الأربعاء: 26 سبتمبر، 2018 - 14 محرم 1440 - 11:22 مساءً
ثقافة وفن
السبت: 3 مارس، 2018

نهاد زكي

 

في لوحات بوتيتشيلي ستدرك رؤية دانتي للجحيم، والتي تعني أننا هنا على الأرض نحيا في أولى طبقات الجحيم!

«حيث ستسمع الصرخات اليائسة، وترى النفوس القديمة المُعذبة، تصرخ كلٌ منها طالبةً الموتة الثانية»، هكذا وصف دانتي الجحيم، في كتابه الكوميديا الإلهية؛ والذي أراد من خلاله أن يقيم عالمًا جديدًا، أساسه العدل والحرية والصفاء والتطهُّر والأمل.

عاش دانتي أليغيري في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي، حيث انقشاع العصور الوسطى، وبداية عصرٍ جديدٍ اشتهرت فيه الفلسفات اليونانية بدايةً من أفلاطون وأرسطو، كما ساعدت حركة الترجمة العربية والعبرية إلى تقريب تلك الأفكار الفلسفية إلى العقل الأوروبيّ، هذا إضافةً إلى ما أنتجه فلاسفة العرب من أمثال ابن رشد والذي اتخذ العقل والمنطق سبيلًا للوصول إلى الله.

عن الكوميديا الإلهية، يشير الدكتور صلاح فضل، في كتابه «تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي»، إلى أنّ هناك تأثيرًا منهجيًا ملحوظًا للثقافة الإسلامية عامةً، ورحلة الإسراء والمعراج خاصةً، في أفكار دانتي عن الحياة الأخرى، وتناول الكتاب روايات الإسراء والمعراج باعتبارها مصدرًا للكوميديا الإلهية، جنبًا إلى جنب مع التراث الأدبي الصوفي لمحيي الدين بن عربي والمعرّي.

وكما تأثر دانتي بالكثير من فلسفات سابقيه في كتابته عن الجحيم والحياة الأخرى، استطاع أيضًا بملحمته الخالدة هذه، أن يؤثر في العديد من فناني العصر الحديث أمثال الفنان التشكيلي بوتشيلي والذي قام برسم خريطة كاملة لجحيم دانتي، والموسيقار فرانز ليست والذي حاول أن يترجم هذا النص الملحمي – الكوميديا الإلهية- إلى موسيقى، وذلك من خلال «سيمفونية دانتي».

أثر الإسلام على الكوميديا الإلهية

في الكوميديا الإلهية، حطَّم دانتي الأرض إلى قطعٍ صغيرة، وأعاد تكوينها في عالمٍ خيالي، تمتزج فيه الأرض والسماء، ويرى فيه الأحياء الأموات، وتقترب فيه الأرواح من الله، في رحلةٍ يعرج فيها دانتي إلى السماء، فيهبط على الجحيم أولًا حيث الأرواح الُمعذبة في لهبٍ أبديّ تأكل أجساد بعضها بعضًا، مرورًا على المطهَّر، وهي المكانة التي يهبط فيها التائبون، الطامحون في الفردوس، حيث يتطهرون من خطاياهم، ومن ثم ينتقل إلى الجنة، حيث النعيم الأبدي، والأرواح التي تكلل صبرها بالقرب من الذات الإلهية، حيث يستمدون نورهم من النور الإلهي.

كتب دانتي ملحمته في 100 مقطع يشيرون إلى الكمال، كان فيها الجحيم هو الجزء الأشهر ويتكون من 34 مقطعًا، والمطهر والجنة كل منهما 33 مقطعًا، في إشارة إلى رحلة ارتقاء الروح إلى الكمال، والسمو، بهدف التقرُّب إلى الذات العليا والخير والسكينة الدائمين.

