السبت: 19 يناير، 2019 - 12 جمادى الأولى 1440 - 02:55 صباحاً
دفاتر
الثلاثاء: 11 ديسمبر، 2018

عواجل برس/متابعة

على مدار عصور التاريخ الإنساني، عملت السلطة السياسية على استخدام الأساطير والقصص الخرافية بهدف التأسيس لشرعيتها وإثبات أحقيتها المطلقة في الحكم والسطوة.

في مصر القديمة، كان الفرعون يتقلد صولجان حكمه باعتباره وريثاً وممثلاً للإله حورس، إله الحق والشجاعة والحاكم الشرعي لأرض مصر، ومن ثم تم الترويج لفكرة انحدار الفرعون من نسل حورس.

وفي بلاد الرافدين، جرى الربط بين الأرض والسماء من خلال الاعتقاد بأن الآلهة هي التي تختار الملك وتُنزل عليه في بعض الأحيان شرائع وقوانين ليستخدمها في حكمه، كما كان الحال مع شرائع حمورابي، تلك التي سلّمها له إله العدل شمش، بحسب الأسطورة.

وفي بلاد اليونان، ساد اعتقاد بأن آلهة الأوليمب تتواصل مع حكام المدن، وتتحالف مع بعضهم ضد بعض. ومن هنا دخلت النبوءات وأقوال العرافين والكهنة إلى الحيّز السياسي، وتنوّعت تأثيراتها في الحروب والقرارات السياسية المفصلية. ولعل ملحمة الإلياذة دليلاً مهماً على التداخل الفعال بين الأسطورة والسياسة عند الإغريق.

وفي روما وبيزنطة، استُخدمت الأسطورة سياسياً، ومن المشهور أن قسطنطين الأول تحوّل إلى المسيحية، بحسب الأسطورة، بعدما شاهد صليباً كبيراً من النور في السماء، كُتبت تحته عبارة “بمثل هذا سوف تُنصرون”، وهي الإشارة التي تسببت في تغيير مجرى التاريخ الديني والسياسي في العالم بأسره.

بدورهم، لم يمثّل المسلمون حالة استثناء للقاعدة السابقة، فقد حرصت معظم الدول الإسلامية على الاستعانة بالأسطورة والقصص المختلقة في سبيل دعم وتأسيس سلطتها.

كيف خدمت الأسطورة السياسة الأموية؟

اعتلى معاوية بن أبي سفيان كرسي الخلافة عام 661، بعدما توصل إلى اتفاق مع غريمه الحسن بن علي بن أبي طالب، ليبدأ بذلك العصر الأموي الذي امتد طوال نحو تسعين عاماً.

اهتمّت بعض المصادر التاريخية بذكر عدد من الروايات التي تظهر فيها النبوءة والبشارة بوصول معاوية إلى الملك، وهو الأمر الذي استخدمه الأمويون في ما بعد لشرعنة حكمهم.

من تلك الروايات ما حكاه ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” عندما ذكر أن هند بنت عتبة تزوجت من الفاكه بن المغيرة المخزومي، وفي يوم ما، شاهد الفاكه رجلاً يخرج من داره، فشك في زوجته ورماها بالفسق والزنا، وتحاكم الطرفان إلى أحد كهنة اليمن، فقام هذا الكاهن بتبرئة هند مما نُسب إليها، وقال لها: “انهضي غير زانية، ولتلدين ملكاً يُقال له معاوية”.

وتُستكمل القصة بأن الفاكه اعتذر منها فقالت له: “إليك عني، والله لا تجمع رأسي ورأسك وسادة، والله لأحرصن أن يكون هذا الملك من غيرك”، فتزوجها أبو سفيان بن حرب بعد فترة، فولدت معاوية منه.

والحقيقة، أن هذه القصة أسطورية وتتعارض مع عدد من الأخبار التي تذهب إلى أن زواج هند من الفاكه لم ينتهِ بالطلاق أو الانفصال، ولكنه انتهى بوفاة الفاكه، حسبما ورد مثلاً في كتاب “المحبر” لابن حبيب البغدادي المتوفى عام 859.

