الأربعاء: 15 يوليو، 2020 - 24 ذو القعدة 1441 - 02:13 صباحاً
سلة الاخبار
السبت: 9 مايو، 2020

 

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن تراجع النفوذ الإيراني داخل العراق في ظل ظهور مؤشرات توحي بعجز طهران عن تنفيذ أجندتها في بغداد، خصوصاً عقب مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في هجوم أمريكي مطلع العام الجاري.

 

من المؤشرات التي اعتبرها مراقبون دليلاً على تراجع النفوذ الإيراني في العراق، الخلاف الولائي الشيعي بين المرجعية الدينية في النجف وولاية الفقيه للمرشد الأعلى في طهران آية الله خامنئي.

 

في موازاة ذلك، يسري الحديث عن أن التحالف مع إيران يكلف العراقيين دماء أبنائهم، إذ أدى الانسحاب الأمريكي من عدة مناطق في العراق نتيجة الضغوط الإيرانية، إلى عودة نشاط تنظيم داعش في مهاجمة الأجهزة الأمنية.

الخلاف الولائي

يقوم النفوذ الإيراني في العراق على ثلاثة محاور، يمكن اختصارها بالتالي: النزعة الدينية الشيعية، وولاء الأحزاب السياسية، وتشكيل مليشيات مسلحة تتبع طهران.

 

في ما يتعلق بالمحور الديني، قال مراقبون إن المرجعية الدينية في النجف بقيادة المرجع الأكبر على السيستاني تعمل على فك الارتباط مع إيران، وتتخذ موقفاً متشدداً من تدخل طهران في العراق.

 

وعن ذلك، تحدث المحلل والكاتب العراقي واثق الجابري قائلاً: “من الناحية الدينية تُعتبر مرجعية النجف هي الأعلى في العالم ولا تتبع أية دولة، ومن المفترض أن تكون تبعية قم وطهران في إيران إلى مرجعية النجف”.

 

وأضاف الجابري لرصيف22: “معظم القادة السياسين العراقيين وقادة الدول الإقليمية والدولية كانوا، ولا يزالون، كلما أتوا إلى العراق زاروا مرجعية النجف واستأنسوا برؤيتها، مقتنعين بأنها صاحبة المواقف التي يعتبرها قادة العراق صمام أمان للعمل السياسي”.

 

ورأى أن المرجعية الدينية في مجال العمل السياسي والأمني أشارت إلى إبعاد العراق عن التدخلات الخارجية، ومنها الإيرانية، لذلك طالبت في إحدى خطبها بأن يكون العراق “سيد نفسه”.

 

ولفت الجابري إلى أن مواقف المرجع الأعلى التي تنادي باستقلال العراق عن الخارج، أدت الى تقليل النفوذ الخارجي، ولا سيما النفوذ الإيراني.

 

يرتكز النفوذ الإيراني في العراق كذلك على الجماعات المسلحة التي يُعرف قادتها بالولاء لإيران، منها الجناح العسكري لـ”منظمة بدر” بزعامة هادي العامري و”عصائب أهل الحق” برئاسة قيس الخزعلي و”كتائب حزب الله العراقي” التي أسسها أبو مهدي المهندس الذي اغتاله وسليماني الجيش الأمريكي.

 

من المؤشرات التي اعتبرها مراقبون دليلاً على تراجع النفوذ الإيراني في العراق، الخلاف الولائي الشيعي بين المرجعية الدينية في النجف وولاية الفقيه للمرشد الأعلى في طهران آية الله خامنئي

وبدأت الخلافات في الآونة الأخيرة تتزايد داخل الكتائب الشيعية التي تقاتل تنظيم داعش تحت اسم”الحشد الشعبي” الذي أشرف على تأسيسه سليماني والمهندس، إثر امتعاض المليشيات التابعة للسيستاني من فكرة الولاء لطهران.