يحكي صلاح فضل – في كتابه سابق الذكر – عن دانتي باعتباره أحد المتصوفة المسلمين، أو هكذا وصف رحلة معراجه إلى السماوات، ذاكرًا تأثره بابن عربي خاصةً، فيقول: «كان دانتي يتصوَّر الذات الإلهية على أنها نور الأنوار، وأن الأشعة المنبعثة منها تختلف شدة وضعفًا تبعًا للقُرب من المصدر الإلهي، وأنّ الخلق ليس إلا انبثاقًا لهذا النور»، مُشيرًا إلى أن هذا التصور الإشراقي للفلسفة الأفلاطونية لم يصل إلى الغرب إلا عن طريق الفلاسفة والمتصوفين العرب، وقد وصل إلى ذروته عند ابن عربي. إذ يرى آسين بلاثيوس وهو مستشرق إسباني وأول من التفت إلى تأثر دانتي بالصوفية الإسلامية وابن عربي خاصة في كتابه «أثر الإسلام في الكوميديا الإلهية»، إلى أن تأثير ابن عربي يصل إلى أعمال دانتي الأخرى، مثل «مجموعة الأغاني»، والتي أشار إلى التشابه بينها وبين ديوان ابن عربي المهم «ترجمان الأشواق»، مُشيرًا إلى أثر النظرة الصوفية للمرأة في الشعر العذري الإسلامي والذي ازدهر في الأندلس على الثقافة الغربية، مما أدى إلى فتح باب جديد في الغزل الأوروبي ينظر فيه للمرأة ليس باعتبارها أداة للمتعة الجنسية، وإنما بنظرة صوفية روحانية نبيلة.

(دكتور يوسف زيدان يشرح عبارات ابن عربي في الفتوحات المكية)

وعلى الرغم من أنه لم يثبت تاريخيًا إطلاع دانتي على أعمال ابن عربي خاصةً خلال تاريخه، إلا أن هذا لا يمنع وصول الثقافة الصوفية الإسلامية إليه، عن طريق الترجمات من العربية إلى اللاتينية والتي شملت الكثير من المفكرين المسلمين؛ ويشير فضل إلى أن هناك تشابهًا لا لبس فيه بين الكوميديا الإلهية لدانتي وبين فصل من فصول كتاب «الفتوحات المكية» لإبن عربي، تحت عنوان «كيمياء السعادة»؛ إذ يصفُ ابن عربي رحلة الأرواح لمعرفة جوهر بدايتها، وهو الحق، ومعرفة الخالق، لتصل في النهاية إلى السعادة الأبدية، وذلك من خلال حكاية مجازية صوفية عن رجلان مسافران إلى الله تعالى، أحدهما يشق طريقه إليه بالإيمان، والآخر يشق طريقه إليه بالفلسفة والعقل، وترمز المراحل الأولى من الرحلة إلى كمال الأرواح وسعادتها، وذلك قبل الوصول إلى المعارج السماوية.

يبدأ المعراج السماوي عند ابن عربي، بنفس المراحل التي مر بها النبي محمد في معراجه، من خلال مراحل سبع، هي عدد السماوات الفلكية، سماء القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشترى وزحل، ليصل المسافران إلى وجهتمها في نفس التوقيت تمامًا، أحدهما قد وصل بنور الإيمان الإلهي، والآخر على براقه الخاص والذي يرمز إلى العقل، إلا أن المسافر الصوفي يستطيع في نهاية رحلته من الوصول إلى الرؤية العظمى، إذ يتأمل بالتدريج كمال الذات الإلهية ويتعرف على أسرارها، وهو ما يُحرم منه المُفكر بالعقل والحجة والبرهان.

وفي دراسة دكتور صلاح فضل المقارنة بين معراج دانتي ومعراج ابن عربي، نجد الكثير من أوجه الشبه بين القصة الصوفية، وملحمة دانتي الشعرية، خاصة مع تعدُّد المعاني للكوميديا الإلهية، فكل منهما يعتبر رحلته هي رمز للحياة في هذا العالم المادي، وأن وجودنا في هذا العالم ما هو سوى رحلة هدفها الحقيقي الارتقاء بالروح، كي يستحقُّوا في النهاية السعادة الأخيرة التي تتوج بالرؤية الإلهية.

الطريق إلى الفردوس بريشة الفنان الفرنسي دوريه غوستاف

إلا أن فضل قد أشار في نهاية بحثه إلى بعض الاختلافات في الرحلتين، فرحلة ابن عربي كانت مباشرة في بدايتها؛ إذ يرافقه فيها صديق واحد هو الفيلسوف الذي لم يستطع رؤية ما رآه صديقه الصوفي من الأنوار الإلهية في نهاية الرحلة، إلا أن رحلة دانتي تختلف بتناوب المرشدين الروحيين عليه بداية من فرجيل وصولًا إلى بياتريش، على الرغم من أنهما رمزان غير مباشران لعلوم الدين والفلسفة أيضًا.

