الجمعة: 18 سبتمبر، 2020 - 30 محرم 1442 - 01:32 مساءً
سلة الاخبار
الأثنين: 8 يونيو، 2020

عمار السوّاد 

حين قُتل زعيم تنظيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، أواسط عام 2006، حدا الأمل كثيرين: شخص كان أكثر الجهاديين إثارة للرعب، ينبغي أن يشكّل مقتله فرقاً.

 

لم يحصل ذلك، جاء خليفته أبو عمر البغدادي لتتسع ضربات القاعدة، وتصبح أكثر شراسة. وغالب الظن أنّ ذلك لم يكن لأن البغدادي أكثر إرهاباً من الزرقاوي، بل أظن أنّ التحوّل من اسم تنظيم القاعدة إلى “دولة العراق الإسلامية” نهاية عام 2006 وسّع دائرة الصراع، خصوصاً حين أصبحت معركته مع عشائر محافظة الأنبار، غربي البلاد، شرسةً وحقيقية.

 

“دولة العراق الإسلامية” في تلك الفترة لم تقتصر في صراعها على الحكومة في بغداد والأمريكيين والطوائف المخالفة، بل شملت السنّة عندما بدأ رفضهم للقاعدة يتّسع.

داعش المهزومة بشكل غير حاسم

يوم كبرت تلك “الدولة” لتصبح “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، كبرت معها وحشيتها وبلغت ذروتها مع سيطرة إرهابييها على مساحات شاسعة من بلاد ما بين النهرين. وبمساعدة الأمريكيين وغيرهم، استطاع العراقيون استعادة ما سُلب، وبثمن باهظ بالطبع: دماء مسفوكة ومدن خربة ووضع اجتماعي غير مسبوق وأقليات دينية مسحوقة، كانت الحصيلة.

 

لذا من الصعب التفاؤل كثيراً بتراجع التنظيم أو هزيمته، رغم أنه تلقى ضربة قاسية بعد فقدانه ما احتلّ، وإثر خسارته القدرة على التأثير اجتماعياً وفقدان حلفائه الثقة فيه. فالتحالفات التي خاضها قبل احتلاله الموصل انقلب عليها بعد أنْ استتب الأمر له. إلا أنّ طبيعة الصراع السياسي بملامحه الطائفية والقومية، مهما تراجع، يبقى عنصراً مؤثراً وحاسماً في اختلاق الأسباب المؤدية إلى تقوية الجهاديين. إنه صراع متجدد، سواء بوجود عوامله الإقليمية الداعمة، أو بممثليه الداخليين من سياسيين معتاشين عليه، فضلاً عن النزعات الاجتماعية الحيّة، مهما ضعفت وخفُتْ بريقها.

 

وهذا يمثل بداية الحدث العراقي باستمرار. الأطراف الداخلية غير معنيّة بالسلام، والدول الإقليمية تواصل سعيها إلى النفوذ، وواشنطن لا تحسم الأمور نهائياً إنما تبقيها مفتوحة الاحتمالات مهما بدت حاسمة. غير أنّ العوامل التفصيلية تبدو أكثر إثارة.

سامراء… الرمز

منذ نيسان/ أبريل الماضي، بدأ داعش (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام) بشن هجمات خاطفة لكنها لافتة للنظر في مناطق عدّة من العراق، جلّها كانت تحت سيطرته بين عامي 2014 و2017. الضربة الأكثر قوة وتكراراً في محافظة صلاح الدين، وتحديداً في محيط مدينة سامراء السنّية من حيث الطابع المجتمعي والمقدّسة عند الشيعة.

سامراء في الوقت الراهن تخضع لهيمنة المليشيات الشيعية، وفي مقدمتها سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر. الخلفية التاريخية للمدينة، فضلاً عن كونها المكان الذي فجّر الحرب الأهلية، عندما فجّر الزرقاوي مقامي الإمامين العسكريين، أعطت الذريعة الكافية لأن تكون المدينة تحت نفوذ سرايا السلام ومليشيات منضوية تحت اسم الحشد الشعبي.

هجمات داعش على الفصائل المسلحة المتمركزة حول المدينة وفيها، وأيضاً الهجمات الأخرى، هي محاولة استعادة لزخم المواجهة في مناطق بدت هادئة خلال ثلاثة أعوام. فهل جاء ذلك من فراغ؟

 

لنعود قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى شهري كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير الماضيين، حين حذّرت الأمم المتحدة وبعدها خبراء استخباريون أمريكيون من عودة نشاط داعش إلى العراق وسوريا. وبين أهم أسباب هذا التحذير سحب مئات الجنود الأمريكيين من سوريا، وأيضاً ضعف أداء القوات الكردية السورية (قوات سوريا الديمقراطية) بعد قيام تركيا بما أسمته عملية “نبع السلام” في مناطق شرق الفرات السورية.

