السبت: 26 مايو، 2018 - 11 رمضان 1439 - 07:57 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 10 مارس، 2018

فايز علام

يفتتح “جمال ضاهر” روايته الأخيرة “الخليل بن جلجل” بمشهد صلب الحلاج وهو أحد أبرز أعلام التصوف، عاش في العصر العباسي، وأثارت آراؤه وفلسفته بعض علماء الفقه في ذلك الزمن، إلى أن أمر الخليفة المقتدر أخيراً بقتله.

“هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرّباً إليك، فاغفر لهم فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا. ولو سترتَ عني ما سترتَ عنهم لما ابتليتُ بما ابتليت، فلك الحمد فيما تفعل ولك الحمد فيما ترى”، قال الحلاج عندما كان فوق الصليب والمسامير تغرز في جسده”.

لكن الرواية تذهب بعد ذلك إلى مكان مختلف، على عكس الروايات التي ازداد ظهورها مؤخراً، والتي تتناول موضوع التصوف، إذ إن حضور “الحلاج” هنا، هو حضور قصير، فليس هو بطل الرواية ولا غايتها، بل رجلٌ عادي، هو “الخليل بن جلجل”، خادم الجنيد وتابع لأحد أتباع الحلاج الذين لم يذكرهم التاريخ ولا أنصفهم الدهر، لذا فإن الرواية تأخذ على عاتقها هذه المهمة: سرد حكاية الخليل.

يعود الكاتب بالزمن إلى الوراء ليروي ولادة بطله، ونشأته حتى الزمن الذي بدأت الرواية بمشهدٍ فيه، ثم يكمل بعد ذلك إلى ما بعد هذا المشهد، وفق تقسيمٍ زمنيّ يتشظى بطريقة تشبه تشظي روح الخليل والخراب الذي يعتمل في داخله، وينهكه.

طفلٌ ولد لأب أحرق زوجته الأولى لأنه خشي إن دخل الزنج إلى البصرة أن يتخذوها جارية لهم، وإن أخذها معه أن يكون عرضة للصوص الطريق وقطّاعه.

هكذا اتخذ قراره فأحرقها ورحل عن مدينته إلى بغداد، وهناك عاشر خادمته وأنجب منها ابناً، سمّاه الخليل. لكن الشك ظلّ ينهش قلبه إن كان هذا ابنه أم لا، فأهمله، لتربيه حبشية صغيرة، هي من زرعت في داخله حبّ الحلاج وبذور تعاليمه. إلى أن جاء يوم قرر فيه الفتى اليافع أن يصبح من أتباع الجنيد، وهو من أعلام الصوفية في ذلك الوقت، ومن صحب الحلاج.

“وصارت الحبشية تحدّث الخليل عن الحلاج وعن أخباره، تقول له ما تسمعه من الناس وعن حياته، وكيف أنه لا يأكل سوى الخبز، يُعرّض جسده لأشعة الشمس طوال النهار، وفي الليل يجلس لا ثياباً يرتدي ولا غطاءً يقيه البرد… إلى أن كان يوماً من الأيام وسألها الخليل عن الجنيد، وإن كانت ترى أنه سيكون تابعاً له، خادماً صالحاً يخدمه، فأدركت أن أوان رحيله قد حان”.

تصوّر الرواية بعض الأحداث التاريخية في تلك الفترة المضطربة من تاريخ الخلافة العباسية في بغداد، فبعد دخول الزنج إلى البصرة وقتل أهلها، خاضوا معركة ضارية مع جيش الخليفة وهزموا، لكن كأن مصير هذا البلد أن يبقى تحت الحروب منذ ذلك الوقت وحتى الآن، إذ ما إن انهزم الزنج حتى جاء القرامطة فسحقت رؤوس وبترت أطراف، وظلت النيران تشتعل والمعارك تحتدم.

أقوال جاهزة

شاركغردبطل الرواية رجلٌ عادي هو “الخليل بن جلجل”، تابع لأحد أتباع الحلاج الذين لم يذكرهم التاريخ ولا أنصفهم الدهر

شاركغردينتقل الخليل من مكان لآخر، فتغدو رحلته رحلة صوفية، لكنه لا يبحث فيها عن الأمور التي شغلت الصوفيين، بل يبحث فيها عن نفسه…

في هذا الوقت العصيب من التاريخ برز الحلاج، وذاعت شهرته، وفي هذا الوقت نفسه حوكم وسجن ثم عُذب وصُلب. لكن “الخليل” الذي آمن بقوله إنه سيبعث بعد موته، عرف أن هذا لن يحدث في أرضٍ مدنسة مثل هذه، فقرر الرحيل للبحث عن مكان البعث.

في رحلته تلك سيقابل أشخاصاً كثر، وسيتعرّف إلى الدنيا من جديد، سيفارق الجميع إلا “رزينة”. فتاة خاطئة زانية، تحاول أن تغويه من دون فائدة، تحاول أن تثيره بلا أمل، تبوء كل محاولاتها بالفشل، لكن لماذا تراها مدفوعةً إلى رفقته والبقاء بقربه في رحلته؟

ينتقل الخليل من مكان لآخر، ولا يجد شفاء للأسئلة التي تحرق فؤاده، فتغدو رحلته تلك رحلة صوفية، لكنه لا يبحث فيها عن الأمور التي شغلت الصوفيين، بل يبحث فيها عن نفسه، عن معنى وجوده، وسر حياته. وهنا بالضبط يمكن اختلاف الرواية الثاني عما سبقها من روايات تناولت موضوع التصوف.

“ألا ربي ألا ترحم الخليل؟ ألا ترحمه؟ لا يسأل الخليل عن أسرار الكون. لا يسأل كيف رفعت السماوات بغير عمد نراها ولا كيف جعلت الجبال أوتاداً للأرض. لا يسأل. ولا كيف الشمس سيّرتها وسيّرت القمر. الخليل يسأل عن أبيه وعن أمه”.

جمال ضاهر، كاتب من فلسطين. محاضر في دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية ومدير برنامج ماجستير دراسات عربية معاصرة، في جامعة بيرزيت في رام الله.

له عدة كتب في علم المنطق، وصدر له أربع روايات: “العدم”، “وأضحى الليل أقصر”، “عند حضور المكان” و”الخليل بن جلجل”.

الناشر: رياض الريس للكتب والنشر/ بيروت

عدد الصفحات: 152

الطبعة الأولى: 2017