الجمعة: 23 أغسطس، 2019 - 21 ذو الحجة 1440 - 10:52 صباحاً
دفاتر
السبت: 27 يوليو، 2019

استمع رئيس الوزراء البريطاني «أنتونى إيدن» إلى قرار جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس يوم 26 يوليو 1956، وكان على مائدة العشاء في -10 واننج ستريت- التي أقامها على شرف الملك فيصل الثاني ملك العراق وبرفقته رئيس الوزراء نورى سعيد، حسبما يذكر الصحفي الأمريكى «دونالد نيف» فى كتابه «عاصفة على السويس 1956» ترجمة وتعليق وتقديم «عبد الرؤوف أحمد عمرو» عن «المركز القومي للترجمة – القاهرة».

 

 

وفقا لعمرو: «كان نيف كاتبا صحفيا عمل بالصحافة الأمريكية حتى وصل إلى مدير تحرير، وعاصر أزمة السويس شابا، واعتمد فى كتابه على الوثائق السرية للأزمة فى أمريكا، وأجرى لقاءات مع كثير من الشخصيات التى عاصرها، وزار القاهرة وعمان ودمشق والرياض، وعواصم الدول التى صنعت الأزمة، وأصدر كتابه عام 1981، وانتهى إلى رأى يقول فيه: «العاصفة على السويس 1956 هى عاصفة هوجاء هبت على قناة السويس، وظن بطل هذه الأحداث، أنتونى إيدن- معتمدا على إرثه التاريخى- أن النصر بيمينه، ولم يخطر بباله، أن تكون النتيجة مخيبة لآماله وأحلامه، ومخططاته، وخرج من هذه الأزمة مهزوما مخذولا، بالتالى أهمله التاريخ وأصبح نسيا منسيا، فى حين بقى ناصر، منتصرا، مرفوع الرأس شامخا».

 

يرصد «نيف» رد فعل «إيدن» فور علمه بقرار عبدالناصر: «حينما سمع النبأ المزعج، ظل يترنح، يجىء، ويذهب، وكأن تاج الإمبراطورية البريطانية يكاد يطير فى الهواء من فوق رأسه.. قال نورى السعيد: لابد من ضرب ناصر بكل قوة، والآن، فهو عدو لدود لدى الغرب، وانتقل الملك فيصل ورئيس وزرائه إلى مكتب «بنيامين دزرائيلي» رئيس الوزراء الذى كان مسؤولا عن شراء نصيب مصر فى أسهم شركة قناة السويس عام 1875، وهو يهودى عجوز، وكان سببا فى كل المشاكل، واندهش نورى السعيد، لكنه لم يتلق أى إجابة من إيدن، إذ لم يكن فى حالة مزاجية تمكنه من التجاوب معه فى الحديث».

 

يضيف «نيف»: «استدعى إيدن مجلس الوزراء للاجتماع، بما فى ذلك قائد عام القوات الإنجليزية، وكذلك سفيرا فرنسا وأمريكا، وفى منتصف الليل كان جميع المسئولين فى مقر مجلس الوزراء، وكان مكتب إيدن لا ينقطع عنه رنين التليفون.. الكل يدلى برأيه فى أذنه بما يراه حلا، فى وقت كان المصريون قبضوا على رقبة البريطانيين.. أخبر إيدن المجتمعين، وقال لهم بكل أسى: هذه هى النهاية، وليس فى إمكاننا أن نفعل أى شىء، ومعنى هذا أن ناصر يبتزنا الآن، إنه استولى على القناة، وخطفها من يدنا، وسوف يسىء إدارتها، وهذا أمر يحد من نشاطنا التجارى عبر العالم.. هذا الوضع من المستحيل قبوله، إن وضعنا الآن يجبرنا أن نتخذ خطوة قوية.. أريد أن أقبض على القناة وأتولى مسؤوليتها مرة ثانية»..يذكر «نيف»: «أشار مستشارو إيدن عليه، إنك تعلم أنه لن يستطيع أن يفعل شيئا حقيقيا بتأميم القناة».. كان المستشارون يستندون فى رأيهم إلى أن المصريين لن يستطيعوا تشغيل القناة لعدم وجود الكفاءات لديهم، غير أن توقعهم خاب واشتغلت القناة بكل كفاءة فورا، حسبما يؤكد المهندس عبدالحميد أبوبكر نائب المهندس محمود يونس فى فريق تأميم القناة، فى مذكراته «قناة السويس والأيام التى هزت الدنيا».

 

يذكر«نيف»: «علق إيدن على رأى المستشارين قائلا وكأنه يحدث نفسه: «لا يهمنى رأى المستشارين من عدمه.. لن أتركه «ناصر» يفوز بما فعل.. وطلب من القيادات العسكرية العمل طوال الليل، لإعداد الخطط للقبض على القناة بكل منشآتها العسكرية، واستمر الاجتماع ساعتين، وفى تمام الساعة الخامسة صباح الجمعة 27 يوليو، مثل هذا اليوم 1956 أرسل أندريه فوستر، سكرتير مجلس الوزراء تقريرا إلى واشنطن متضمنا كل ما استقر عليه رأى مجلس الوزراء، والقادة العسكريون، إذ اتخذت الوزارة خطوات خطيرة جدا، وإعداد ضربات قوية بهدف إيجاد حل لهذه الأزمة التى تضغط بشدة على أعصاب أنتونى إيدن، الذى كان مصمما ألا يترك ناصر يأخذ القناة وينفرد بها».

 

يؤكد «نيف»: «السؤال الذى شغل أذهان المجتمعين جميعا، هل الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تشاركنا فى اتخاذ خطوة قوية ضد ناصر ومواجهته وجها لوجه بضربة اقتصادية قانونية، وإذا أجبرتنا الظروف فلا مانع من ضربة عسكرية، وقررت الوزارة أن تطالب قادة الأسلحة للقوات الإنجليزية المنتشرة فى البحر المتوسط، الاجتماع فورا لدراسة الوضع، ومحاولة إيجاد حل ولو باستخدام القوة المسلحة لاسترداد القناة فى حالة الضرورة.. كان غضب إيدن من ناصر أنه بمثل هذا العمل يهدد بقاء الإمبراطورية البريطانية، وسيكون سببا فى انهيار الاقتصاد الإنجليزى، واعترف بأن هذه صفعة من «قادة النيل الصغار».

 

يكشف «نيف»: «عقد إيدن اجتماعا آخر للوزارة بالاشتراك مع القيادات العسكرية يوم 27 يوليو 1956، وفى المساء اتصل الرئيس الأمريكى إيزنهاور بإيدن، وذكر له: «إذا نحن اتخذنا موقفا حازما الآن، فإننا فى هذه الحالة سننال تأييد القوى البحرية التى تستخدم قناة السويس، وإذا لم نفعل نفقد وضعنا وتأثيرنا فى كل مكان بمنطقة الشرق الأوسط، وبالتالى يحق علينا أن نعترف بهذا الدمار والخراب اللذين حلا بنا».