الأحد: 21 أكتوبر، 2018 - 10 صفر 1440 - 05:36 مساءً
وجوه
الخميس: 25 يناير، 2018

 حمد الشريف

امرأة قوية الشخصية لا تعترف بالحدود، جابت العالم عزيمة لا تنثني في السهل أو عند الجبل، فككت المصاعب لتصبح اليوم من رواد مدرسة معمارية قائمة الذات، أبهرت العالم بإبداعها بعد أن تركت بصمتها في فن العمارة الحديثة.

اشتهرت بتصميماتها المعبّرة التي تتسم بانسيابية من نقاط منظور متعددة، وتعتبر أحد روَّاد فن العمارة المُعاصِرة؛ كما اشتهرت عالميًا بتصميماتها المُبتكرة ذات النمط التجريبي، وقد كانت العقل المُبْدِع وراء تصميم مركز لندن للرياضات البحرية في دورة الألعاب الأوليمبية عام 2012، ومتحف إيلي وإيديث للفن المعاصر في الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى العديد من الإبداعات المعمارية الأخرى.

وُلِدَت زها في بغداد لأسرة ثرية، وتلَّقت تنشئة مُرَفَّهة مع التحاقها بمدارس داخلية في إنجلترا وسويسرا، وأدركت منذ صغرها أنها ستصبح مشهورةً يومًا ما، فقد كانت ذكيَّة وطموحة، درست الرياضيات بالجامعة الأمريكية في بيروت، قبل أن تنتقل إلى لندن لدراسة الهندسة المعمارية بكلية الجمعية المعمارية هناك.

حصلت على الجنسية البريطانية، وأنشأت مكتبها الخاص للهندسة المعمارية وحققت نجاحًا هائلاً من خلاله. اكتسبت تصميماتها المُبتكرة والتجريدية شُهرةً عالمية، وفي خلال سنوات أثبتت ذاتها كأحد أشهر المِعْمَاريين عالميًا.

كما مارست مهنة التدريس وباشرت بعض التصميمات الداخلية عالية المستوى، إلى جانب أعمالها المعمارية.

الشرارة الأولى لاهتمامها بفن العمارة

الشرارة الأولى التي جعلت زها حديد تهتم بالهندسة المعمارية تعود الى طفولتها حين كان عمرها لا يتعدى السادسة، حيث اصطحباها والداها إلى معرض خاص بفرانك لويد رايت في دار الأوبرا في بغداد، وتتذكر زها أنها انبهرت حينها بالأشكال والأشياء التي شاهدتها، حيث كان والداها شغوفين بالمعمار.

تكريمها

مثلت زها حديد قصة نجاح بطلتها امرأة معمارية معروفة، جابت العالم محققة إنجازات جمة، بداتها من بغداد. حصدت حديد العديد من الجوائز والأوسمة والميداليات والألقاب الشرفية وشهادات التقدير من أساطير العمارة مثل الياباني كنزو تانغه، وقد قفز اسمها إلى مصاف فحول العمارة العالمية. فازت المهندسة العراقية بأرفع جائزة نمساوية عام 2002؛ حيث حصلت على جائزة الدولة النمساوية للسياحة، واُختيرت كرابع أقوى امرأة في العالم في 2010 حسب تصنيف مجلة التايمز، وكانتاليونسكو قد ضمَّنت حديد ضمن لائحة فناني السلام الذين يستخدمون نفوذهم وسمعتهم العالمية لتعزيز المثل العليا للمنظمة، حيث أثنت في بيان لها على جهود حديد في مجال الفن المعماري ودورها في رفع مستوى الوعي العام للحوار الفكري والتميز في مجال التصميم والإبداع وتفانيها في خدمة المثل العليا وأهداف المنظمة. وجاءت عملية الاختيار عقب تصدرها فئة المفكرين في لائحة مجلة تايم الأمريكية للشخصيات المائة الأكثر تأثيرًا في العالم وقد تبوأت حديد المرتبة الثامنة والستين بين أقوى نساء العالم حسب التصنيف السنوي الذي تعلنه مجلة الأعمال فوربس.

