السبت: 20 أكتوبر، 2018 - 09 صفر 1440 - 10:52 صباحاً
ملفات
الأربعاء: 6 يونيو، 2018

أحمد الدباغ

 

لا يكاد العراقيون يخرجون من حرب أو مشكلة سياسية حتى يصبحون على مشكلة أخرى قد لا تكون هذه المرة أسهل من سابقاتها، أزمة مياه خانقة بدأت في العراق، البلد الذي يجري فيه نهرا دجلة والفرات بات مهددًا اليوم في أمنه المائي، الأسطر التالية تقرأ في أبعاد هذه الأزمة ومسبباتها وما دور الحكومة العراقية فيها إضافة إلى دور كل من تركيا وإيران في الأزمة.

على حين غرة.. كيف أثيرت أزمة المياه في العراق؟

بدأت قصة الأزمة المائية في العراق قبل أيام قليلة حين بدأت الصحف والمواقع الإخبارية تتداول صورًا لنهري دجلة والفرات وقد انخفض منسوب الماء فيهما إلى أكثر من 40%، ليبدأ بعدها الحديث وتسليط الضوء على ما يجري، وارتباط الأزمة بسد أليسو التركي المنشأ حديثًا، والذي بدأت تركيا فعليًّا بمرحلة ملئه بالمياه قبل أيام تزامنًا مع قطع إيران روافد دجلة وتحويلها إلى الداخل الإيراني.

أزمة لم تتنبه لها الحكومة العراقية رغم التحذيرات المتكررة التي أطلقها خبراء ومراكز دراسات؛ يقول الدكتور سعيد الإمام المحاضر السابق في جامعة بغداد في كلية هندسة السدود والموارد المائية، في حديثه لـ«ساسة بوست»: إن العديد من الدراسات المحلية والأجنبية كانت تحذر دومًا العراق من أن البلاد ستواجه أزمة مائية وشيكة، وعلى الحكومة والجهات المعنية البدء باتخاذ التدابير اللازمة.

ويضيف الإمام أنه ورغم كل ذلك إلا أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 لم تقم بأي فعل في ذلك الاتجاه، ويؤكد الإمام أن المراكز البحثية في الجامعات العراقية رفعت توصيات عدة منذ سنوات، تحث الحكومة على ضرورة المباشرة ببناء سدود كبيرة وسدات مائية صغيرة لحفظ المياه العذبة وتجنب انسيابها إلى المياه المالحة في الخليج دون استثمار.

دور تركيا في أزمة المياه في العراق

أثار بدء الحكومة التركية ملء سد إليسو الذي بني على نهر دجلة داخل الأراضي التركية، المخاوف من أن يجف نهر دجلة تمامًا داخل العراق، سد إليسو التركي الأعلى في تركيا والثالث على مستوى العالم من حيث ارتفاعه، تجري إقامة هذا السد إليسو على نهر دجلة بالقرب من الحدود المشتركة السورية العراقية التركية على بعد نحو 50 كيلومترًا عن الحدود العراقية وباكتمال هذا السد، تكون تركيا قد أنجزت سدها الثاني الأكبر والأضخم بعد سد أتاتورك، الذي أقيم على نهر الفرات.

ويعد سد إليسو من السدود التي تقع ضمن مشروع «الجاب G.A.P» والذي يعد من المشاريع المائية العملاقة التي ترمي إلى إنشاء عشرات السدود، حيث يبلغ طول السد 1820 مترًا بينما يصل ارتفاعه إلى نحو 140 مترًا، وبني سد إليسو لأغراض نصب محطة كهربائية تفضي إلى توليد 1200 ميجاوات من الكهرباء، فضلًا عن أن مياه السد ستعزز الإنتاج الزراعي التركي وتغذية المياه الجوفية في الأناضول.

