الأحد: 25 أغسطس، 2019 - 23 ذو الحجة 1440 - 03:30 مساءً
دفاتر
الأثنين: 10 يونيو، 2019

عواجل برس / كان الموقف يتفاقم مع كل دقيقة كأنه كتلة من النار تتحرك وتشعل الحرائق فى طريقها أينما حلت، وفقا لوصف محمد حسنين هيكل فى كتابه «الانفجار»، مشيرا إلى خروج الملايين فى شوارع مصر والعالم العربى فور خطاب جمال عبدالناصر الذى أعلن فيه تنحيه عن الحكم يوم 9 يونيو 1967، وإسناد الرئاسة إلى زكريا محيى الدين، وتحمله مسئولية نكسة 5 يونيو 1967. ينقل هيكل، ردود الفعل الشعبية والرسمية محليا وعربيا وعالميا..

يذكر أن زكريا اتصل به، وكانت دهشته بالغة، متسائلا عن «هذا الذى فعلناه به، وهل هذا معقول؟»، مضيفا: «أنه عرف أن مظاهرات فى الشوارع تهتف ضده وتطالبه بألا يقبل ما كلف به، وإلا فهو أمام الناس خائن»..

طلب زكريا إذاعة بيان اعتذار منه، فنصحه هيكل بالانتظار حتى الصباح، فخرج عن هدوئه الطبيعى: «بهذا الشكل لن يطلع صباح»، ثم تحدث عما يجرى فى الشوارع، يضيف هيكل: «بدأت التقارير ترد من كافة أنحاء مصر بأن جماهير لا تحصى ولا تعد أوقفت قطارات السكك الحديدية، واستولت على أكثر من مائة وعشرين قطارا، وعلى كل سيارة عثرت عليها، وكل هذا متجها إلى القاهرة».

على الصعيد العربى والعالمى، يذكر هيكل: «كانت هناك برقية من وكالة يونايتدبرس» تنقل مشاعر الصدمة، التى أصابت وفود دول آسيا وأفريقيا فى الأمم المتحدة عندما وصلها النبأ، وكيف أن بعض المندوبين العرب والأفارقة راحوا يجهشون بالبكاء علنا فى أروقة الأمم المتحدة وقاعاتها عندما وصلها النبأ، وكان هناك فيض من برقيات وكالات الأنباء يحكى عن الجماهير الصارخة الباكية فى كل مدن وقرى العالم العربى، وكان بينها برقية تصف حالة الرئيس اللبنانى شارل الحلو عندما تلقى النبأ وأجهش بالبكاء فى وسط مكتبه بالقصر الجمهورى فى بعبدا، واتصل «إسماعيل الأزهرى» رئيس السودان بالتليفون هو ورئيس وزرائه محمد أحمد محجوب، يبلغان أن الخرطوم ستحترق، وبعث الرئيس الفرنسى شارل ديجول برسالة قال فيها: «إن النصر والهزيمة فى المعارك عوارض عابرة فى تاريخ الأمم، وما يهم هو الإرادة، وفرنسا فى وقت من الأوقات كما تتذكر كان نصفها تحت الاحتلال المباشر للنازى، ونصفها الآخر خاضعا لحكومة عميلة، ولكن فرنسا لم تفقد إرادتها وظلت طوال الوقت تسير واثقة وراء قيادتها المعبرة عن إرداتها، إن الشجاعة الحقيقية هى فى مواجهة المحن، وأما الأوقات السعيدة فإنها لاتستدعى هذه الشجاعة، إن سلام العالم العربى يقتضى جهودك، وأنا أول من يتفق معك على أن الأمر الواقع الذى عندكم الآن لايعطى أساسا صحيحا لمثل هذا السلام».

تعجب عبدالناصر من المشهد، وحسب هيكل فإنه اتصل به يسأله عما يجرى، ولما روى له صورة ما يحدث، كان سؤاله المتكرر: «ليه؟، وراح يرددها مستغربا».. يضيف هيكل، أنه أمام هذه التطورات أصدر عبدالناصر بيانا بأنه سيذهب إلى مجلس الأمة ليناقش معه ومع جماهير شعبنا قراره الذى أعلنه، وناشد الجماهير الانتظار حتى الصباح.

عندما قاربت الساعة العاشرة صباح 10 يونيو «مثل هذااليوم 1967» كانت الطرق إلى مجلس الأمة مغلقة ولا سيطرة عليها لأحد، مما تأكد معه استحالة ذهاب عبدالناصر إليه، فأرسل رسالة إلى المجلس يتلوها رئيسه أنور السادات على النواب، وكانوا متحصنين فى داخله منذ قرار التنحى.. نصت الرسالة: «كنت أتمنى لو ساعدتنى الأمة على تنفيذ القرار الذى اتخذته بأن أتنحى، ويعلم الله أننى لم أصدر فى اتخاذ هذا القرار عن أى سبب غير تقديرى للمسؤولية وتجاوبا مع ضميرى وما أتصور أنه واجبى، وإنى لأعطى هذا الوطن راضيا وفخورا كل ما لدى حتى الحياة إلى آخر نفس فيها، إن أحد لا يستطيع ولا يقدر أن يتصور مشاعرى فى هذه الظروف إزاء الموقف المذهل الذى اتخذته جماهير شعبنا وشعوب الأمة العربية العظيمة كلها بإصرارها على رفض قرارى بالتنحى منذ أعلنته وحتى الآن، ولا أعرف كيف أعبر عن عرفانى تجاهه. إن الكمات تضيع منى وسط زحام من المشاعر يملك على كل جوارحى، وأقول لكم بأمانة، وأرجوكم تبليغ مجلس الأمة الموقر أننى مقتنع بالأسباب التى بنيت عليها قرارى، وفى نفس الوقت فإن صوت جماهير شعبنا بالنسبة لى أمر لا يرد، ولذلك استقر رأيى على أن أبقى فى مكانى وفى الموضع الذى يريد الشعب منى أن أبقى فيه حتى تنتهى الفترة التى نتمكن فيها جميعا من أن نزيل آثار العدوان، على أن الأمر كله بعد هذه الفترة يجب الرجوع فيه إلى الشعب فى استفتاء عام، وإنى لا أشعر أن النكسة لا بد أن تضيف إلى تجربتنا عمقا جديدا، ولا بد أن تدفعنا إلى نظرة شاملة فاحصة وأمينة على عملنا، وأول ما ينبغى أن نؤكده بفهم واعتزاز وهو واضح من الآن أمام عيوننا، أن الشعب وحده هو القائد وهو المعلم وهو الخالد إلى الأبد».