في 2004، فازت زها حديد بجائزة بريتزكر التي تمنحهامؤسسة هيات المالكة لسلسة فنادق ريجينسي لأحد المعماريين الأحياء، حيث تعادل في قيمتها جائزة نوبل، وتبلغ قيمتها المادية 100.000 دولار مقرونة بميدالية برونزية، وهي أصغر من فاز بها سنًا حينها، حيث أشادت لجنة التحكيم بالمنجزات العمرانية التي حققتها حديد ووصفتها بأنها «إسهامات مهمة وباقية للبشرية»، وقد أُسندت إليها الجائزة بعد فوزها في مسابقة تشييد مركز روزنثال للفن الحديث في سينسيناتي في أوهايو، وفي 2006 منحتها الجامعة الأمريكية في بيروت درجة الدكتوراه الفخرية تقديرًا لمجهوداتها، إضافة إلى حصولها على وسام الإمبراطورية من رتبة كوماندور من فرنسا.

في 2007 مُنحت جائزة توماس جيفرسون للهندسة المعمارية، تقديرًا لمساهمتها الجدية والمتفردة في الهندسة المعمارية، وهي جائزة تُمنح للمعماريين منذ عام 1966 بشكل سنوي، وفي 2012 حصلت على الوسام الإمبراطوري الياباني ووسام التقدير من الملكة إليزابيث، واختيرت كأفضل الشخصيات في بريطانيا، وأصبحت حديد عضوًا شرفيًا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والجمعية الأمريكية للمعماريين.

في 2014، نالت جائزة متحف لندن للتصميم لتصميمها مركز حيدر علييف في أذربيجان، وفي 2016، وأصبحت المعمارية العراقية زها أول امرأة تحصل على هذه الجائزة التي هي أعلى تكريم يقدمه المعهد الملكي البريطاني اعترافًا بالإنجاز التاريخي في مجال الهندسة المعمارية، وتمتلك زها حديد ثروة تُقدر بـ215 مليون دولار.

قامت الجامعة الأمريكية في بيروت بتكريم المعمارية الشهيرة بعد وفاتها، حيث قامت بعمل معرض لأهم أعمالها في الفترة من 9 مايو وحتى 13 مايو 2016 بمعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، والتي قامت حديد بتصميمه وتم افتتاحه عام 2014، وتم عرض صور من حياتها وأسرتها وعائلتها والمجوهرات التي قامت بتصميمها.

أسرتها

قالت حديد في إحدى مقابلاتها أنه لديهم بيت لا يزال قائمًا ببغداد، يعود إلى الثلاثينات بقطع أثاث من الخمسينات. حيث بدأت حديد دراستها خارج العراق في السادسة عشرة من عمرها. كانت والدتها ربة بيت، بينما كان والدها محمد حديد، رئيس شركة صناعية وناشطًا سياسيًا وأحد القادة في الحزب الوطني الديمقراطي العراقي والوزير الأسبق للمالية العراقية، الذي اشتهر بتسيير اقتصاد العراق خلال الفترة من عام 1958 حتى 1963. كانت والدة حديد تُحب الرسم وتمارسه بشكل جيد، وهي من علمتها الرسم، حيث كان لها ذوق رائع ونظرة حادة للأشكال الجميلة. وقد زرع والداها بها حب المعرفة وأهمية الدراسة والتحصيل العلمي كجواز سفر الإنسان في الحياة. فقد اعتبرتهم زها بمثابة الإنارة في حياتها، اللذان وفرا لها الدعم الكبير حين اختارت دراسة العمارة في الخارج. لا توجد مصادر حول حياتها الشخصية، ولكن بعد وفاتها ذكرت إحدى الجرائد البريطانية أن زها لم تكن متزوجة، وليس لديها أطفال عند الوفاة.

حياتها العلمية

تلقت زها تعليمها الابتدائي والثانوي بمدرسة الراهبات الأهلية، وقد أشارت حديد إلى أنها تلقت تربية عصرية في العراق، واستفادت من تربية والديها المُستنيرة لها ولدعمهما غير المشروط، وأنهما كانا المُلهمين الكبيرين لها، إضافة إلى أن حماسهما وتشجيعهما هو ما أيقظ طموحها وأعطاها ثقة كبيرة في نفسها.

في سن السادسة من عمرها، اصطحبها والداها إلى معرض خاص بفرانك لويد رايت في دار الأوبرا ببغداد، ووقتها كانت قد انبهرت كثيرًا بالأشكال التي شاهدتها. وفي سن الحادية عشر، حددت زها اهتماماتها لتصبح معمارية، فقامت بتصميم ديكور غرفتها، وكانت تراقب التصميمات المعمارية للمباني.

