الأربعاء: 28 أكتوبر، 2020 - 10 ربيع الأول 1442 - 09:25 مساءً
حوار
الثلاثاء: 27 ديسمبر، 2016

السيّدة فاطمة الصدر، أم جعفر، ابنة المرجع الراحل السيّد صدر الدين الصدر، وأخت العالم المغيّب السيد موسى الصدر، وزوجة ابن عمّها ورفيق دربها المفكّر الإسلامي الكبير الامام السيد محمّد باقر الصدر، إن حسبتها جبلاً فلستَ بملوم، فقدت – كالعالم الإسلامي بأسره – السيد الصدر ورفيقة دربه بنت الهدى امنه الصدر، ثمّ استشهد أصهرتها الثلاثة فرمِّلت بناتها أمام عينيها، ثمّ نزلت بها الأمراض العضال فبقيت ـ مع ذلك ـ شامخةً كالطود

بداية أنّ والدة الشهيد الصدر كانت تعيش معكم إلى يوم استشهاده، فهل وصلتكم معلومات حول نشأة الشهيد الصدر؟‏
كان إخوته وأخواته ـ وكما هو معروف ـ يتوفّون في أعمار صغيرة، فبعضهم يتوفّى وعمره أقلّ من سنة وبعضهم أكبر من هذا العمر. ولكنّ أمّه الصابرة وأباه المحتسب عاشا هذه المحنة وهذا الابتلاء بكلّ ثبات وتحمّلٍ وصبر عظيم. وقد اشتهر بين العائلة أنّ أمّه رأت في المنام أنّها سترزق ولداً في يوم 25 من شهر ذي القعدة وسوف يكون له شأنٌ كبير.‏ وبعد ولادته وبلوغه مرحلة الصبا كان الشهيد الصدر يشارك على صغر سنّه في المناسبات الدينيّة في حسينيّة آل ياسين في الكاظميّة، ويُنقل من عدّة أطراف أنّه ألقى هناك كلمة في ولادة الإمام الحسين(ع) ـ وكانت كلمة رائعة جدّاً ـ وقد كتبها بنفسه وكان لها وقع في نفوس الحاضرين. ويقال إنّ خاله الشيخ راضي آل ياسين (الذي كان ضمن الحاضرين في الحفل) لم يتمالك نفسه فنهض وقال مخاطباً السيّد الصبي: «أحسنت يا رافعيّ العراق». وينقل أنّه كان عند إلقاء أوّل كلمة له صغيراً ولم يكن طوله يساعد على أن يراه الجميع فوضعوا شيئاً تحته مثل كرسي أو ما شابه ذلك حتّى يتسنّى للجميع رؤيته. وكان خاله الشيخ مرتضى آل ياسين يحبّه جدّاً ويعتني به، وتنقل والدة الشهيد الصدر أنّه قال لها وقد شكت له خوفها وقلقها على السيّد لأنّه متميّز والأنظار كلّها عليه، فطمأنها وقال: «لا تخافي عليه، أتوقّع له خيراً كثيراً، ولقد رأيته في المنام وهو في الوسط والقرآن على جانبه والكعبة على جانبه الآخر».‏

‏ من المعروف أنّكما عقدتما قرانكما في لبنان، فهل تحتفظين بشيء من الذكريات حول ذلك؟‏
لم يتزوّج الشهيد الصدر إلاّ بعد أن حصل على مقدار معيّن من المال وذلك من وراء بيعه كتاب (فلسفتنا) و(اقتصادنا) فتزوّج من هذا المبلغ. وفي أوّل زواجه ـ أي في شهر العسل كما يقال ـ كان في جباع يكتب المواضيع الرئيسيّة لكتاب (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، وعندما قلت له: «حتّى في هذه الأيّام تكتب؟!»، أجابني والابتسامة على شفتيه: «إنّني لا أستطيع ترك الكتابة في كلّ الأوقات السعيدة منها والحزينة».‏ وبعد زواجنا وجدت أنّه لا يمتلك إلاّ صاية واحدة فسألته: «أين ملابسك الأخرى؟!»، فضحكت أمّه وقالت له: «ألم أقل لك إنّ زوجتك سوف تتعجّب من قلّة ما تملكه من ملابس؟!». وكان نادراً ما يخيط ملابسه أو يشتري، وكان يكتفي بأقلّ شيء ويقول: «عجباً! كم جسد لي حتّى أخيط وأشتري ملابس متعدّدة».