكوسا والملوخية، والفلفل المطهو في الفرن مع زيت الزيتون، كما كان يطلب الأسماك البحرية مثل الوقار الذي توفر آنذاك بأسعار متدنية، وأحياناً يأكل الجمبري (القريدس)، أو الكابوريا (السلطعون) التي كان يحبها مسلوقة.

 

ويوضح نجل طباخ عبد الناصر أن المأكولات البسيطة، فضلاً عن الأثاث المتواضع، تركت أثرها في ضيوفه، خاصة أﻣﻴﺮ اﻠﻜﻮﻳﺖ الذي زار مصر أكثر من مرة، ثم كتب شيكاً للرئيس بـ10 ملايين دولار وأرسل له طائرة خاصة، لكن عبد الناصر منحهما للدولة لرغم أنهما كانا لحسابه الشخصي، حسب رواية نجل الطباخ التي يؤيدها الجميعي.

الطعام وضبط حياة المصريين

لم يساهم الطعام في رسم صورة ناصر أمام الملوك والرؤساء وحسب، بل كان له دور في ضبط الشارع المصري عند منع عبد الناصر استيراد بعض السلع، وأصبحت الأخرى تُصرَف عبر جمعيات استهلاكية، كما حُدّدت بعد نكسة 1967 ثلاثة أيام فقط في الأسبوع لبيع اللحم.

 

“منع عبد الناصر استيراد السلع الزائدة عن حاجة الشعب، فالاستيراد كان يعني أن الدولة ستدفع بالدولار، وهذا ما يشكّل خطراً على الاقتصاد ويتسبب بارتفاع الأسعار”، حسب أستاذ التاريخ الحديث في جامعة القاهرة عاصم الدسوقي.

 

هل كانت المائدة أداة روّج من خلالها عبد الناصر لسياساته؟ ما العوامل التي تحكمت في علاقة الزعيم بالطعام، وكيف وظّفه لخدمة مشروعه؟ شقيق عبد الناصر ونجل طباخه وآخرون يروون أسرار موائد الرئيس

 

ويقول الدسوقي إن شكل المجتمع قبل الثورة مهّد الطريق لتلك القرارات، إذ عانت مصر من مستوردين جشعين وطبقة مستهلكة من الإقطاعيين استورد بعضهم الطعام من باريس.

 

هكذا تحوّل الطعام إلى وسيلة تواصل مباشرة بين عبد الناصر والمصريين، كما عندما ألقى له أحد عمال التراحيل (من يعملون خارج قراهم ومناطقهم) منديلاً فيه بصلة ورغيف خبز، وفيه رسالة شكوى إلى عبد الناصر تقول إن “الراتب لا يكفي إلا لشراء هذا (أي البصل والخبز)”، فعمد إلى زيادة رواتبهم من قرشين ونصف القرش إلى 25 قرشاً.

 

ويشير أستاذ التاريخ المتخصص بالحقبة الناصرية إلى أن عبد الناصر اعتمد قوانين الإصلاح الزراعي التي ضاعفت ثروات الفلاحين بنسبة 80%، كما منع استيراد السلع “الاستفزازية” كالثلاجات من ماركات عالمية والأغذية المعلبة التي لم تدخل ضمن استهلاك المواطن العادي.

 

ويشرح جابر أن سياسة عبد الناصر الغذائية عزّزت حرية التجارة، إذ أبقت على تجار الجملة والتجزئة، ولكنها أدخلت المجمعات الإستهلاكية لتوفر الحد الأدنى من السلع للمواطن البسيط، كما وصلت مصر إلى الاكتفاء الذاتي من الخضار والفاكهة وحققت معدل نمو سنوي وصل لـ7.5%.

مرض عبد الناصر وطعامه

لم يكن الرئيس المسؤول الوحيد عن خيار طعامه، بل كانت هناك جهة أكبر تتحكم فيه ألا وهو مرض السكري.

 

ويوضح شقيق الزعيم الراحل عادل عبد الناصر أن مرض السكري أصاب عبد الناصر بعد عام 1961، عندما انفصلت سوريا عن مصر، وقد ألزمه بأكل “عيش السن” (خبز مصنوع من حبة القمح الكاملة ويحتوي على كمية بسيطة من الدقيق الأبيض).

 

ويقول شقيق عبد الناصر إن السكري تفاقم لدى الرئيس بعد عام 1967، إذ منعه الأطباء عن التدخين وعن صعود السلالم، فبات يستخدم مصعداً وُضع خصيصاً في منزله.