أمير الجماعة غير العربي

النشاط المتصاعد للتنظيم يأتي بعد مقتل أبو بكر البغدادي في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام الفائت، ما يعيد إلى الذاكرة مرة أخرى تحوّلات التنظيمات الجهادية الإرهابية بعد تغيير القادة. الشخص الجديد الذي أعلن داعش اختياره خليفة للخليفة، هو أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، واسمه بحسب صحيفة الغارديان أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي، وأدرج مؤخراً على قائمة عقوبات مجلس الأمن.

 

ولأوّل مرة في حرب تنظيم القاعدة وورثته، يكون الزعيم غير عربي، فهو تركماني من أهالي مدينة تلعفر في محافظة نينوى. فهل هي مصادفة؟

أحد العوامل الجوهرية التي أبقت القاعدة حيّة وغير قابلة للتدمير في أفغانستان هي أنها عادت إلى الظل وأبقت العلانية لطالبان. لهذا سيكون مثيراً للمخاوف أنْ يعيد القاعديون ونسلهم إنتاج منظوماتهم في العراق وفق ذلك التدبير الأفغاني

لا أظنها كذلك. الأمر مرتبط بمناطق نفوذ داعش الراهنة، وتحديداً بمحافظة كركوك. المحافظة تعاني لا انسجاماً بين ثلاثة مكوّنات اجتماعية، هي الأكراد والتركمان والعرب، وحولها نزاع لا يبدو أنه يهدأ بين بغداد وإقليم كردستان. ويمكن القول إنها الخاصرة الأضعف في الوقت الراهن. الصراع بدأ أقوى داخل المحافظة المختلطة والمتنازَع عليها بعد سيطرة الحكومة المركزية الكاملة على كركوك في عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق، حيدر العبادي، نهاية عام 2017، وبمساعدة إيرانية وتركية.

منطقة الحويجة وما حولها، وهي جزء من المحافظة، تُعَدّ منطقة قبائل عربية ذات امتدادات متصلة بمحافظة نينوى وصلاح الدين، وهي واحدة من المناطق المثيرة للكثير من التساؤلات بشأن نفوذ تنظيم داعش فيها وبشأن ما يحصل عليه هذا التنظيم من حواضن. لكن كركوك لا يمثل العرب فيها عمقاً تاريخياً، بل التركمان والأكراد، وأظن أن هذا يرسم ملامح فهم بشأن انتخاب تركماني خليفة للبغدادي.

فالمحافظة هي المكان الأكثر ملاءمة من حيث الظروف السياسية، أو الجيوسياسية بشكل عام. وتشير المعلومات إلى أنّ تحركات تنظيم “الدولة الإسلامية” تعتمد بدرجة رئيسة على مناطق تواجده في كركوك نفسها. الأمر ليس جديداً، بل يتطور بشكل مضطرد منذ عام 2018.

وبالتأكيد، إنّ المجال الجغرافي الحيوي الآخر الذي يتحرك فيها جهاديو الدولة الإسلامية هو سلسلة جبال حمرين المتداخلة بين محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين. هي لا تزال منطقة نشاط تسمح له بحرية الحركة أكثر من سواها، بما في ذلك صحراء الأنبار الواسعة وصعبة الخضوع لسيطرة حاسمة.

الغياب الأمريكي

هناك نقطة أخرى يجب التعاطي معها باهتمام، وهي الوجود الأمريكي في العراق. تحاول الآلة الإعلامية للجماعات السياسية المرتبطة بإيران تصويرَ داعش على أنه صنيعة أمريكية. إنها القصص المُساقة باستمرار عن تورّط واشنطن، رغم التنسيق العالي الذي حصل خلال سنوات الحرب على الخليفة وجنوده بين الفصائل الشيعية نفسها والإدارة الأمريكية.

الدعم الأمريكي للعراق في حربه ضد الإرهاب راهناً أضعف من أي وقت مضى، خصوصاً منذ تصعيد الجماعات الموالية لطهران تحرّشاتها بالأمريكيين في العراق بعد انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مروراً بقيام واشنطن باغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وزعيم كتائب حزب الله في العراق أبو مهدي المهندس.