تعلمت الرياضيات في الجامعة الأمريكية ببيروت، وحصلت على الليسانس في الفترة من 1968 حتى 1971. وذاع صيتها في الأوساط المعمارية الغربية، حيث درست العمارة في الجمعية المعمارية في لندن في الفترة من 1972 حتى 1977، حيث مُنحت شهادة الدبلوم.

تميزت زها حديد بنشاط أكاديمي واضح منذ بداية حياتها العملية، فقد بدأت التدريس في الجمعية المعمارية. وكانت بداية نشاطها المعماري في مكتب ريم كولاس وإليا زنجليس أصحاب مكتب أو أم إيه، ثم أنشأت مكتبها الخاص في لندن عام 1979،ليبدأ صيتها بالانتشار حول العالم بمشروعات خرجت عن المألوف مثل مشروع نادي الذروة في هونغ كونغ، مشروع دار كارديف باي للأوبرا في ويلز ببريطانيا عام 1994.

أقامت زها حديد العديد من المعارض الدولية لأعمالها الفنية تشمل التصاميم المعمارية والرسومات واللوحات الفنية، وقد بدأتها بمعرض كبير في الجمعية المعمارية بلندن عام1983، كما أقامت مجموعة من المعارض الأخرى الكبيرة في متحف جوجنهايم بنيويورك عام 1978 ومعرض GA Gallery بطوكيوعام 1985 ومتحف الفن الحديث في نيويورك عام 1988، وقسم الدراسات العليا للتصميم في جامعة هارفارد عام 1994، وصالة الانتظار في المحطة المركزية الكبرى بنيويورك عام 1995. كما شكلت أعمال زها حديد جزءًا من المعارض الدائمة في متحف الفن الحديث بنيويورك ومتحف العمارة الألمانية فيفرانكفورت.

في عام 1994، عُينت أستاذة في منصب كينزو تاجيه، في مدرسة التصميم التابعة لجامعة هارفارد وفي كلية الهندسة في جامعة إلينوي في شيكاغو وجامعة كولومبيا وجامعة الفنون التطبيقية في فيينا، ومنصب سوليفان في جامعة شيكاغو بمدرسة العمارة بوصفها أستاذ زائر، كما شغلت منصب أستاذ زائر في جامعة ييل. وقامت بإلقاء سلسة من المحاضرات في أماكن كثيرة من العالم، وكانت عضوًا شرفيًا في الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب والجمعية الأمريكية للمعماريين.

بعض مقولات زها حديد:

«لقد كنت دائمًا ذات شكل غير معتاد، لن أقول جميلة».

«أنا أؤمن حقًا بفكرة المستقبل».

«كامرأة، لا تستطيعين الوصول لكل العوالم».

«إن الأمر اللطيف بشأن الخرسانة هو أنها تبدو غير منتهية».

«أنا أجد المدن الصناعية مثيرة، أحب صلابتها».

«إن النساء مثل الرجال، يجب أن يكن مجتهدات ويعملن بجد».

«هل كانوا سيُطلقون عليّ لقب ديفا لو كنت رجل؟».

«لقد اعتقدت دائمًا أنني قوية منذ كنت طفلة».

إن الحياة في الشرق الأوسط مختلفة بشكل كبير عن باقي الأماكن؟».

«يجب أن يكون الناس في المستشفى قادرين على إيجاد وقت لأنفسهم».

«إن التعليم والإسكان والمستشفيات هم الأشياء الأكثر أهمية في المجتمع».

«أنا سهلة الانقياد، وألتمس للناس الأعذار لو أحببتهم».

«لن أعطي نفسي أبدًا رفاهية التفكير، لقد نجحت».

«من المهم جدًا السماح للمدن التاريخية بأن تعيد ابتكار مستقبلها».

«لقد قدّرت دائمًا من جرءوا على التجربة في النسب والمواد».

«أنا واثقة أنني كأمرأة يمكنني عمل ناطحة سحاب جيدة جدًا».

«لقد كان والدي اشتراكيًا، لذا كان سيعتقد أنني لا يجب أن أكون سيدة راقية».

«إن نصف طلاب العمارة نساء، ترى معماريات إناث محترمات وقويات طوال الوقت».

«يقول الناس إنني أصمم أيقونات معمارية، لو صممت مبنى وأصبح أيقونة، فلا بأس بهذا».

«أنا مهتمة بالأزياء لأنها تحتوي على الحالة المزاجية لليوم، للحظة – مثل الموسيقى والأدب والفن».

