الثلاثاء: 20 نوفمبر، 2018 - 11 ربيع الأول 1440 - 07:19 صباحاً
دفاتر
الأثنين: 9 يوليو، 2018

محمد يسري

حفل التاريخ السياسي للعرب والمسلمين بالكثير من أحداث التنافس والصراع على السلطة والحكم، وكان الاغتيال من بين الطرق المهمة التي لجأ إليها الحكام والمعارضون للتخلص من خصومهم.

وتنوّعت عمليات الاغتيال السياسي في التاريخ العربي-الإسلامي ما بين الطرق الدموية المباشرة كاللجوء إلى استعمال الخناجر والسيوف، والطرق الخفية كالخنق والسم، بالإضافة إلى بعض الوسائل المبتكرة مثل العطور القاتلة.

الخناجر… طريقة اشتهر بها الحشاشون

كان الخنجر أشهر الوسائل التي استخدمت في عمليات القتل والاغتيال طوال التاريخ العربي-الإسلامي، وكان السبب في ذلك مفعوله القوي وسهولة حمله وإخفائه بعيداً عن الأعين.

تم تنفيذ الكثير من عمليات الاغتيال المشهورة بالخنجر، ولعل أولها اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة المجوسي الذي استخدم خنجراً ذا نصلين سقاه السم الزعاف، بحسب ما يذكره السيوطي في كتابه “تاريخ الخلفاء”.

وكانت جماعة الحشاشين التي اتخذت من قلعة ألموت في إيران مركزاً لها من أشهر الجماعات التي عُرفت باستخدام الخناجر في اغتيالاتها، حتى صار الخنجر شعاراً مميزاً لها.

وكان الوزير السلجوقي نظام الملك الذي شن حرباً لا هوادة فيها ضد الإسماعيلية في إيران، ممّن اغتالهم الحشاشون بالخنجر. اقترب منه واحد منهم وكان متخفياً في زي درويش صوفي، ولما سمح له الوزير بالاقتراب سارع بتوجيه عدد من الطعنات القاتلة لقلب الوزير، فقضى نحبه من فوره، بحسب ما يذكره الذهبي في كتابه “تاريخ الإسلام”.

صلاح الدين الأيوبي أيضاً كان ممّن وُجهت لهم طعنات الحشاشين القاتلة، ولكنه نجا منها أكثر من مرة، واستمر على حالة الخوف والترقب من هجماتهم، حتى زار شيخهم الأكبر في قلعة مصياف في سوريا، وعقد معه مهادنة وصلحاً.

السم… طريقة أودت بحياة أئمة الشيعة

كان السم من أكثر الطرق المستخدمة في الاغتيال والقتل، وكان من الشائع اللجوء إليه عند الخوف من المواجهة المباشرة أو للتخلص من المنافسين والأعداء الذين يُخشى من خطورتهم أو ثورتهم.

وربما كان أولى ضحايا الاغتيال بالسم في التاريخ الإسلامي الرسول نفسه. فبحسب ما يذكره البخاري في صحيحه، فإن الرسول أخبر زوجته عائشة، وهو على فراش الموت، بأنه يحس بالآلام التي أحدثها السم الموجود في شاة مصليّة قدمتها له امرأة يهودية يوم خيبر.

هذا الخبر جعل جمعاً من المسلمين يذهبون إلى أن الرسول توفي شهيداً، بحسب ما ينقل عنهم ابن القيم الجوزية في كتابه “زاد المعاد في هدي خير العباد”.

السم أيضاً كان حاضراً بقوة في أحداث الحرب الأهلية التي اندلعت بعد مقتل عثمان بن عفان في آخر عام 35هـ. يذكر ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية”، أن الخليفة علي بن أبي طالب لما أرسل بمالك الأشتر النخعي، وكان أعظم قادة جيشه، لتولي حكم مصر، لاقاه أحد الرجال الموالين لمعاوية بن أبي سفيان ورحب به، وأعطاه طبقاً من عسل ليشربه، وكان قد وضع فيه السم، فلم يطل الوقت بالأشتر حتى مرض ومات، ولما وصل الخبر إلى معاوية وأهل الشام، قالوا قولتهم المشهورة: “إن لله جنوداً من عسل”.