تحاول الآلة الإعلامية للجماعات المرتبطة بإيران تصويرَ داعش على أنه صنيعة أمريكية. إنها القصص المُساقة باستمرار عن تورّط واشنطن، رغم التنسيق العالي الذي حصل خلال سنوات الحرب على الخليفة وجنوده بين الفصائل الشيعية العراقية والإدارة الأمريكية

المعارك الأخيرة التي دارت بين الدولة الإسلامية والحشد الشعبي في محافظة صلاح الدين، شمال بغداد، تمثل صورة واضحة عن الغياب الأمريكي. ففي هذه الفترة سعى رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي إلى الدفع باتجاهات خاطئة، يمكن أن يقال إن أهم علاماتها عزل القائد الميداني لجهاز مكافحة الإرهاب، عبد الوهاب الساعدي، قبل أن يُعاد الآن إلى مكانه كقائد للجهاز بشكل عام.

الأمريكيون هم مَن أنشأ هذا الجهاز، ودورهم فيه حاسم بينما لا يوجد للإيرانيين كثير من النفوذ عليه، لذا سعوا إلى اقتحامه عبر ضرب أكبر وأهم رموزه. وبدأت القوات الأمريكية تنحسر بشكل وآخر، محتفظة بوجودها بعيداً عن خوض المعارك منذ اغتيال سليماني ومساعي الكتل السياسية الشيعية إلى تنفيذ الرغبة الإيرانية بموقف عراقي حاسم تجاه وجود تلك القوات.

داعش على طريقة الزرقاوي

أيضاً، يبدو أنّ داعش يعيد تعريف طبيعة هجماته، أو بتعبير أدق طبيعة وجوده على الأرض. الظروف العالمية والإقليمية والمحلية لا يمكن أن تترك له أي فرصة لظهور علني مجدداً على الأرض. كما أنّ الحكومة العراقية منذ حيدر العبادي، تحظى بقبول عربي، خليجي خصوصاً، أفضل بكثير مما كان عليه الحال في زمن نوري المالكي.

التغيير المنهجي الواضح يعتمد على الهجمات الشبحية. العمليات خاطفة ومتعددة الأماكن، وهي أقرب إلى حرب المفخخات التي لا تتكبد عناء الدفاع عن أرض. كأنها نفسها التي كانت سائدة قبل تحول داعش إلى خلافة. وفي هذه النقطة بالتحديد يعود رعايا أبو بكر البغدادي إلى طريقة تنظيم القاعدة بقيادة الزرقاوي، تلك التي كان التخلي عنها أحد عوامل الخلاف بين القاعدة وداعش. مع الإشارة إلى أنّ الخلاف، في جوهره، ليس وليد الوجود العلني على شكل “دولة”، بل له استحقاقات تعود إلى زمن زعامة الزرقاوي نفسه قاعدةَ العراق.

ضعف التنظيم في الوقت الراهن، وفقدانه الكثير من الموارد المالية والبشرية، وعدم وجود أي داعم إقليمي صريح بعد أن امتثل الداعمون السابقون لقرارات مجلس الأمن، على الأقل بالحد الأدنى، يدفعه لإعادة حساباته في التعاطي مع المنظومة الجهادية العالمية.

مؤشرات كثيرة تدل على أنّ البغدادي كان عقبة رئيسية، وبمقتله أمكن ظهور صيغة جديدة، فضلاً عن أنّ الجهاديين في العراق بدأوا بالعودة إلى كونهم محليين أكثر من كونهم عالميين. ورجوع مئات من عناصره إلى العراق من سوريا، ليس فقط لضعف القدرات الاقتصادية على البقاء في جغرافيا عابرة للدول، بل أيضاً لأنه محاولة حصر الجانب المحلي للتنظيم، والإبقاء على الطابع العالمي حصراً للقاعدة بتسمياتها المتعددة.

إنّ أحد العوامل الجوهرية التي أبقت القاعدة حيّة وغير قابلة للتدمير في أفغانستان هي أنها عادت إلى الظل وأبقت العلانية لطالبان. وهذه الصيغة مخيفة، رغم ظاهرها الأقل شراسة وعنفاً. لهذا سيكون مثيراً للمخاوف أنْ يعيد القاعديون ونسلهم إنتاج منظوماتهم المحلية وفق ذلك التدبير الأفغاني. ولطالما كانت أفغانستان هي البداية لهم.