 

ويشرح عادل كيف أن بعض المحيطين بالرئيس لم يولوا مسألة مرضه أهمية، ومن المواقف المتصلة بذلك ما يُنقل عن مساعد عبد الناصر للشؤون السياسية محمود فوزي الذي دخل على السادات عقب توليه الرئاسة، فوجد السكرتيرة تقدم للرئيس شاياً ثقيلاً، فيعترض السادات قائلاً ما مفاده “أتريدون أن تقتلوني كما قتلتم عبد الناصر؟”، وطلب أن يكون الشاي معتدلاً.

 

من جهته، يكشف نجل طباخ الرئيس عن تأثير آخر لمرض السكري على مائدة عبد الناصر، موضحاً أن والده الطباخ بات يعد سمك الوقار بطريقة معينة تقلل الدهون والزيوت فيه، بينما كان عبد الناصر يأكل نوعاً واحداً من اللحم هو “البتلّو” (لحم العجل أو البقر أو الجاموس الصغير) وذلك لأن فيه دهوناً أقل من الموجودة في باقي أنواع اللحوم.

 

وبرغم مرضه، يتابع نجل الطباخ، فضّل عبد الناصر البتلّو مطهواً مع القليل من الزبدة، كما أقبل على تناول الأسماك لأن الكوليسترول فيها منخفض، وامتنع عن الحلويات، لكنه بقي مدخناً شرهاً برغم خطورة ذلك على صحته.

“قطاع خاص”

“كان يأكل أمامي الكوسا والبامية والمحشي والأرز واللحم والسمك”، هكذا يصف عادل قائمة مأكولات أخيه، مبيناً أن عبد الناصر كان يقبل على الأسماك بشكل خاص بسبب نشأته في الإسكندرية، وكانت الملوخية طبقاً أساسياً في وجباته. 

 

فصل الرئيس بين مطبخين، الأول تابع للرئاسة يعدّ مآدب الغداء مع المسؤولين أو الضيوف الأجانب أسماه “قطاع عام”، والآخر كان “قطاعاً خاصاً” لأكله الشخصي وأسرته ويصرف عليه من راتبه.

 

ويُخبر عادل كيف فصل الرئيس بين مطبخين، الأول تابع للرئاسة يعدّ مآدب الغداء مع المسؤولين أو الضيوف الأجانب وأطلق عليه عبد الناصر “قطاع عام”، والآخر كان “قطاعاً خاصاً” لأكله الشخصي وأسرته ويصرف عليه من راتبه.

 

يروي الطعام جانباً آخر من حياة عبد الناصر، ألا وهو الجانب الليلي، إذ كان الرئيس يعمل عشرين ساعة، وفي المساء كان يستمع لشرائط تصله من هيئة الاستعلامات، فيما يكتفي بالسندويتشات والقهوة، حسب ما يذكر شقيقه.

الطعام والعائلة

نجح عبد الناصر أن يجمع أباه وأشقاءه وأبناءه كل يوم جمعة في استراحة الرئيس في حي المعمورة في الإسكندرية، حيث كانوا يقضون اليوم ويبيتون ليلتهم معه، ويتنزهون مع أولاده، بينما يقع على زوجته تحية الدور الأكبر في تجهيز الطعام، إذ كانت المسؤولة الأولى عن الموائد الشخصية بعيداً عن الولائم الرسمية، حسب رواية عادل.

 

المخلّل

لا ينتهي الحديث عن مائدة عبد الناصر إلا بذكر المخلّل الذي كان طباخه يشتريه من محل في حي الأزهر، صاحبه معروف باسم “عم دقرم”.

 

بدأت القصة بزيارة رجل يدعى بركات للمحل، عرف بعدها عم دقرم أنه طباخ خاص بالرئيس، ومنذ ذلك اليوم أصبح مخلّله وجبة أساسية في إفطار عبد الناصر، تردّد بركات إليه يومياً لشرائه.

 

وأخبر عم دقرم أنه لم يكن للزعيم الراحل طلب معين من “الطرشي” (خضار مشكل مخلّل مملح)، بل الأهم كان وجوده على المائدة وإن لم يأكله.

 

“الريّس مبسوط من المخلّل”… كانت هذه أكبر مكافأة انتظرها عم دقرم من طباخ الرئيس حين نقلها له، مشيراً إلى أن تلك العبارة كانت حافزاً أساسياً له لإتقان عمله