‏ وأذكر أنّني حصلت على مبلغ من المال من الهدايا التي قدّمت لي بمناسبة زواجي، فاشتريت ثلاّجة ومبرّدة هواء وبوفيه؛ لأنّ هذه الأشياء لم تكن موجودة في بيت السيّد.‏ وقد عُرض بيت قريب لبيت السيّد للبيع فسمع بذلك أحد محبّيه، فقدم إليه وقال له: «إنّي أريد أن أشتري هذا البيت لكم لأنّ بيتكم بيت إيجار وهو قديم»، فلم يقبل السيّد وقال له: «إنّي لست بحاجة إلى بيت ملك ولكنّ الطلبة بحاجة إلى ذلك»، وصحبه السيّد إلى شارع الإمام زين العابدين(ع) ـ أي بجوار الحرم الشريف ـ واشتروا هناك قطعة أرض خصّصها السيّد للطلبة وكان يريد أن يبنيها شققاً لطلاّب الحوزة ولكنّ الوقت لم يساعده واستشهد قبل أن يحقّق فكرته.‏
هل تحتفظين بشيء حول الأجواء العلميّة التي كان يعيشها السيّد الشهيد؟‏
كان السيّد الشهيد مثابراً على دروسه وعلى كتابته ومباحثاته دائماً، وفي وقتٍ كان يذهب ليلاً إلى بيت المرحوم السيّد الخوئي للمباحثة هناك. وفي إحدى الليالي كان الجوّ بارداً والسيّد مريضاَ فطلبت منه عدم الذهاب إلى المباحثة لأنّ حالته لا تسمح له بذلك وسوف يشتدّ مرضه إذا ذهب، فقال لي: «أعطني القرآن لأستخير فناولته القرآن فخرجت الآية: {إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى}(طه: 10)، فقال لي: «أذهب الآن أو لا أذهب؟!»، فأجبته: «اذهب في أمان الله وحفظه».‏
مع العائلة ماذا عن الشهيد الصدر في المنزل، ابناً وأباً وزوجاً وأخاً؟‏
كان السيّد الشهيد في البيت في غاية الرحمة ومنتهى العطف، فقد كان مع أمّه الولدَ البار ومع أخته الأخ الصديق ومع زوجته الزوج المحبّ ومع أولاده الأب الرحوم. وقد كان مع أمّه مصداقاً للولد البار المطيع لها إلى آخر يوم من حياته الشريفة، وكان يسألها إذا عزم على أمر معيّن هل تقبل أن ينجزه أو لا تقبل، ومهما كان جوابها كان يطيعها. وكان يجالس أخته ويراجع معها ما تكتبه ويجيبها ويعينها على كلّ ما تحتاج إليه ويعطي من وقته ساعات لها، فكان بحق الأخ الرفيق والشفيق والمعين في الوقت نفسه.‏ وكذلك مع زوجته، فقد كان يقدّرني ويحترمني ويراعي مشاعري وكان يقول لي: «أرجو منك أن تقدّري ظروفي وكثرة مشاغلي وأن تسامحيني إذا قصّرت بأمر معيّن».‏ وإنّي من أوّل زواجي أحسست بأنّ السيّد زوجٌ غير عادي، فكنت أقدّسه وأكنّ له كلّ مشاعر الإجلال والتقدير.‏ وأمّا عن أولاده، فقد كان شديد التعلّق بهم وحريصاً عليهم ومتعاطفاً معهم: فعندما يمرض أحدهم كان عند دخوله المنزل وقبل أن يغيّر ملابسه يذهب إليه ويسأل عن حاله ويطمئن إلى صحّته ويضع يده الشريفة على رأسه ويقرأ سورة الفاتحة بنيّة الشفاء.‏ وكان يعاملهم مثل الكبار ويتفاهم معهم ولا يجبرهم على أمر ويتكلّم معهم كلّما سنح أو سمح له الوقت.‏ وكان يقول لي: إنّي أرى أولادي أقلّ ممّا ترينهم، إنّني ولأجل ذلك لا أريد أن تذكري لي إذا ارتكبوا خطأً معيّناً حتّى أؤنّبهم، لا أحبّ أن يذكر أولادي أنّي أنّبتهم أو عاقبتهم، أريد أن أتحدّث معهم وألاطفهم ولا يعكّر ذلك شيءٌ حتّى لا يذكروا منّي إلاّ كلّ ما يحبّونه ويعتزّون به، وترك مسؤولية تربية الأطفال على عاتقي.‏ وكانت إحدى بناتي ضعيفة في مادّة الرياضيات فأخذ السيدّ ـ مع كلّ مشاغله ومسؤوليّاته ـ يدرّسها ويراجع معها ذلك حتّى تيقّن أنّها استوعبت المادّة جيّداً.