 

كانت الخلافات قد ظهرت قبل مقتل أبو مهدي المهندس الذي شغل منصب نائب رئيس هيئة الحشد. ففي عام 2018، اعتقل المهندس عدداً من قادة المليشيات التابعة للسيستاني إثر انتقادهم إيران، كما أصدر قراراً بفك ارتباط هذه المليشيات بالمرجعية الدينية في النجف بغية تقريبها من معسكر إيران.

 

في 27 نيسان/أبريل الماضي، رصد المحلل الأمني العراقي هشام الهاشمي تصاعد حدة الخلافات بين قادة “المليشيات الولائية” لإيران خصوصاً “حزب الله” بقيادة عبد العزيز المحمداوي المعروف باسم “أبو فدك” ومجموعات العتبات المقدسة التابعة للسيستاني، منها “فرقة العباس” بزعامة ميثم الزيدي.

 

أخيراً، قررت الحكومة العراقية ضم ألوية تابعة لمرجعية النجف إلى الجيش وفك ارتباطها بالحشد الشعبي في العراق. ورأى مراقبون أن خروج هذه الألوية، منها فرقة العباس القتالية، يسحب غطاء فتوى السيستاني للحشد الشعبي.

 

وظهر مدى الخلاف مع تأخر الحكومة العراقية في اتّخاذ قرار تعيين خليفة للمهندس في قيادة الحشد الشعبي، إثر رفض الموالين للسيستاني تعيين شخصية موالية لإيران مثل أبو فدك.

 

في المقلب الحزبي والسياسي، واجهت إيران طوال الفترة الماضية صعوبات في دفع الكتل الشيعية في العراق إلى التوافق على شخصية رئيس الوزراء الجديد.

 

وكان الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الايراني علي شمخاني قد زار بغداد في آذار/مارس الماضي من أجل دفع الأحزاب الشيعية للتوافق على اختيار شخصية رئيس الوزراء الجديد، ولم تسفر عن اجتماعه نتائج طيبة.

 

كذلك زار خليفة سليماني قائد فيلق قدس الإيراني إسماعيل قآني بغداد بعد بضعة أسابيع من زيارة شمخاني من دون أن يحقق نتائج جيدة في عملية اختيار مرشح لمنصب رئيس الوزراء.

 

بل ولّدت زيارة شمخاني وقآني للعراق شعوراً لدى المحللين بوجود صراع بين الحرس الثوري والخارجية الإيرانية على إدارة الملف العراقي، في دلالة على ارتباك سياسة إيران في بغداد.

 

في نيسان/أبريل الماضي، أعلن رئيس منظمة الحج الإيرانية علي رضا رشيديان بدء التخطيط لإعادة فتح الحدود بين العراق وإيران. لم يحظ الإعلان بالترحيب لدى مسؤولين عراقيين، وأصدروا بياناً ينفي عودة أي نشاط تجارياً كان أو دينياً

بموازاة ذلك، ظهر تراجع النفوذ الإيراني في الجانب السياسي لدى ترشيح محافظ النجف السابق عدنان الزرفي لتشكيل الحكومة العراقية على الرغم من اعتراض الموالين لطهران على ترشيحه، خصوصاً كتلة الفتح ومليشيات عصائب أهل الحق التي تتهمه بالموالاة لأمريكا.

 

حتى بعد فشل الزرفي في تشكيل الحكومة، وبرغم ما قيل عن قدرة رئيس المخابرات العراقية مصطفى الكاظمي المكلف بتشكيل الحكومة على “الموازنة بين إيران وأمريكا”، فقد حضر كذلك الكلام عن اتهام أبو علي العسكري، وهو مسؤول أمني في كتائب حزب الله، للكاظمي بمساعدة الولايات المتحدة في تنفيذ عملية قتل سليماني والمهندس.

كورونا والتظاهرات

في 8 آذار/مارس الماضي، قرر العراق غلق الحدود مع إيران، بعد تفشي فيروس كورونا في طهران، وهذا ما أثّر بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني.

 

حاولت إيران، وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، الضغط على الحكومة العراقية لفتح الحدود من أجل عودة النشاط التجاري بين البلدين، لكن بغداد رفضت الضغوط.