أما الفارق الآخر فيعود إلى دانتي والذي يتمكَّن في منتصف رحلته من أن يجمع بين خبرة الفيلسوف التي أمده بها فرجيل في البداية، مع الروحانية الدينية التي كانت ترشده إليها بياتريش، مما يجعله، بحسب فضل، قادرًا على أن يتأمل بعقل فيلسوف مسائل كونية جنبًا إلى جنب مع شروح الملائكة لمسائل ما فوق الطبيعة الصوفية.

والحقيقة أن دانتي عانى في رحلته الحياتية من تجارب ساعدته ربما على الوصول إلى الارتقاء الروحي على الطريقة الصوفية، بدايةً من النفي، ومنعه من دخول مدينته الأثيرة فلورنسا مدى الحياة؛ إذ عاش وحيدًا يملك المال والجاه حينًا، وفي أحيانٍ أخرى شريدًا، لا يملك قوت يومه، وذلك بحسب دكتور حسن عثمان في ترجمته للكوميديا الإلهية، مُضيفًا أن دانتي أحب في شبابه على الطريقة الصوفية ابنة أحد أثرياء فلورنسا، والتي تزوجت من غيره، ومرضت بعد ذلك بحين، ثم ماتت، وهي بياتريتشي الظاهرة في أغلب أعمال دانتي، بوصفها رمزًا للحب الطاهر، والصفاء الصوفي، مُشيرًا إلى أن دانتي بحسب معاصريه، كان رجلًا واسع الثقافة، مُحبًا للقراءة والدرس والتحصيل العلمي، واستعان بذلك على مواجهة المحن والويلات التي لاحقته.

ساندرو بوتيتشيلي.. وخارطة الجحيم

منذ القرن الخامس عشر، ووصولًا إلى القرن العشرين، كانت الكوميديا الإلهية مُلهمة للعديد من فناني العالم الحديث، فحاول الكثيرون ترجمتها إلى أنواعٍ أخرى من الفنون، كان في مقدمتهم رواد الفن التشكيلي في العالم، والذين نجحوا إلى حدٍ كبير، في غزو الملحمة الشعرية الأشهر على الإطلاق، وخاصةً الجزء الخاص بمقاطع الجحيم، وكان على رأسهم الفنان التشكيلي ساندرو بوتيتشيلي، الذي ولد عام 1445 في فلورنسا، مسقط رأس دانتي، وعمل على ترجمة الكوميديا الإلهية في شكل لوحات، لترافق طبعة 1481 للكوميديا الإلهية، في مشروعٍ إيطاليّ لإحياء الاهتمام بدانتي في فلورنسا، أواخر القرن الخامس عشر.

لم يُخلق قبلي شيء سوى ما هو أبدي، وإني باقٍ إلى الأبد، أيها الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل. *دانتي كلمات مكتوبة على باب الجحيم.

قام بوتيتشيلي برسم لوحة كاملة لفصل الجحيم بالملحمة الشعرية في لوحةٍ شهيرة عُرفت باسم «خارطة الجحيم»، وصف فيها تخيله للنص الشعري بريشته، قسَّم فيها بوتيتشيلي الجحيم إلى تسع طبقات كما وصفه دانتي؛ إذ يبدأ الجحيم على سطح الأرض وينتهي في مركزها، حيث يسكن الشيطان مسلسلًا ومُعذّبًا، ومن هنا ستدرك رؤية دانتي للجحيم ولكن مصورة، والتي تعني أننا هنا على الأرض نحيا في أولى طبقات الجحيم!

