الأربعاء: 19 ديسمبر، 2018 - 10 ربيع الثاني 1440 - 01:51 مساءً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 10 أبريل، 2018

فايز علام

كضيفٍ طارئ يأتي الماضي بكل ما فيه ويفرض سطوة حضوره على “تاج الملوك عبد المجيد”، الصحافية ذات الأصول الإيرانية التي امتلكت أول مجلة في بغداد، وحظيت برعاية القصر الملكي في الأربعينيات.

سؤالٌ واحد هو ما فجّر ينبوع الذكريات البعيدة. ففي المشفى العسكري في باريس حيث ترقد مريضة، تلاحظ “تاجي” وجود شرطي يحرس باب غرفة بعينها، ولمّا سألت عن الموجود فيها، وجاءها الجواب أنه “أحمد بن بلة” الرئيس الجزائري السابق، تدفقت أحداث الزمن القديم إلى رأسها المتعب.

“هي لحظة من الحياة لم تجربها من قبل. ولا تظن أنها ستعرفها فيما بعد. كانت جالسة في القطار قرب النافذة، ثم رأت ماضيها يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل. نظر، شامتاً، في عينيها وانتشلها من الرتابة ووهن السنين. هل تتجاهله أم تغيّر مكانها؟ (…) كان كابوساً سببه سؤال عادي وجواب يبدو عادياً”.

هكذا، نرتحل عبر ثمانين عاماً من حياة مليئة بالأحداث السياسية والمغامرات العاطفية والانتقالات بين عواصم العالم، لنقرأ تاريخاً ممتزجاً بمسيرة حياة “تاجي” في العراق، بعد أن رعاها نوري السعيد وقامت بإصدار مجلة الرحاب عام 1946.

تتبدل الأحوال بعد معاهدة “بورتسموث” مع بريطانيا، تعمّ الاحتجاجات والمظاهرات البلد، ويأتي من ينصحها بمغادرة البلد وإلا سيكون مصيرها أن تسجن بتهمة الشغب.

يأتي الخلاص على شكل عرض للعمل في إذاعة كراتشي، هناك حيث ستذيع خبر إعدام الشيوعي العراقي سلمان يوسف المعروف بفهد. وهناك أيضاً ستتعرف على منصور البادي الشاب الفلسطيني الذي سيرافقها حبه حتى سنوات عمرها الأخيرة، لكن دون أن يكتمل هذا الحب.

ستطيح بهما الجغرافيا كلٌّ في مكان، هو يهاجر إلى فنزويلا ويصبح مستشاراً لرئيسها “هوغو تشافيز”، وهي تتزوج بضابط فرنسي، لتكتشف مع الوقت أنها أصبحت بئر معلومات للمخابرات الفرنسية، ويتم تكليفها بالمساعدة في اغتيال “أحمد بن بلة” أيام الثورة الجزائرية، لكنها في اللحظة الأخيرة تتراجع.

“في لحظات قصار، هي البرهة بين زفير فاسد وشهيق نقي، استعادت رشدها. لم تتردد كثيراً وهي تنكث وعدها لفرنسا. إنها جريمة قتل، وهي لن تكون شريكة فيها. طوت جريدتها ولم تحركها أمام وجهها، انتظرت نصف ساعة ثم قامت وخرجت من المقهى. (…) لم يأت معلوماتكم غلط. والرجل الطويل إلى اليمين؟ ليس الهدف”.

أقوال جاهزة

شاركغرد”كرهت التدوين. لا أفراح في دفاتري الأخيرة. أمسك القلم وأتردد. أكتب نبيذ وأتأمل المفردة، أضيف إليها تاء التأنيث: نبيذة”

شاركغردنرتحل عبر ثمانين عاماً من حياة مليئة بالأحداث السياسية والمغامرات العاطفية والانتقالات بين عواصم العالم، حياة مديدة عاشتها المرأة التي تبدّلت أسماؤها، وتغيّرت أماكن عيشها… رواية النبيذة

حياة مديدة عاشتها المرأة التي تبدّلت أسماؤها، وتغيّرت أماكن عيشها، ولم يبق من كل أمجادها سوى أكداس من الرسائل والأوراق تخبئها في صناديق وتنام فوقها متذكرة عراق الأمس الذي لا يشبه عراق اليوم، كما تخبرها “وديان الملّاح”، الصبية العراقية التي تتعرف إليها في باريس وتنشأ بينهما علاقة حميمة كأم وابنة.

الأولى لديها كنز حكايات، والثانية لا شيء في حياتها سوى حبٍ وحيدٍ فاشل في بغداد، وصممٍ عوقبت به لأنها تمردت على نزوات واحدٍ من طغاة عراق “صدام حسين”، استطاعت بعده الوصول إلى باريس وعلاج “طرشها” بتركيب سماعتين، ولكن من يداوي عطب الروح؟

هكذا، ستعيش من كانت عازفة كمان في الأوركسترا السمفونية العراقية جفافاً عاطفياً وخواءً تاماً لا ينجح أي شيء في تخليصها منهما. تتوالى إحباطاتها حتى نراها منخرطة في حلقات دينية، تسأل الشيوخ عن فتوى سماع الموسيقا، وتتمرمر في حزنها حين تحمل رسالة من “منصور البادي” الذي لم ينسَ “تاجي” رغم مرور كل تلك السنوات، ويرغب في لقائها، رغم أنها هي من سعت إلى جمع شتات الحبيبين.

“هل لك، يا سماء الله العالية، أن تخبريني لماذا تسايرينها وتعاندينني؟ كل ما تنويه يتحقق، وكل ما أرجوه يتعثر. ألست أنا من مضيت إليها، أحمل هدية خفيفة ثقلها يضنيني؟ في جيبي وريقة هي مفتاح الهوى. ذلك الذي يدور سلساً في بابها ويصدأ في قفلي”.

تحكي “إنعام كجه جي” في الرواية عن شخصيات حقيقية وأحداث واقعية وتغزلها بمغزل الخيال، لدرجة لا نعود نميز بين الاثنين، أيهما حقيقي وأيهما من صنع الخيال وحده. ربما نلجأ للبحث عن اسم الصحافية العراقية، وعن اسم مجلتها، ثم نتذكر أن كل ذلك غير مهم، وأن المعيار الوحيد الذي يضمن بقاء أي نصٍّ أدبي، هو جودة صنعته، وقد نجحت الرواية في تحقيقه، فكانت “النبيذة” شخصيةً من لحمٍ ودم وورق.

“تاجي عنقود من عنب أسود يعاند الأرجل العاصرة. نبيذها حلو، وهيمنتها على مذكراتي تضنيني. كرهت التدوين. لا أفراح في دفاتري الأخيرة. أمسك القلم وأتردد. أكتب نبيذ وأتأمل المفردة، أضيف إليها تاء التأنيث: نبيذة”.

إنعام كجه جي، صحافية وروائية عراقية مقيمة في باريس. اختيرت روايتاها الثانية “الحفيدة الأميركية”، والثالثة “طشاري” على القوائم القصيرة لجائزة الرواية العربية البوكر. لها أيضاً: “لورنا”، “سواقي القلوب”، و”أنطولوجيا عن الأدب النسوي العراقي”. ترجمت رواياتها إلى عدة لغات.

الناشر: دار الجديد/ بيروت

عدد الصفحات: 324

الطبعة الأولى: 2017