‏ لقد كان الأولاد يفرحون ويشعرون براحة كبيرة كلّما رجع السيّد الشهيد إلى المنزل وكأنّهم كانوا يشعرون بصعوبة الظروف وأنّ كلّ يوم يرجع فيه السيّد بسلامة فهو غنيمة ونعمة عظيمة.‏ وعندما كان يكتب في غرفة (الجلوس) التي تجتمع فيها الأسرة حتّى يكون بين أهله وأبنائه، كنت أحاول أحياناً أن أسكت الأطفال أو أطلب منهم ترك الغرفة فيقول لي: «دعيهم، إنّ أصواتهم لا تزعجني ولا تؤثّر في كتابتي».‏
هل كان السيّد الشهيد يجعلكم تعيشون همومه وظروفه؟‏
لم يكن السيّد الشهيد مستبدّاً في الرأي أو متعجرفاً، بل بخلاف ذلك تماماً؛ فقد كان يأخذ آراء الجميع في أمور المنزل ويستمع إلى وجهات نظر الجميع، وعندما يقع حادثٌ أو يأتي مسؤول من الدولة أو تمرّ على العائلة مشكلة كان السيّد يجمع الأسرة كلّها من الكبار إلى الصغار وينقل لهم ولو بشكل مبسّط ما جرى ويوضح لهم الحال لكي يكونوا على علم بما يجري.‏
ذكريات مريرة‏ في نهاية المطاف، نعلم أنّ حديثكن عن فترة الحجز أمرٌ شاقٌّ عليكن من الناحية النفسيّة، ولكن هل لكنّ أن تتفضّلن علينا ببضع كلمات؟‏
في أيّام الحجز الذي دام حوالي تسعة أشهر أو أقلّ ومع شدّة الظروف والخوف والقلق النفسي إلاّ أنّ السيّد الشهيد كان قويّ الإيمان ثابت العزيمة شديد التوكّل والتسليم لله عزّ وجلّ. كان يجالسنا ويلاطفنا ويخفّف عمّا فينا ويتكلّم معنا وكأنْ ليس هناك شيء. وكان يقول لنا وفي أوقات متفرّقة: «اذهبوا واتركوني، إنّهم ـ أي صدّام وجماعته ـ فقط يريدونني وليس لهم علاقة بكم»، ولكنّ هذا الكلام كان لا يزيدنا إلاّ حبّاً له وتعلّقاً به. ومع خطورة الوضع وحرجه بدأ السيّد الشهيد بكتابة المواضيع الرئيسيّة لكتاب (اجتماعنا) وكان يسعى في كتابته سعياً حثيثاً، إضافة إلى كتب أخرى. وكان مشغولاً بحفظ سور من القرآن وكان عازماً على حفظ المزيد من السور ولكن لم يسنح له الوقت.‏ وكنّا مع كلّ هذه الضغوط النفسيّة نشعر بنعمة وجود السيّد الشهيد في ما بيننا، وكلّ يوم كان يمرّ والسيّد بيننا كان بالنسبة لنا مكسباً ومغنماً كبيراً.‏ أمّا هو فقد كان يتأثّر ويحدّث ويحزن على وضع حالنا ونحن تحت ضغط الحجز، ولكنّه سلّم أمره وأمرنا إلى الله عزّ وجل، وقد ضعف في ذلك الوقت نتيجة وضعه الصحّي وكذلك النفسي؛ فقد كان ضغطه مرتفعاً في أكثر الأحيان.‏
غسل الشهادة‏ هل قال لكم شيئاً أو أوصاكم بشيء قبل أن يقتاده أزلام البعث إلى محراب شهادته؟‏
عندما أتى جلاوزة صدّام لاعتقال السيّد الشهيد في المرّة الرابعة ـ وهي المرّة التي استشهد فيها ـ وأخذِه إلى بغداد، أخذ السيّد يتحدّث معنا ويهوّن علينا الخطب الجلل، فقال: «إنّ كلّ إنسان يموت، وللموت أسباب عدّة، فيمكن أن يموت الإنسان بسبب مرض أو فجأة على فراشه أو غير ذلك، ولكنّ الموت في سبيل الله أفضل بكثير وأشرف، ولو أنّني لم أقتل بيد صدّام وجماعته فقد أموت بمرض أو بسبب آخر..»، وقال أيضاً: «لو كان موتي فيه مصلحة أو فائدة للدّين وللتشيّع حتّى ولو بعد عشرين سنة فهذا يكفيني لأن أعزم على الشهادة»، ثمّ اغتسل غسل الشهادة وبدّل ملابسه وكانت لحظات رهيبة، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.‏