(خارطة الجحيم : بوتيتشيلي)

تم تصميم هيكل الجحيم في لوحة بوتيتشيلي في شكل مخروطٍ مقلوب، يبدأ من سطح الأرض وينتهي في مركزها، وكل مقطعٍ من دوائره التسع هو طبقة من طبقات العذاب، تبعًا لنوعية الخطايا من الأصغر للأكبر، وتعد الدائرة الأولى للجحيم والتي تسمى «اللمبو»، هي أقرب الدوائر إلى الجنة؛ إذ يعد ساكنو تلك الطبقة هم من ماتوا قبل أن ينالوا التعميد المسيحي، من قادة العالم القديم وحكمائهم أمثال سقراط وأفلاطون وابن رشد، وحتى صلاح الدين الأيوبي، وتخلو هذه الدائرة من العذاب، كما تخلو من نعيم الفردوس أيضًا.

أما الدائرة الثانية، فكانت دائرة الشهوة، يسكنها هؤلاء الذين غلبوا العاطفة على العقل، وكان مصيرهم عاصفة هوجاء تدور بهم دون أمل أو راحة. والدائرة الثالثة هي دائرة الشره والنهم، حيث الوحش ذو الرؤوس الثلاثة يعوي فوق رؤوس المعذبين ويمزقهم إربًا. والدائرة الرابعة هي دائرة البخلاء والمسرفين والجشعين الذين كنزوا الثروات، والخامسة كانت دائرة الغضب؛ إذ يسكنها هؤلاء الذين سيطر عليهم سرعة الغضب في الحياة الدنيا، فكان مصيرهم أن يدخلوا في عراكٍ أبدي يمزقون فيه بعضهم بعضًا.

كانت الدائرة السادسة في الجحيم تقع في منطقةٍ أخرى أشد ظلمة، وأكثر قربًا من مركز الجحيم، حيث الهراطقة، وكل من فسر الحياة بعيدًا عن تعاليم الدين المسيحي أمثال أبيقور، يقطنون هناك. أما الحلقة السابعة من الجحيم فكان بها نهر تغلي فيه الدماء، ويُعذب به كل من ارتكب جريمة العنف سواء في حق نفسه كالمنتحرين، أو في حق الآخرين، أو في حق الطبيعة.

وكانت الحلقة الثامنة من الجحيم، هي حلقة الفاسدين والغشاشين والمتملقين، وفي الحلقة التاسعة والأخيرة من الجحيم كان يقبع الخائنون، في الدرك الأسفل، يحيون في عذابٍ أبدي، وفي وسط الجحيم الأعمق يقبع الشيطان؛ إذ قام بالخطيئة العظمى وهي خيانة الله، مربوطًا بسلاسل، مُعذبًا.

(الشيطان في عين ساندرو بوتيتشيلي)

لم يكتفِ بوتيتشيلي بعمل خارطة الجحيم فقط، والتي اعتبرها البعض خريطة مُلغزة، لم يُكتشف سرها بعد، بل قام بعمل رسوم توضيحية كاملة لهذا الفصل من الملحمة، وإن كان السائد سابقًا هو عمل بعض الرسوم التوضيحية القليلة إلى جانب النص، فما يميز تلك الطبعة من الكوميديا الإلهية، هو أن بوتيتشيلي قد عكف على خلق رسوم تفصيلية تروي كل مقطع من القصيدة؛ وكان مُخلصًا تمامًا لنص دانتي، وتحرى الدقة في كل مشهد. وقد تم وضع بعض هذه المخطوطات في متاحف برلين، ومتحف الفاتيكان والتي كان عددها يزيد عن 90 مخطوطًا.

عاني بوتيتشيلي بعد ذلك من الاكتئاب، فبعد أن أنهى النص كاملًا، عاد إلى مدينته الأثيرة فلورنسا، ولكن هذه المرة كان غريب للأطوار، منعزلًا، وكأن جزءًا من جحيم دانتي قد احتل نفسه، فتخلَّى عن مهنته الحقيقية، وأهمل شؤونه حتى نال منه الفقر، وقيل إنه مات جوعًا.

ويليام بليك وجوستاف دوريه وسلفادور دالي.. هؤلاء نالهم جحيم دانتي أيضًا

لم يتوقَّف الأمر عند بوتيتشيلي، بل وصل إلى العديد من فناني العصر القديم والحديث، كان من بينهم جان فان دير ستريت، الفنان الفلمنكي الذي عاش في فلورنسا، وكُلِّف بعمل رسوم توضيحية للجحيم، فعكف على رسم الشخصيات الشيطانية، جنبًا إلى جنب مع الرسوم التوضيحية والخرائط، وذلك في القرن السادس عشر عام 1587.