وللاغتيال بالسم حضور مؤثر في الذاكرة الشيعية الإمامية الإثناعشرية على وجه الخصوص. فبحسب الاعتقاد الشيعي السائد، فإن تسعة من الأئمة قد تم اغتيالهم بواسطة السم الذي دسه لهم معاصروهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين.

وكانت أشهر تلك الحالات ما تواتر عن قيام جعدة بن الأشعث زوجة الحسن بن علي بدس السم لزوجها بتحريض من معاوية بن أبي سفيان، كما يذكر البلاذري في كتابه “أنساب الأشراف”، وكذلك قيام الخليفة المأمون بدس السم في طبق العنب الذي أكل منه ولي عهده علي الرضا للتخلص منه، بحسب ما يذكر الصدوق في كتابه “عيون أخبار الرضا”.

الضرب المبرح… وسيلة قتل آخر الخلفاء العباسيين

الضرب المبرح المفضي إلى الموت كان واحداً من أهم الوسائل التي تم استخدامها في القتل وتنفيذ الاغتيالات.

في كتابه “سمط النجوم العوالي في أخبار الأوائل والتوالي”، يذكر العصامي المكي، أن القائد المغولي هولاكو عزم بعد دخوله بغداد على اغتيال الخليفة العباسي المستنصر بالله، ولما نصحه بعض أتباعه بخطورة إراقة دم الخليفة خوفاً من أن يتسبب ذلك في وقوع أحداث عظيمة بالبلاد، أمر بتقييد المستعصم ووضعه في جوال وأغلق عليه بإحكام، ثم أمر مجموعة من جنود المغول بالانهيال على الجسد المسجى على الأرض ركلاً ورفساً حتى فارقته الحياة.

في نفس الفترة تقريباً، وبالتحديد في بداية العصر المملوكي في مصر، وقعت حادثتان مشهورتان استُخدم فيهما الضرب للاغتيال السياسي. الحادثة الأولى كانت بعد تنصيب عز الدين أيبك سلطاناً على مصر، وذلك عندما وجدت زوجته شجرة الدر أنه استقل عنها بشكل كامل، وأنه يداوم على زيارة زوجته الأولى أم ابنه علي.

بحسب ما يذكره تقي الدين المقريزي في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك”، فإن شجرة الدر رتبت مجموعة من الجواري والخصيان واتفقت معهم على اغتيال زوجها، فلما دخل الحمام ليلاً للاغتسال، هجم عليه المتآمرون وشلوا حركته، وقام أحد الخصيان بعصر خصيتيه، فزهقت روح أيبك من شدة الوجع.

الحادثة الثانية تمثلت في مقتل شجرة الدر نفسها، إذ أن الأحداث تطورت سريعاً بعد اغتيال أيبك، عندما قام مماليكه بتنصيب ابنه علي سلطاناً على مصر. ووجدت أمه فرصة للانتقام من غريمتها وعدوتها اللدود، فاتفقت مع بعض الجواري اللواتي دخلن على شجرة الدر في الحمام، وقمن بضربها على رأسها وجسدها بالقباقيب الخشبية، حتى ماتت “فألقوها من سور القلعة وليس عليها سراويل وقميص، فباتت في الخندق أياماً، إلى أن حملت ودفنت في مشهدها النفيسي، حسب ما يذكره المقريزي في كتابه.

الخنق… أداة اغتيال برعت النساء في استخدامها

استُخدم الخنق في بعض الأحيان للتخلص من الشخصيات المهمة، وكان أكثر ما يميّز تلك الطريقة أنها تجري في الخفاء دون أن تترك آثاراً واضحة يمكن التعرف عليها.