وإذا كانت النبوءة السابقة قد مهّدت لبداية الحكم الأموي على يد معاوية، فإن نبوءة أخرى مشابهة عملت على التمهيد لانتقال حكم الأمويين من المشرق إلى الأندلس، على يد عبد الرحمن الداخل.

ففي كتابه “البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب”، يذكر المؤرخ المعروف ابن عذاري المراكشي المتوفى في نهاية القرن السابع الهجري، أن القائد الأموي مسلمة بن عبد الملك، وكان معروفاً بحكمته واطلاعه على مجموعة كبيرة من كتب الحدثان والطالع وأخبار المستقبل، تنبأ بإقامة الدولة الأموية في الأندلس عندما شاهد الطفل الصغير عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، إذ توسم فيه أمارات النجابة والمُلك، وقال إن ذلك الفتى هو الذي سيعيد إحياء دولة بني أمية في المغرب بعد زوالها من المشرق.

ويستمر ابن عذاري بعد ذلك في الحديث عن تحقق تلك النبوءة بعد سقوط الدولة الأموية في المشرق على يد العباسيين عام 750، وهروب عبد الرحمن إلى الأندلس، حيث استطاع إقامة إمارة أموية قوية.

الرايات السود… حديث الرسول الذي استخدمه العباسيون

استطاع العباسيون الوصول إلى الحكم عام 750، وعملوا منذ اللحظة الأولى، على استخدام بعض الروايات والقصص المُختلقة لتأكيد شرعية سلطتهم، وموافقتها لصحيح الدين.

من أهم نماذج تلك القصص الربط بين الراية السوداء، وهي الراية الخاصة بالعباسيين، والتي حاربوا تحتها الدولة الأموية، من جهة، وبين بعض الأحاديث المنسوبة للنبي والتي يأمر فيها بالانضمام إلى أصحاب تلك الراية من جهة أخرى.

من تلك الأحاديث التي روّج لها العباسيون وأتباعهم ما ورد في سنن ابن ماجة: “إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قبل المشرق، معهم رايات سود، فيسألون الخير، فلا يُعطونه، فيقاتلون فيُنصَرون، فيُعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً، كما ملؤوها جوراً، فمَن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبواً على الثلج”.

ومنها ما ورد في مسند أحمد بن حنبل: “إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من خراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي”.

أيضاً، شاعت بعض النبوءات التي حاول العباسيون من خلالها أن يمهّدوا لبعض خلفائهم الأوائل، وبالأخص للسفاح وأخيه المنصور.

ففي كتابه “مقاتل الطالبيين”، يذكر أبو الفرج الأصفهاني أن رؤساء بني هاشم اجتمعوا في السنين الأخيرة من حكم الدولة الأموية، وبحثوا أمر ضرورة اجتماعهم على زعيم هاشمي واحد، ليقود كفاحهم المسلح ضد الدولة الأموية المتهالكة.

يذكر الأصفهاني أن معظم الهاشميين اتفقوا على اختيار محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، المعروف باسم النفس الزكية، ولكن الإمام جعفر الصادق أبلغ بعض الحضور أن حركة النفس الزكية سوف تنتهي بالفشل، وأن كلاً من أبي العباس السفاح وأخيه أبي جعفر المنصور سوف يصلان إلى منصب الخلافة.

من المؤكد أن مروجي تلك القصة حرصوا على أن ينسبوها إلى الإمام جعفر الصادق تحديداً لعدد من الأسباب المهمة، أولها أن الصادق كان يحظى بمكانة متميزة ورفيعة عند معظم الفرق والجماعات الإسلامية، ما يجعل لكلامه شكل من أشكال القدسية والاحترام والتبجيل؛ وثانيها، موقع الصادق المهم والمركزي في المذهب الشيعي، بحيث أصبح وضع النبوءة على لسانه بمثابة الحجة والإشكال على الشيعة والعلويين الذين مثلوا تياراً معارضاً قوياً للعباسيين.