 

وفي نيسان/أبريل الماضي، أعلن رئيس منظمة الحج الإيرانية علي رضا رشيديان بدء التخطيط لإعادة فتح الحدود بين العراق وإيران. لم يحظ الإعلان بالترحيب لدى مسؤولين عراقيين، وأصدروا بياناً سريعاً ينفي شروع الحكومة في التخطيط لإعادة فتح الحدود لأي نشاط تجارياً كان أو دينياً، وفقاً لـ”نيويورك تايمز”.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران مارست ضغوطاً سياسية واقتصادية على العراق، يعتقد الكثير من العراقيين أنها ليست في مصلحة البلاد.

 

يُعدّ العراق سوقاً رئيسة للمنتجات الزراعية الإيرانية ومواد البناء ومنتجات الألبان والأسماك.

 

وتخطط إيران أن تجني 20 مليار دولار أمريكي من تصدير منتجاتها إلى العراق الذي يعد أهم مصادر طهران للحصول على العملة الأجنبية في ظل العقوبات الأمريكية.

 

غير أن واشنطن بدأت في تعقّب الشركات العراقية التي تتعامل مع إيران كي تفرض عليها عقوبات اقتصادية، لذا يخشى العراقيون أن يعرّض استمرار علاقتهم التجارية مع طهران بلادهم لأضرار جسيمة.

 

وأقرّ محللون أن تراجع النفوذ الإيراني في بغداد يعود في الأساس إلى المشاعر العدائية التي ظهرت لدى عشرات الآلاف من العراقيين الذين تظاهروا في ساحة التحرير في بغداد ضد السياسة الإيرانية ودورها في العراق.

 

خلال الاحتجاجات، نادى ناشطون عراقيون بمقاطعة البضائع الإيرانية بسبب اتهام المتظاهرين طهران بالوقوف خلف عمليات الاغتيال التي تعرض لها عدد من السياسيين الرافضين للسياسة الإيرانية.

 

وقال عباس كاظم مدير معهد مبادرة المجلس الأطلسي للعراق لنيويورك تايمز: “خلال الاحتجاجات، انتشرت دعوات إلى شراء منتجات عراقية بدلاً من المنتجات الإيرانية، ورأى الكثير من المواطنين أن هذه الخطوة وطنية، وازداد الطلب على المنتجات المحلية”.

 

كان عدد من استجابوا لهذه الدعوات قليلاً، وفقاً للصحيفة، لكن حين انتشر فيروس كورونا بدأت مخاوف الناس على صحتهم تدفعهم إلى رفض شراء المنتجات الإيرانية التي اعتقدوا أنها موبوءة.

عودة داعش

في آذار/مارس الماضي، انسحب الجيش الأمريكي من ثلاث قواعد في العراق، وهذا ما ولّد فراغاً يبدو أن تنظيم داعش استغله لإعادة نشاطه في مهاجمة القوات العراقية. 

 

وانسحبت القوات الأمريكية بعدما طالبت الحكومة العراقية، عقب ضغوط من الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، واشنطن بالانسحاب من أراضيها.

 

كذلك قررت واشنطن إعادة تمركز قواتها في العراق بسبب الهجمات الصاروخية التي قيل إن منظمات موالية لإيران تقف وراءها.

 

وفي 2 أيار/مايو، أفادت خلية الإعلام الأمني العراقية أن ستة من أعضاء اللواء 35 لقوات الحشد الشعبي قتلوا بنيران داعش، كما قُتل ثلاثة آخرين في تفجير انتحاري في محافظة صلاح الدين، وعنصر آخر من اللواء 41 في محافظة سامراء.

 

في سياق متصل، غرّد رئيس حزب المستقبل الدستوري العراقي انتفاض قنبر أن غياب الطيران الأمريكي أدى إلى عودة هجمات داعش مرة أخرى.

 

وطالب قنبر الحكومة العراقية باتخاذ خطوات لطمأنة الأمريكيين وإرجاعهم الى معركة داعش فوراً، مضيفاً أن العراق لا يستطيع الانتصار على داعش من دون واشنطن