هناك حادثتان مشهورتان استُخدم فيهما الخنق كوسيلة للاغتيال وقعتا في التاريخ الإسلامي، وكان الفاعل في كل منهما من النساء، بل ومن أهل بيت القتيل أيضاً.

الحادثة الأولى وقعت في بدايات الدولة الأموية. فبعد وفاة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان انتقل الحكم بعد فترة قصيرة إلى مروان بن الحكم شيخ الأمويين في ذلك الوقت، وقام الخليفة الجديد بالزواج من فاختة بنت هاشم أرملة يزيد، وكانت أماً لخالد بن يزيد ولي العهد.

وبحسب ما يحكي ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”، فإن مروان اعتاد أن يسفه من قدر خالد أمام العامة والخاصة، وأن يحط من شأنه، حتى أنه خلعه من ولاية العهد، ونصب ولديه عبد الملك وعبد العزيز بدلاً منه.

وفي أحد الأيام، قام مروان بالسخرية من خالد وعيّره بأمه، فانطلق ولي العهد المخلوع إلى والدته شاكياً باكياً، وعندها دبرت مؤامرة لقتل زوجها، إذ حرضت مجموعة من جواريها فانتظرن الخليفة، حتى إذا قدم منزله ودخل مخدعه، اجتمعوا عنده ووضعوا الوسائد على وجهه، فمات مخنوقاً.

أما الحادثة الثانية، فتعود إلى بدايات العصر العباسي، وبالتحديد إلى زمن الخليفة الهادي. ينقل الطبري في تاريخه أخبار المنافسة الحامية بين الخليفة وأمه الخيزران على الاستئثار بالسلطة والنفوذ، تلك المنافسة التي وصلت ذروتها عندما حاول الهادي خلع أخيه الرشيد من ولاية العهد.

يذكر الطبري أنّ سبب موت الهادي هو أنّ أمه “دست إليه من جواريها لما مرض مَن قتله بالغم والجلوس على وجهه”.

العطر السام… طريقة مبتكرة استخدمها العباسيون ضد علوي

كان العطر إحدى الطرق المبتكرة التي لجأ إليها البعض لاغتيال شخصيات عُرفت بالحرص والحذر والبعد عن أيدي السلطة الغاشمة. وتُعتبر حادثة اغتيال إدريس بن عبد الله مؤسس الدولة الإدريسية في المغرب واحدة من أكثر الحوادث المميزة في هذا الاتجاه.

بحسب ما يذكره الطبري في تاريخه، فإن إدريس بن عبد الله كان واحداً من العلويين الذين قاتلوا العباسيين في موقعة فخ بالقرب من مكة عام 169 هـ، وفرّ بعد الهزيمة باتجاه المغرب، حتى وصل إلى جبل زرهون عند قبيلة أوروبة البربرية.

في تلك المنطقة البعيدة، استطاع إدريس أن يؤسس دولة جديدة، وكان ذلك يؤرق الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي لم يكن ليسمح بأن تقام للعلويين دولة على أطراف رقعة ملكه، ولذلك فكر في اغتيال غريمه، فاختار أحد الرجال المعروفين بالذكاء الشديد وهو سليمان بن جرير المعروف بالشماخ.

وبحسب ما يذكره علي الجزنائي في كتابه “جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس”، فإن الشماخ سافر إلى المغرب، وعمل على استخدام حنكته وذكائه حتى توصل للقاء إدريس، وأقنعه بأنه من المؤيدين لحق العلويين في الخلافة والحكم، وصار من رجال البلاط.

وفي أحد الأيام، أخرج الشماخ زجاجة عطر سامة، وأطنب في ذكر حسن رائحتها أمام إدريس، فلما وافق العلوي على شمها أعطاها له الشماخ، ولم يمر وقت طويل حتى سقط إدريس مغشياً عليه، وتوفي بعد فترة قصيرة وسط حيرة أهله وأتباعه، بينما هرب الشماخ بسرعة إلى بغداد، بعد أن أتم مهمته على خير وجه.