البويهيون… نار الشعب الثلاثة

في أوائل القرن الرابع الهجري، تأسست الدولة البويهية، وتمكن أمراؤها من السيطرة على مساحات واسعة في بلاد فارس والعراق.

ورغم عظم تأثير الدولة البويهية، فإن البدايات التاريخية للبويهيين الأوائل، قُبيل تأسيس دولتهم، لا تزال محل جدل وخلاف بين الباحثين والمؤرخين.

المصادر التاريخية تمدّنا بقصة أسطورية لتفسير قيام تلك الدولة. بحسب ما يذكر ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”، فإن أبا شجاع بويه كان رجلاً فارسياً رقيق الحال يسكن في بلاد الديلم الواقعة شمالي إيران، وكان عنده ثلاثة أبناء، وفي يوم من الأيام حلم بأن ناراً عظيمة خرجت منه ثم انقسمت إلى ثلاثة شعب، فلما مرّ عليه أحد المنجمين بعد ذلك بفترة قصيرة، وقص عليه بويه حلمه، أخبره المنجم بأن النار ذات الثلاثة شعب ترمز إلى أبنائه الذين سيصيرون ملوكاً، وهو التفسير الذي أثار سخرية البويهيين في تلك الفترة.

ربط العباسيون بين الراية السوداء الخاصة بهم، والتي حاربوا تحتها الدولة الأموية، من جهة، وبين بعض الأحاديث المنسوبة للنبي والتي يأمر فيها بالانضمام إلى أصحاب تلك الراية من جهة أخرى

حرصت معظم الدول الإسلامية على الاستعانة بالأسطورة والقصص المختلقة في سبيل دعم وتأسيس سلطتها

ولكن بعد مرور عدة سنوات، بدأ الحلم يتحقق، فقد أسس الابن الأكبر، عماد الدولة علي، إمارة في بلاد فارس، وقام الابن الأوسط ركن الدولة الحسن، بتأسيس أخرى في الري وأصفهان، أما الأخ الأصغر معز الدولة أحمد، فقد فرض نفوذه على العراق، واستطاع عام 945 أن يدخل بغداد، وأن يفرض سلطته على الخليفة العباسي المطيع بالله، ليستقل معز الدولة بالحكم الفعلي للبلاد بينما يبقى نفوذ الخليفة العباسي مقتصراً على سلطته الروحية، وليتعاقب الأمراء البويهيون على كرسي السلطنة حتى أواسط القرن الخامس الهجري.

رؤيا قطز… تبرير الانقلاب والاستيلاء على الحكم

كان عصر المماليك عبارة عن سرديات متشابهة متوالية، دائماً ما تبدأ بوصول أحدهم إلى العرش عن طريق التغلب والقوة، وكثيراً ما تنتهي بخلعه من منصبه بعد أن يتمكن منه الضعف والوهن.

وإذا ما رجعنا إلى الكيفية التي وقع فيها الانقلاب الأول في زمن المماليك، لوجدنا أن السلطان الشهير سيف الدين قطز كان أول من أستن تلك السنة السيئة، كما اكتوى بنيرانها في ما بعد.

قطز الذي ترجع أصوله إلى بلاد الترك في آسيا الوسطى استغل ضعف وصغر سن نور الدين علي بن أيبك، فخلعه من الحكم وأعلن نفسه سلطاناً على الديار المصرية.

ولكن لما كانت القوة وحدها لا تكفي، روّج قطز أنه رأى الرسول في المنام في صغره، وأنه بشره قائلاً: “أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار”.

وبموجب تلك البشارة التي أوردتها الكثير من المصادر التاريخية مثل “البداية والنهاية” لابن كثير و”شذرات الذهب في سيرة من ذهب” لابن العماد الحنبلي، تم إقرار شرعية قطز السياسية، وتم التمهيد لنصره العظيم على جحافل المغول في معركة عين جالوت عام 1260، بحيث ظل هذا السلطان حتى الآن نموذجاً ومثلاً يُحتذى في المخيلة الإسلامية، وتم تخليد ذكراه في العديد من الأعمال الإبداعية والأدبية.

