الأربعاء: 15 يوليو، 2020 - 24 ذو القعدة 1441 - 08:24 صباحاً
ثقافة وفن
الثلاثاء: 14 أبريل، 2020

عواجل برس / بغداد

تظل أيقونة الأدب العربي “اللّص والكلاب”، التي تمّ تأليفها عام (1961)، من أجمل اللوحات الأدبية التي رسمها الأديب/ نجيب محفوظ في مسيرته الأدبية على الإطلاق بعد الثلاثية “بين القصرين…. قصر الشوق…. والسكرية).

والرواية……، قصة واقعية مُستوحاة من حياة السفاح “محمود آمين”، الذي عانى من خبث المنشأ من زوجه، ودناءة النفس من محاميه، فأُنتهك شرفه، ودُنس سيرته، واستبيح ماله، وحُرم طفلته، فأعرض السفاح عن القانون صفحًا لينتقم لشرفه… فيشفي غيظه ويثلج صدره، فلم يصب إلى ما يريد…..، فسدد الضربات الوجيعة للشرطة فأوقع القتلى، والهجمات الأليمة للأبرياء فأكثر الجرحى.

وتُعدُّ رائعة “الجريمة والعقاب” من أجمل الأعمال الخالدة التي خلّفها العبقري الروسي ” فيدور دوستويفسكي عام (1866) …هي أيضًا قصة مُستوحاة من حياة المجرمين واللصوص الذين اشتدّت بهم الفاقة…، وضاقت بهم الحاجة، فتمردوا على القانون.. فسفكوا الدماء، وأوقعوا القتلى في الأبرياء، ومن هنّا يظهر جليًا أن غبار الموت … ورائحة الدماء….. هي حلقة الوصل بين الروايتين.

عديدة هي المساحات الأدبية التي تركها الأدباء في رواية “اللص والكلاب” لم تُستغل، وإذا أقدح القارئ زناد الفكر، وأمعن النظر في باطنها، لأسبلها دُثارًا مُحلى بالتحليل الأدبي ومُوشح بالنقد البناء.

وكثيرة هي التحليلات النفسية التي لم يكتشفها النُقاد في رواية “الجريمة والعقاب”، وإذا صرف القارئ عنايته في تصرفات أبطالها، وغاص في أحاسيس شخصياتها، لأفنى الطوامير الطوال من التحليلات النفسية.

ما يسحرنا…، أن دوافع القتل في الروايتين كانت مشروعة… فسعيد مهران عندما كان يئن في غياهب السجون، تزوجت زوجه “نبوية” من تابعه (عليش سدرة). وعند إخلاء سبيله، أنكره العاشقان أشدّ الإنكار…، كما أنكرته ابنته (سناء)، فأحس بغيظ قاتل، فغادر دارهما وهو مصمما بقتل العاشقين.

أما الطالب المثقف ” راسكولنيكوف، الذي كان يعيش في فقر مدقع، التمس ما شاكل الحُجة وقاربها لقتل المرابية العجوز “أليونا” والاستيلاء على أموالها لإكمال دراسته الجامعية، إذ يرى أنها تقوم بامتصاص أمثاله واستغلال حاجتهم للمال بشروط مجحفة، وأن قتلها خدمة للبشرية.

ثمة تشابه أخر بين الروايتين، هو إن عملية القتل صاحبها قتل أبرياء، فسعيد مهران قتل (شعبان حسين) الذي حل محل “عليش” في دراه، فتنتابه مُوجة من الخوف والخيبة، بينما جهّز راسكولنيكوف على أخت المرابية العجوز التي كانت شاهدة على مسرح الجريمة مصادفة، فتنتابه مٌوجة من الهستيريا والهذيان.

وخصلة أخرى تربط بين الروايتين هي أن سعيد مهران كان يعشق بائعة الهوى “نور” التي وفرت له ملازمًا آمنًا للاحتماء، “أحطك في عيني وأكحل عليك”…. بينما كان راسكولنيكوف يعشق بائعة الهوى “سونيا” التي وجد في قلبها الوفاء والأمانة، وفي روحها النُّبْل والبراءة..

ما يصيبنا بالدهشة، أن صفات الفضيلة والدعارة لا تجتمعان، بيدَ أنهما مركبتان في العاهرتين ومتفرقتان في غيرهما، فسونيا كانت ممتلئة بالأخلاق المسيحية، ولم تمارس الدعارة إلا إكراها من أبيها السكير لتعول عائلتها، فسجد راسكولنيكوف أمام قدميها الصغيرتين، فتولاها الدهشة، فكيف أمكن لطالب مثقف أن يسجد لفتاة عاهرة..،؟ فأجابها، إنما سجد أمام معاناة البشرية كلها وهي نموذج لهذه البشرية.

وسعيد مهران… وجد في بائعة الهوى ” نور” صفات الوفاء ونُبل الذات ما لم يجده في “نبوية وعليش” فسلكت له “نور” طريق السلامة، فكانت مكانًا للشكوى…وروحًا للأنس، وعندما غابت عن ناظريه أيامًا وليالا، بكى لغيابها حتى جفّت معاقيه أكثر مما بكى من الخيانة والغدر من “نبوية وعليش”

لعل من المفيد أيضا أن نذكر أن ازهاق أرواح الأبرياء، لا يمر بسلام دون أن يترك أثرًا عظيما في النفوس، وهذا ما تجلى في نفسية “سعيد مهران” فبلغ من العذاب أقصى النهاية، واستبعدت به الندامة في العاجل…، والحسرة في الآجل…أما راسكولنيكوف، فذهب به الاضطراب النفسي والروحي كل مذهب حتى صار يُهذي ويخبط خبط العشواء.

صِلة أخرى تربط بين الروايتين، هي أن نهاية البطلين تنتهي بقبضة الشرطة عن طيب خاطر دون تحقيق أهدافهما النبيلة، فسعيد مهران وجد نفسه محاطًا من الشرطة فاستسلم بلا مقاومة… وراسكولنيكوف سلم نفسه للشرطة بعد إلحاح لجوج من “سونيا” ليخرج من هذيانه نقي العرض.

مما يضم من جملة القول إن الروايتين من المدرسة الفلسفية أو الذهنية، ولهذا السبب وحده نجد تشابه قوي الصلة بين عنواني الرواية. فكلمة “اللص” صفة من صفات “الجريمة”… وكلمة “الكلاب” التي تشير ضمنًا إلى الخيانة، نعت من نعوت “العقاب”.

إن عبقرية نجيب محفوظ، تضاهي عبقرية فيدور دويستويفسكي في الخيال… وهما متطابقان في الغوص في أعماق الذات البشرية، ومتشاكلان في تشخيص الأحاسيس ومشاعرها، وإن اختلفا في الهوية الدينية، وتباعدا في السرد باللغة.

فما هذا التناغم!