يقول المهندس المختص بالسدود والموارد محمد عزيز لـ«ساسة بوست» إن تركيا وبإنشائها سد إليسو تكون قد تعدت على حق العراق في حصته المائية بغض النظر عما إذا كان العراق يستغل هذه المياه أم لا، ويضيف عزيز في حديثه أن نهر دجلة يبلغ طوله 1910 كيلومترًا، منها 45 كيلومترا داخل الأراضي السورية و1415 كيلومترًا داخل الأراضي العراقية، وبهذا تكون تركيا قد انتهكت حق العراق في حصته المائية من نهر دجلة، بناء على أن أطول مسار للنهر يمر داخل العراق، ويرى عزيز أن تأثيرات سد إليسو التركية لن تقف عند حدود انخفاض منسوب المياه في نهر دجلة في العراق فحسب، بل ستتعدى ذلك إلى انخفاض خزين المياه الجوفية في البلاد، بحسبه.

وذكر مصدر في وزارة الموارد المائية العراقية في عام 2015 أن «وارد نهر دجلة الطبيعي من المياه عند الحدود التركية البالغ نحو 20.93 بليون متر مكعب سنويًّا، سينخفض عند اكتمال إنشاء سد إليسو إلى 9.7 بليون متر مكعب سنويًّا من المياه. كما أن السد سيحرم 696 ألف هكتار من الأراضي الزراعية العراقية من المياه».

يمتلك العراق عدة سدود على نهر دجلة؛ ويقول الدكتور لطيف جمال وزير الموارد المائية الأسبق في العراق في موقعه الرسمي إن أهم السدود المقامة على نهر دجلة في العراق هي سد الموصل الذي أقيم شمال مدينة الموصل بنحو 35 كيلومترًا، والذي أنشئ في عام 1988، إضافة إلى سد دوكان وسد دربندخان وسد العظيم وسد حمرين، إضافة إلى سدود صغيرة نسبيًّا تدعى بـ«السدات والنواظم» مثل سدة الدبس وسامراء والكوت والعمارة وديالى، وجميع هذه السدود تعاني من انخفاض حجم التخزين فيها.

وتشير تقارير إعلامية إلى انخفاض مستوى تخزين المياه في سد الموصل – أكبر سدود العراق – بنحو 43% خلال عام واحد فقط، حيث بدأت ملامح الجفاف في الأراضي الزراعية المحيطة بسد الموصل، وتفيد معلومات بأن خزان السد يحتوي الآن على أربعة مليارات متر مكعب من الماء، في الوقت الذي كانت فيه كمية المياه عام 2017 تصل إلى سبعة مليارات متر مكعب.

المهندس رمضان حمزة الذي عمل مهندسًا في مشروع بناء سد الموصل عام 1985 يقول إن انخفاض منسوب الماء في سد الموصل خطر على البيئة والزراعة والمياه الجوفية في مدينتي الموصل ودهوك، ويعزو حمزة أسباب انخفاض منسوب المياه في السد، إلى إنشاء سد إليسو في تركيا وانخفاض كمية المياه في نهر دجلة الواردة من تركيا.

وفي ذات الصدد، أعلن مدير مشروع سد الموصل رياض عزالدين السبت الثاني من يونيو (حزيران) 2018 عن انخفاض كبير في مناسيب بحيرة السد، حيث أكد عز الدين أن كميات مياه نهر دجلة الواصلة من تركيا انخفضت بنحو 50%.

وقال عز الدين «إن مستويات المياه التخزينية في السد انخفضت إلى أكثر من ثلاث مليارات متر مكعب عن العام الماضي الذي كان يصل إلى أكثر من ثمانية مليارات»، وأوضح عز الدين أن كميات المياه الواصلة من تركيا تراجعت بصورة قياسية حيث تصل الآن إلى نحو ٣٩٠ متر مكعب في الثانية بالمقارنة مع عام 2017 حين كانت كميات المياه المتدفقة من تركيا تصل إلى ٧٠٠ متر مكعب بالثانية، بحسبه.