أساطير تأسيس الدولة العثمانية

في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، هاجرت عشيرة كايي، وهي فرع من الأتراك الأوغوز، إلى آسيا الصغرى، واعترف زعيمها أرطغل بسلطة دولة سلاجقة الروم، فأعلن تبعيته لسلاطينها، وخاض باسمهم عدداً من المعارك في سبيل توسيع إمارته.

وعام 1281 تقريباً، توفي أرطغل، ليخلفه في زعامة القبيلة أخوه كندز آلب، ثم توفي هذا الأخير بدوره في ظروف وملابسات غامضة، ليصل عثمان بن أرطغل إلى منصب القيادة عام 1299، ولتتحول الإمارة الصغيرة شيئاً فشيئاً إلى دولة كبيرة، عرّفتها المصادر التاريخية في ما بعد باسم الدولة العثمانية.

في الحقيقة، يمكننا أن نلاحظ ثلاثة تفاصيل أسطورية الطابع ارتبطت بتأسيس وتكوين دولة بني عثمان.

التفصيلة الأولى تجعل من سليمان شاه جداً لعثمان، وهو أمر يرفضه المؤرخ التركي يلماز أوزتونا في كتابه “تاريخ الدولة العثمانية”، إذ يرى أن الترويج لكون سليمان هو جد عثمان فيه محاولة لربط نسب العثمانيين بالسلاجقة الروم، لكون السلطان السلجوقي الرومي الذي فتح الأناضول كان يسمى بسليمان بن قتلمش، ومن هنا تبدو محاولة البحث عن الشرعية العثمانية من خلال الربط البيولوجي بالسلطة السلجوقية.

التفصيلة الثانية هي محاولة إظهار أرطغل وابنه عثمان كأول مَن اعتنق الإسلام وسط العشائر التركية التي انتقلت إلى الأناضول، وهو ما يرفضه أوزتونا أيضاً في كتابه اعتماداً على المصادر التاريخية التي تؤكد على انتشار الإسلام بين الكثير من القبائل التركية الأناضولية في مرحلة مبكرة من القرن الثالث عشر الميلادي، أي قبل ظهور أرطغل وابنه.

أما التفصيلة الثالثة، وهي الأكثر شهرة وذيوعاً، فتتمثل في قصة الحلم الذي رآه عثمان في منامه، وملخصه أنَّهُ رأى الهلال قد صعد من صدر شيخه الصوفي “إده بالي” وبعد أن صار بدراً نزل في صدره، ثُمَّ خرجت من صُلبه شجرة عظيمة، نمت وأورقت بسرعة، وخرجت أنهارُ النيل ودجلة والفُرات والدانوب من جذعها، وكان ورق هذه الشجرة كالسُيوف والرماح وكانت الريح تُحوِّلُها نحو مدينة القسطنطينية. وتحت أغصان هذه الشجرة وقف صبيان نصارى شقر ينشدون الشهادة ويقسمون بالولاء للسلطان.

وبحسب ما يذكر الدكتور محمد سهيل طقوش في كتابه “تاريخ العثمانيين: من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة”، فإن الشيخ إده بالي، لما سمع قصة هذا الحلم من عثمان، بشره باتساع دولته، ووافق على طلب تزويجه من ابنته “مال خاتون” بعد أن كان قد رفض هذا الطلب من قبل عدة مرات.

ويؤكد طقوش في كتابه أن قصة الحلم لا تعدو على أن تكون قصة مختلقة شاعت في مراحل مختلفة من عمر الدولة العثمانية، لصبغ فتوحات وغزوات عثمان وخلفائه، بالصبغة الشرعية، ولإضفاء الطابع الأسطوري على مستقبل الإمبراطورية.