بعض أعمالها ونبذة مختصرة

مجمع السباحة في لندن

وقد لُقّب هذا المجمّع بالتحفة الفنية لتصميمه المنحني الذي يشبه شكل الأمواج نسبةً الى هدف المبنى الذي يحوي أحد أكبر أحواض السباحة في المدينة، ومن المميز أيضًا الأدراج المخصصة للقفز في حوض السباحة التي تشبه بعصريتها التصميم الخارجي للمبنى.

المجمع الفني في أبوظبي

المبنى بحد ذاته هو تحفة فنية لتصميمه العمودي المتناغم، فتصاميم حديد هي بعيدة عن الأشكال الهندسية التقليدية،  يحوي المجمع على 5 مسارح، بالإضافة إلى دار أوبرا مجمّع موسيقي ومركز للحفلات الموسيقية.

المركز الرئيس لشركة BMW بألمانيا

هذا التصميم لاقى عدة جوائز لهندسته ومنها جائزة RIBA الأوروبية عام 2006، وهدفه الأساسي كونه معملًا لتصنيع السيارات الإلمانية بتصميمها الـ3 Series، ومن هنا صعوبة إنجاز مشروع كهذا، يدخل في إطار تقنياتٍ عالية، بالإضافة إلى الهندسة.

منزل Capital Hill في روسيا

أراد البليونير الروسي Vladislav Doronin تصميم منزل خاص به للاستجمام في منطقة Barvikhaالروسية فالتجأ الى المهندسة لابتكار منزل بتصميمٍ مميّز وغريب بعض الشيء في إطار التصميمات الهندسية المنزلية، شبّهه البعض إلى مركبة فضائية أو ببرج يعلو فوق الأشجار التي تحيط به.

مجمّع كرة القدم في طوكيو

بالرغم من أن المتوقع الانتهاء هذا المشروع عام 2018، إلّا أنه سوف يغيّر معالم مدينة طوكيو بهندسته المستقبلية التي تتميز بخطوطٍ هندسية متمايلة، سوف يحتوي هذا التصميم على أكثر من 80 ألف شخص، كما أنه من المفترض أن تجرى فيه بطولة العالم في الـRugby عام 2016.

مركز الفنون الحديثة بروما

هو متحف وطني للفن المعاصر في ايطاليا وهو الأول من نوعه، وخُصص موقع كبير لإقامته في مقاطعة فلامينيا على الحافة الشمالية لمركز روما التاريخي (مساحته 3000 متر مربع). ويشمل المركز فراغات للعرض الدائم والمؤقت، مكتبة، مركزًا معماريًا، ومركزًا للمؤتمرات.

جسر أبوظبي

هو الثالث من نوعه في العالم، ويُعتبر من التحف الفنية والفريدة من نوعها، يبلغ طول جسر الشيخ زايد حوالي 800 مترًا ممتداً من جزيرة جسر الشيخ زايد وحتى اليابسة.

تُوفيت المعمارية العراقية زها حديد في ميامي بالولايات المتحدة الأمريكية في 31 مارس 2016، عن عمر ناهز ال65 عامًا، إثر نوبة قلبية مفاجئة، حيث كانت قد وصلت إلى ميامي لتلقي العلاج من التهاب الشعب الهوائي، وقال مكتبها في لندن في بيان ينعيها: «بحزن كبير تُؤكد شركة زها حديد للهندسة المعمارية أن زها حديد تُوفيت بشكل مفاجىء في ميامي هذا الصباح، حيث كانت تُعاني من التهاب رئوي أصيبت به مطلع الأسبوع وتعرضت لأزمة قلبية أثناء علاجها في المستشفى، وأضاف البيان أيضًا إلى أن: «زها حديد كانت تُعتبر إلى حد كبير أهم مهندسة معمارية في العالم اليوم».

ذكرت صحيفة تلغراف أن المعمارية البريطانية الراحلة ذات الأصول العراقية، زها حديد، تركت وراءها ثروة تقارب 85 مليون دولار، دفعت 4 ملايين منها بمثابة ديون.

خسر العالم زها حديد الإسمٍ الامع في المجال الهندسي لأعمالها العالمية التي تتميز عن المشروعات الأخرى التي اعتدنا رؤيتها في المدن العالمية، فحديد برعت في مزج تصاميمها مع إطار المكان الذي تتواجد فيه، فتتمازج بدلًا من أن تكون منفردة على حد سواء، كما أنها عملت على تصاميم حصرية في عالم الموضة والفن.

الشكر موصول دائمًا لمن لها الفضل في إتمام المقال: المهندسة/نورهان سيد أحمد