الأثنين: 23 سبتمبر، 2019 - 23 محرم 1441 - 01:26 مساءً
دفاتر
الثلاثاء: 27 أغسطس، 2019

استبد القلق بالرئيس الليبى العقيد معمر القذافى من عدم تنفيذ الوحدة مع مصر فى أول سبتمبر 1973، فأمر بإعداد طائرته للسفر إلى القاهرة دون إخطار أحد فى مصر، وهبط فى مطار القاهرة دون سابق إعلان، ولم تكن فى المطار سيارة تنتظره، فركب سيارة أجرة حملته إلى قلب المدينة ونزل فى فندق من فنادق الدرجة الثانية، حسبما يذكر الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى كتابه «الطريق إلى رمضان».

 

يؤكد هيكل، أن الرئيس السادات كان فى زيارة للسعودية وسوريا وقطر، وبمجرد عودته اجتمع مع القذافى فى قرية الرئيس «ميت أبوالكوم- محافظة المنوفية»، يوم 27 أغسطس- مثل هذا اليوم 1973.. يضيف هيكل: «لم يكن الاجتماع طيبا، وبذلت خلاله محاولات للتوصل إلى صيغة حل وسط يمكن أن تحفظ ماء الوجه، وأعددت بالفعل وثيقة تتضمن الاتفاق على إعلان مبدأ الوحدة فى أول سبتمبر، وإجراء استفتاء عليه فى البلدين بعد ذلك بثلاثة أشهر».

يؤكد هيكل، أنه كان حاضرا هذا الاجتماع، وساوره إحساس قوى بأن الأمر لن يسفر عن شىء.. ويذكر واقعة حضور القذافى المفاجئ للقاهرة فى سياق تحليل شخصيته وخصوصية علاقته بمصر.. يقول: «كان هناك رجلان وخلفيتان صنعتا من القذافى ما هو، هما: النبى محمد صلى الله عليه وسلم، والرئيس جمال عبدالناصر، وهذا المزيج من الفكر الإسلامى أيام النبى والمبادئ الثورية لعبد الناصر، كان له تأثير كبير جدا على القذافى، ولاسيما فترة تكوين شخصيته- وهى فترة ما بين حرب السويس 1956 وحرب يونيو1967، حين بدأ يدرك ما يدور فى العالم حوله، أما الخلفيتان فهما: الجيش والصحراء.. كان الجيش هو المكان الذى اكتشف فيه نفسه لأول مرة، والصحراء هى المكان الذى يعدو إليه حين يشعر بالرغبة فى العزلة، كان يحب الجيش بكل ما فيه من أوامر وخضوع للنظام، لأن غرائزه ظلت كما كانت.. غرائز رجل البادية الحر، كان إذا سمع مثلا، أن أحد زملائه فى مجلس قيادة الثورة انتقل إلى سكن فى المدينة، يطلب إليه العودة إلى الثكنات فورا، وكانت الصعوبة التى تواجهه هى أنه كان يفتقر إلى الخبرة التى تمكنه من هضم كل العناصر المؤثرة التى تتصارع داخل نفسه، لكن نتيجة هذا الصراع تجلت فى هذه الشخصية الفريدة المعقدة بصورة مذهلة».

يؤكد هيكل: «حزن القذافى حزنا شديدا لوفاة عبدالناصر، ولم يكن حزنه لمجرد إعجابه بعبدالناصر، كان يفوق إعجابه بأى مخلوق آخر وحسب، إنما لأنه ظل يؤمن بالدور المركزى لمصر فى العالم العربى.. إيمانه لم يهتز أبدا بأن مصر هى المفتاح، لذا شعر بعد وفاة عبدالناصر بأن هناك فراغا فى العالم العربى كبيرا جدا يتعذر على أى رجل آخر أن يملأه، ومن هنا كان رأيه ضرورة وجود قيادة جماعية من مصر وسوريا وليبيا».

يذكر هيكل، أن العلاقات بين مصر وليبيا فى هذه الفترة مرت بثلاث مراحل، الأولى تبدأ من قيام الثورة الليبية «1 سبتمبر 1969» حتى وفاة عبد الناصر«28 سبتمبر 1970»، وكان الليبيون يعتبرون أنفسهم ما يمكن أن يوصف بأبناء الثورة المصرية، والثانية تبدأ من يوم وفاة عبدالناصر إلى يوم سحب الخبراء السوفيت من مصر فى يوليو 1972، وكان القذافى خلالها حائرا بالنسبة إلى ما يحدث فى مصر- من صراع حول السلطة إلى العلاقات المصرية السوفيتية، والثالثة تبدأ من يوليو 1972 حتى حرب أكتوبر 1973، وقدمت ليبيا خلالها اقتراح الوحدة الكاملة.

يضيف هيكل، أن القذافى قدم فى 26 يوليو 1972 اقتراحا بالوحدة، وقبله الرئيس السادات فى 31 يوليو، وسافر إلى بنغازى فى 2 أغسطس 1972 لبحث طرق ووسائل تنفيذه، واتفق هناك على أن تتم الاستعدادات لتنفيذه خلال مدة تزيد قليلا على سنة حتى أول سبتمبر 1973، وشكلت لجان مشتركة لبحث كل جانب من جوانب الدولة الجديدة.. وكان هناك شىء واحد تم الاتفاق عليه بسرعة، وهو اسم الدولة الجديدة.. اتفق على تسميتها مرة أخرى «الجمهورية العربية المتحدة»، ولما كان القذافى يعرف حب المصريين لاسم بلادهم، اقترح أن يطلق اسم مصر على محافظة القاهرة، فى حين أن اسم مصر تغير أيام الوحدة مع سوريا إلى اسم «الإقليم الجنوبى».

يؤكد هيكل، أنه سرعان ما تبين أن الأمور لا تسير على ما يرام..كان القذافى يرى أن الرئيس السادات ليس ثوريا بالدرجة الكافية، فى حين كان السادات يرى أن القذافى شاب تنقصه التجارب وربما الاتزان».. وفى هذا السياق جاءت الزيارة المفاجئة واجتماعات ميت أبوالكوم يوم 27 أغسطس 1973.