(ويليام بليك: جحيم دانتي)

وفي القرن التاسع عشر، تحديدًا في عام 1825، تم تكليف الرسام الإنجليزي ويليام بليك، بعمل 102 رسمًا توضيحيًا لملحمة دانتي، الكوميديا الإلهية، وعندما توفي عام 1827 قبيل إنهاء مهمته، وجدوا اهتمامًا بالغًا من قبل بليك بتفاصيل قصيدة دانتي، إلا أنه قد جلب معه في رسومه وجهة نظره الخاصة، خاصةً فيما يتعلق بالخطيئة والذنب والعقاب والخلاص.

أما دوريه غوستاف، وهو الفنان الفرنسي الشهير، والذي اشتهر بأسلوبه الخاص، والذي يجمع بين الواقعية والرومانسية، فقد كان له باع طويل في هذا الشأن؛ إذ قام عام 1865 بعمل نسخة مصورة من الكتاب المقدس، والتي لاقت حينها نجاحًا كبيرًا؛ فقرر غوستاف حينها الاتجاه إلى الأدب العالمي، وكان على رأس مخطوطاته، الكوميديا الإلهية لدانتي.

كان غوستاف يكنُ إعجابًا خاصًا لدانتي، لدرجة جعلته يقوم بتمويل الجزء الأول من الكوميديا الإلهية، «الجحيم»، والذي لاقى نجاحًا كبيرًا، نظرًا للاهتمام الواسع الذي لحق بدانتي ومؤلفاته في منتصف القرن التاسع عشر بفلورنسا، وفي عام 1868، تُرجمت تلك النسخة المصورة التي رسمها جوستاف إلى العديد من لغات العالم.

غوستاف دوريه: الجحيم

كانت الرسوم التوضيحية التي رسمها غوستاف دوريه للكوميديا الإلهية من الروائع، فقد وضع غوستاف نفسه في محل دانتي، كما لو كان الاثنان يملكان الرؤية ذاتها، لدرجة حملت البعض على الإشارة إلى وجود نوع من التخاطر، قد نشأ ما بين دانتي وغوستاف؛ فهيكل الحياة الذي اخترعه دانتي بالكلمات، كان غوستاف قادرًا على تحويله إلى رسومٍ نابضة بالحياة.

وفي عام 1951، كُلف سلفادور دالي، بعمل مجموعة من الرسوم التوضيحية للكوميديا الإلهية، بمناسبة مرور 700 عام على ميلاد دانتي أليغييري، فخرج العمل في شكل تحفة في حد ذاته، وفي 100 رسم توضيحي، سنجد من خلالهم أحلام وهلوسات سلفادور دالي جنبًا إلى جنب مع قسوة وخشونة جحيم دانتي؛ إذ لم يرد دالي عمل مجرد نقل للكوميديا الإلهية، بل أراد نقل كل المشاعر والعواطف التي أدت بدانتي إلى خلق حياته الأخرى بيديه.

يمكن للموسيقى أيضًا أن تترجم الشعر!

على مدى عقود كان الفن التشكيلي وحده هو القادر على ترجمة النصوص الشعرية وصورها الجمالية، إلى لوحاتٍ خالدة، قادرة على توصيل النص إلى الجمهور مصورًا، وعلى الرغم من تأثر العديد من الموسيقيين بالملحمة الشعرية لدانتي، إلا أن أحدًا لم يكن قادرًا على خلق نغماتٍ موسيقية قادرة على نقل أصوات المعذبين في الجحيم، وصلوات التائبين في المطهر، وفرحة القديسين في النعيم الأبدي، حتى جاء الموسيقار المجري فرانز ليست وخلق «سيمفونية دانتي».

قام ليست خلال تاريخه بعمل اثنين من أشهر السيمفونيات في القرن التاسع عشر، وذلك من خلال اتجاهه إلى الأدب؛ إذ قام بتأليف سيمفونية موسيقية لمسرحية فاوست، للأديب الألماني الشهير، غوته، والعمل الثاني تمثل في الكوميديا الإلهية لدانتي.