إيران ودورها في أزمة المياه في العراق

عند الحديث عن أزمة المياه المستفحلة في العراق، ليست تركيا وحدها المسؤولة عن ذلك، فلإيران نصيب من المشكلة، فنهر دجلة يتغذى من روافد عدة من كل من تركيا وإيران، يقول الخبير الجيولوجي إبراهيم المرشدي إن إيران تعمل على تغيير مجرى مياه الروافد والأنهار المغذية لنهر دجلة باتجاه أنهر وخزانات جديدة داخل الأراضي الإيرانية، ضمن خطة إيرانية تضمن قطع المياه المتدفقة إلى الأراضي العراقية وتحويل مسارها للاستفادة منها داخل إيران فقط لأغراض الري والخزن، وأشار المرشدي إلى قطع إيران المياه عن نهري الوند والزاب الصغير اللذين يمران عبر مدينة خانقين في محافظة ديالى ومحافظة السليمانية أقصى شمال شرق العراق، وأوضح المرشدي أن استمرار أزمة المياه المتدفقة من إيران في مناطق شمال العراق ربما تجبر حكومة إقليم كردستان على إنشاء سدود ونواظم على نهر دجلة وروافده لسد احتياجاتها، ونتيجة لذلك سيصبح المتضرر الأكبر هي المحافظات العراقية الوسطى والجنوبية التي تعاني أصلًا من شح في المياه منذ 10 سنوات، بحسبه.

جاءت الخطوة الإيرانية في قطع المياه عن روافد نهر دجلة باتجاه العراق متزامنة مع التحرك التركي بملء سد إليسو، حيث أعلنت المديرية العامة للسدود التابعة لوزارة الزراعة في إقليم كردستان في الثاني من يونيو (حزيران) 2018 عن إيقاف متعمد لمياه نهر الزاب الأسفل (الصغير) عبر الأراضي الإيرانية باتجاه العراق في أطراف قضاء قلعة دزة شمال محافظة السليمانية ما تسبب بجفاف الزاب وتوقف وصول مياه الشرب إلى المنازل، وأشارت المديرية إلى أن السلطات الإيرانية تعمدت إيقاف الحصص المائية للمرة الثانية خلال عامين.

وأشارت تقارير إعلامية إلى نفوق أكثر من 50 ألف سمكة في أحواض تربية السمك في مدينة قلعة دزة، فضلًا عن توقف محطة تنقية المياه الوحيدة في المدينة، وأشار التقرير إلى أنه في حال استمر الحال على ما هو عليه في الصيف، فإن الحقول الزراعية والمواشي ستواجه الهلاك في المنطقة، وأضاف التقرير نقلًا عن مسؤولين محليين في إقليم كردستان إلى أن إيران لا تلتزم بالاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحدد تقاسم مياه الأنهار والروافد المائية المارة خلالها.

الكل يضغط من أجل كسب الاستثمارات في البلد المنكوب.. كيف سيواجه العراق مشاكله؟

أزمة المياه في العراق ليست وليدة اللحظة، إذ حذرت جهات عدة منذ سنوات من هذه الأزمة.

ويرى الدكتور علي بشار أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جيهان العراقية إن تصريحات الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال (1989 – 1993) كان مؤشرًا دقيقًا على بداية الأزمة حينما قال: «إن لتركيا السيادة على مواردها ولا ينبغي أن تخلق السدود التي تبنيها على نهري دجلة والفرات أية مشكلة دولية، ويجب أن يدرك الجميع أنه لا نهر الفرات ولا نهر دجلة من الأنهار الدولية فهما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي فالنهر لا يمكن اعتباره دوليًّا إلا إذا كان يشكل الحدود بين دولتين أو أكثر، ولكل دولة الحق الطبيعي في استغلال مواردها المائية كما تشاء وليس لأي دولة الحق في الاعتراض على ذلك».