كان فرانز ليست حتى تجاوز عمره الثلاثين عامًا لم يقم بإنجازٍ حقيقيّ في تاريخه، إذ كانت بداياته خجولة بعض الشيء، إلا أنه وحين وصل إلى مشارف الأربعين، كانت عدَّته وثقافته الموسيقية قد اكتملت، للبدء في عملٍ يخلِّد في ذاكرة التاريخ، وكانت الكوميديا الإلهية بالنسبة إلى فرانز تتميَّز ببعدها الفلسفيّ، وطابعها الصوفي، وهو حتى وإن شكَّل تحديًا له على المستوى الموسيقي، إلا أنها كانت فرصته لخلق مقطوعة، يمكن للأبعاد الروحية أن تتجلى فيها.

وما إن عزم ليست على القيام بعمل أروكسترا كاملة للكوميديا الإلهية، تتضمن الجحيم والمطهر والجنة، بشكلٍ يتوق للكمال، كملحمة دانتي، حتى أقنعه الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر، أنه من الحماقة أن يسعى الإنسان إلى تجسيد الأمجاد السماوية في الجنة، قائلًا: «لا يمكن للفن أن يقوم بتجسيد الفردوس ذاته، ولكن يمكنه فقط خلق صورة متخيلة عنه». وهو الأمر الذي أدى بفرانز في نهاية الأمر إلى التخلي عن فكرة عمل موسيقى الجزء الخاص بالفردوس في الكوميديا الإلهية، واستبدلها بالكورال في الأوركسترا، وهو ما أدى بالكثير من النقاد إلى القول أن ما فعله فرانز قد أضر بالسيمفونية إلى حد لا يمكن إصلاحه.

(سيمفونية دانتي: فرانز ليست)

فتمثل الحركة الافتتاحية للسيمفونية ثلاثية النطاق، محاولة الموسيقار لتصوير شخصيات الجحيم المُعذبة، وقد قام بتصوير باب الجحيم والنقش المكتوب عليه: «أيها الداخلون، اطرحوا عنكم كل أمل»، من خلال ضجة مرعبة للآلات النحاسية التي شكلت الثيمة الغالبة في العمل ككل، تبدأ معها الموسيقى لتصل في النهاية إلى ذروتها، تلك الذروة التي يصل فيها المُتلقي إلى فهمٍ تام وعميق لمفهوم الجحيم.

تصل الموسيقى بعد ذلك إلى الجزء الأوسط منها، وهو الذي يروي القصة الحزينة للعشاق باولو وفرانشيسكا، اللذين قتلهما الحب، بعد قُبلةٍ سرقاها دون علم زوج فرانشيسكا؛ فيستخدم فيها ليست لحنًا حيويًّا للكمان والمزامير، تشاركهم فيها آلة القيثارة بأوتارها الحساسة، لتخلق نوعًا من التعاطف مع القصة.

وفي المطهَّر، تصبح الموسيقى أقلَّ شراسةً، وأكثر هدوءًا، لتصوِّر خروج دانتي من رحم الجحيم وظلامه، وتوتر الصراخ والعويل، إلى عالم من الضوء والنجوم، حيث راحة الأرواح وقد علمت أخيرًا أنها على مقربةٍ من الفردوس، وذلك عن طريق لحنٍ شديد العذوبة والهدوء، استخدم فيه ليست الكثير من آلات النفخ؛ فيغرق السامع في مجموعةٍ من أحلام اليقظة. ويبدأ بعدها لحن واحد في السيطرة على الجميع، هو لحن ماغنيفيكات، والذي يتسم بطابعه الديني مؤشرًا للوصول إلى الجنة، نسمع فيه أصوات نساء ملائكية في الكورال الذي استخدمه بديلًا لموسيقى الفردوس، لتنتهي السيمفونية بعد ذلك بهدوءٍ على عكس المتوقع.

وعلى الرغم من أن شهرة فرانز ليست قد اقترنت بعمله بوصفه عازفًا، أكثر منه مؤلفًا موسيقيًا، إلا أن هذا العمل قد ضمن له الخلود، باعتباره واحدًا من مجددي الموسيقى الرومانطيقية، وأحد روادها؛ إذ استطاع فرانز بذلك أن يخلق نوعًا جديدًا من الموسيقى، عُرف باسم «القصيدة السيمفونية»