ويضيف الدكتور علي بشار في حديث خص به «ساسة بوست» إن حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا وصل في عام 2014 إلى 14 مليار دولار، وأشار بشار إلى أنه بعد تحرير الأراضي العراقية من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فإن هذه المناطق مقبلة على استثمارات كبيرة في مجالات البنى التحتية والنفط والغاز والصناعة، وإن تركيا استخدمت قضية المياه في هذا الوقت تحديدًا من أجل تسليط مزيد من الضغط على الحكومة العراقية حتى يكون لها دور في الاستثمارات المقبلة في العراق فضلًا عن كون هذا الملف يشكل ورقة ضغط تركية ضد العراق في مواجهة نفوذ حزب العمال الكردستاني شمال البلاد، أما فيما يخص وسائل الضغط المتاحة للحكومة العراقية في مجابهة تركيا، يضيف بشار أن القانون الدولي المتعلق بالمياه في صالح العراق، لكن العراق يفتقد للخبرة الكافية للتظلم لدى المنظمات الدولية، فضلًا عن أن التحكيم لدى محكمة العدل الدولية يتطلب موافقة تركيا وهذا الإجراء يستغرق وقتًا كبيرًا بسبب أن تركيا لا تعتبر نهري دجلة والفرات دوليين بل نهرين تركيين وطنيين، وبالتالي فإن المسألة معقدة إلى حد كبير.

وإثر الأزمة، دعا رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري البرلمان إلى جلسة طارئة لمناقشة أزمة المياه وتداعياتها الأحد الماضي في الثالث من يونيو (حزيران)، إلا أن المجلس فشل في عقد الجلسة مع عدم اكتمال النصاب القانوني للجلسة، حيث حضر 50 نائبًا فقط من مجموع 329، ما حدا برئيس المجلس إلى تحويل الجلسة إلى تشاورية فقط.

من جانبه حذر رئيس لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي فرات التميمي، من أزمة شديدة الصيف الحالي وأزمة أخرى أشد العام المقبل، واعتبر التميمي أن مشكلة العراق المائية داخلية وخارجية، حيث إن سوء الإدارة والهدر والتجاوز على منشآت الري في الداخل، يقابلها تعسف وتعنت من دول الجوار التي تعد مورد 70% من كميات المياه الموجودة في العراق، حيث امتنعت جميعها عن عقد أي بروتوكول دولي لتنظيم كميات المياه، وحمل التميمي الحكومة مسؤولية التقصير في تدارك هذه الأزمة، بحسبه.

ردود أفعال من شخصيات سياسية عديدة في العراق ظهرت؛ مقتدى الصدر، زعيم كتلة «سائرون» والتي تصدرت نتائج الانتخابات العراقية التي جرت مؤخرًا، أمهل الحكومة العراقية بزعامة حيدر العبادي بضعة أيام للنظر في أزمتي الماء والكهرباء، أو أن تفسح الحكومة المجال للعمل على إرجاع الحقوق، حسب تعبيره، أما نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي فقد أصدر بيانًا بشأن أزمة المياه وسد إليسو التركي، ودعا إلى التحرك السريع لإنهاء أزمة المياه، وجاء في بيان المالكي «رغم كل النداءات والمفاوضات تصر تركيا على سياسة الإضرار ب‍العراق».

وبحسب عديد من الخبراء، فإن الوقت ليس في صالح العراق فيما يخص معالجة أزمة المياه، يقول الخبير الاقتصادي رياض الزبيدي في حديث لـ«ساسة بوست» إن الحكومات المتعاقبة فشلت فشلًا ذريعًا في تدارك الأزمة قبل وقوعها، وإن الجانب التركي أبلغ العراق منذ سنوات نيته بناء السد وموعد تشغيله، إلا أن المسؤولين في البلاد لم يعيروا ذلك أهمية.

وبين الزبيدي أنه في ظل الوضع السياسي الذي تشهده البلاد حاليًّا والفساد المستشري في مؤسساته، فإنه ليس من المؤمل أن يتخذ العراق خطوات تجاه معالجة الأزمة جذريًّا والبدء ببناء السدود ومشاريع حصاد المياه، وأوضح الزبيدي أن العراق لم يبن أي سد أو سدة منذ عام 2003 وهو تاريخ الغزو الأمريكي للبلاد، وأن المياه العذبة التي تتدفق في نهري دجلة والفرات تذهب لتختلط مع المياه المالحة في الخليج العربي دون أن يكون للعراق خطط استراتيجية تحفظ هذه المياه، واختتم الزبيدي حديثه لـ«ساسة بوست» بالقول «أخشى أن يأتي يوم على العراق يقايض فيه برميل الماء مع برميل النفط»، على حد قوله.